الاثنين 24 كانون ثاني 2022
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (10070)

الثلاثاء 19 ذو القعدة 1436 / 01 أيلول 2015

زوجتي تفشي أسرار البيت لأختها، فبماذا تنصحوني؟


زوجتي تفشي أسرار البيت لأختها وتتكلم معها بما يجري بغرفة النوم مع كثرة تنبيهي لها ونصحي هل أمنهعا من التواصل مع أختها أم أخبر أهلها بهذا ؟ أم ماذا تنصحوني جزاكم الله خيراً على هذا الموقع وبالأخص هذا القسم حتى لا نضطر لسؤال من يزيد الطين بلة

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أهلاً بك بيننا على الموقع، ونسأل الله أن يجري لك الخير فيه وللمسلمين.

إنَّ مِن أعظمِ الجوانبِ المشتركةِ بينَ الزَّوجينِ حِفظُ كلِّ واحدٍ لسرِّ الآخرِ؛ فكلُّ واحدٍ من الزَّوجينِ مطالَبٌ بكتمانِ ما يَراهُ مِن صاحبهِ أو يسمعهُ منهُ.

ولئِنْ كانَ إفشاءُ السِّرِّ بصفةٍ عامَّةٍ من المحرَّماتِ لأنَّهُ أمانةٌ، فإنَّ إفشاءَ أسرارِ الزَّوجِ والزَّوجةِ -وخاصَّةً أسرارَ الفراشِ- يُعَدُّ من أكبرِ المحرماتِ التي نهى عنها رَسولُنا الكريمُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وقدِ اعتبرَ الشيخُ ابنُ حجرٍ المكيِّ الهيتميِّ أنَّ نشرَ أسرارِ العلاقةِ الزَّوجيةِ من كبائرِ الذنوبِ، واستدلَّ على ذلكِ بالأحاديثِ الصَّحيحةِ الواردةِ في ذلكَ.

 وقدْ حَدَثَ مرَّةً أنْ أفشتْ إحدى زوجاتِ النَّبيِّ سرَّه، فكانَ التأنيبُ القرآني واضحاً: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم:3-5].

فالزَّوجةُ موطنُ سرِّ الزَّوجِ دائماً، وألصَقُ الناسِ بهِ وأعرفُهُم بخصائصِهِ وسرائرِهِ، وهي أولى الناسِ بمعرفةِ ذلكَ، ولذلكَ أمرها الشرعُ بحفظِ سرِّهِ.

والأصل أن تكون المرأة أمينةً على بيتها وسرِّ زوجها، وأن لا تفشي سرَّه، وهذه وصية أم الملكة زوجة الحارث بن عمر ملك كندة حين قالت لابنتها يوم زفافها إلى الملك: (لا تعصي له أمراً، ولا تُفشي له سراً، فإنك إن خالفتِ أمرَه أَوْغَرتِ صدرَه، وإن أفشيتِ سرَّه لم تأمني غدرَه).

 وقد توعد الرسول صلى الله عليه وسلم الزوجة التي تفشي أسرار الزوجية الخاصة بوعيد شديد، ففي الحديث: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضى إليه ثم ينشر سرها» [أخرجه مسلم].

 قال الصنعاني في سبل السلام [2/ 206]: (أي: وتنشر سره...، وكذلك المرأة لا يجوز لها إفشاء سره، وقد ورد به نص أيضاً).

 وقال ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح [5/ 2093]: (وذلك بأن يتكلم للناس ما جرى بينه وبينها قولاً وفعلاً، أو يفشي عيباً من عيوبها أو يذكر من محاسنها ما يجب شرعاً أو عرفاً سترها. قال ابن الملك: أي أفعال كل من الزوجين وأقوالهما أمانة مودعة عند الآخر، فمن أفشى منهما ما كرهه الآخر وأشاعه فقد خانه).

 فالناشر سواء كان زوجاً أو زوجة من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ينشر سر أهله ومن تنشر سر زوجها بالشياطين، فقال في الحديث الذي أخرجه أحمد والطبراني: «عسى رجلٌ يحدِّث بما يكون بينه وبين أهله, أو عسى امرأةٌ تحدِّث بما يكون بينها وبين زوجها, فلا تفعلوا، فإن مَثَل ذلك مَثَل الشيطان لَقِي شيطانة في ظهر الطريق فغشيها، والناس ينظرون».

 ومرةً.. صلَّى رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالناس، فلمَّا سلَّمَ أقبلَ عليهِم بوجههِ فقالَ: «هَلْ مِنْكُمُ الرَّجُلُ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهِ سِتْرَهُ وَاسْتَتَرَ بِسِتْرِ اللَّهِ؟». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «ثُمَّ يَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلْتُ كَذَا!!». قَالَ: فَسَكَتُوا، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: «هَلْ مِنْكُنَّ مَنْ تُحَدِّثُ؟». فَسَكَتْنَ، فَجَثَتْ فَتَاةٌ عَلَى إِحْدَى رُكْبَتَيْهَا وَتَطَاوَلَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لِيَرَاهَا وَيَسْمَعَ كَلاَمَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَتَحَدَّثُونَ وَإِنَّهُنَّ لَيَتَحَدَّثْنَهْ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا مَثَلُ ذَلِكَ؟ إِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانَةٍ لَقِيَتْ شَيْطَاناً فِي السِّكَّةِ، فَقَضَى مِنْهَا حَاجَتَهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْه...» [رواه أبو داودَ وأحمدُ].

 فليس إفشاء الأسرار الزوجية من عمل الصالحين والصالحات، والمرأة الصالحة حافظة لسر زوجها كما قال الله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34]

 وإذا ما ابتلي رجل بامرأة تفشي سره فأول ما عليه هو البحث عن أسباب هذا السلوك..

فيمكن أن يكون مردُّه الجهل، بأن تكون المرأة غافلة عن عظيم إثم هذا السلوك، فتتصرف بسجيتها على غرار ما تتصرف مثيلاتها في محيطها، فيكون العلاج عند ذلك بالتعليم، بأن يطلعها الرجل على قبح هذا الذنب، ويسوق لها النصوص التي وردت في المسألة كالتي ذكرناها آنفاً.

 لكن المشكلة التي تبقى تتمثل في أن تكون الزوجة ذات عقل خفيف، ودين يسير، وحياء لا يكفي لردعها عن هذا السلوك، فلا تتعظ بالموعظة ولا تنصاع للنصح، وعندها يكون الموقف صعباً بالفعل، وعلى الزوج أن يدرك حينها أن بني آدم عرضةٌ للخطأ دائماً، والمعصوم من عصمه الله، فيعفُو عن زوجته ويحذرها، ويستمر بنصحها وتعليمها، علَّ الأيام وتتابع النصح يغيرها، وليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاَ رضي منها آخر» [أخرجه مسلم]

ويسأل الله تعالى مع ذلك أن يصلح الحال، ويجتهد في إصلاح حاله مع ربه، فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين زوجه، وكان بعض الصالحين يقول: (إني لأعرف حالي مع الله تعالى من خُلُق زوجتي).

 وأحياناً يكون سبب هذا السلوك هو عدم قدرة الزوجة على الصبر لما تعانيه من مشكلات وأزمات في أسرتها، مما يدفعها إلى إفشاء الأسرار تخفيفاً للألم، وعندها يجب أن يحثها الزوج على الصبر، وأن يدربها على المصارحة والحوار فيما بينهما حصراً، وأن تشتكيه لنفسه، فتخفف بذلك ألمها وتتجاوز هذه العقبة.

 وقد يكون سبب هذا السلوك كثرة خلطة الزوجة مع أهلها وصديقاتها، فهذه الخلطة تدعوها للثرثرة والإكثار من الكلام حتى يمر الوقت ويمتلئ الفراغ، وعندها تبدأ بالحديث عما يجمل ولا يجمل، ومن كثر كلامه كثُرَ خطؤه، ولعل جلسات الهاتف والتواصل الالكتروني على الواتس اب والفيس بوك ونحوها... يفعل الفعل ذاته.

وعند ذلك يلزم الزوج أن يحول دون الإكثار من اللقاءات والاتصالات التي تجمع زوجته بذويها، ويقتصر على أقل صلة الرحم، ويجتهد في ملء فراغ زوجته بالنافعات، وإلا ستملؤه هي بما لا يسرُّه من إفشاء أسراره.

 بعض الزوجات تفشي أسرار بيتها من باب التعالي على أخواتها أو صديقاتها، وذكرِ ما فضَّلها الله به عليهنَّ، وعند ذلك يجب على الزوج تنبيهها إلى ذم هذا السلوك، وتخويفها بأن يحرمها الله تعالى هذه النعم، حتى لو كانت نعماً ميَّزها الله بها في الحاجة الخاصة بينهما.

 وقد يكون سلوكها عن حسن نية، بأنها تذكر نعم الله عليها من باب {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، فيلزم تنبيهها بأن هذا التحديث بالنِّعم مقدور بقدره، وله حدود وضوابط لا يجوز تجاوزها. 

 أحياناً تمر الزوجة بمرحلة من الفراغ العاطفي، سببه جفاء زوجها، وقلة عطفه واهتمامه بها، وتكون لها صديقة أو أخت مهتمة -بدافع حب الاطلاع- بمثل هذه الأسرار، فتبذل الزوجة سرها لتلك الصديقة أو القريبة بغية استجداء اهتمامها كتعويض عن قلة اهتمام زوجها، والعلاج عندها يكون بمزيد من الاهتمام بالمرأة، وبذل الكلام اللطيف والليِّن والجميل فيما بينهما.

 وقد تفشي الزوجة سر زوجها بحثاً عن علاج لمشكلاتها، فإن كان الأمر كذلك فلا بأس، شريطة أن تسأل امرأة ثقة ذات دين وخلق وعلم، ولا تتجاوزها لغيرها إلا لضرورة كأن لا تجد عندها العلاج، وفي هذه الحالة يبقى السر في حكم الكتمان، وما خرج منه شيء إلا بقدر دعت إليه الضرورة.

 ختاماً: ننصحك أن تصارح زوجتك بما يؤذيك منها، وتحذِّرها من الوقوع في ذات الخطأ مرةً أخرى، ثم بعد ذلك حاول أن تحصِّن نفسك ما استطعت منها، فلا تطلعها على ما لست مضطراً إلى إخبارها به، وأعلمها بأنك تفعل ذلك عمداً لأنك لا تثق بكتمانها لسرك، وحذرها أن الأيام القادمة لا تحمل لها الخير إن لم تتغير في هذه المسألة.

 سألت الله لك إيماناً لا يرتد، وقرّة علين لا تنقطع، ومرافقة نبيِّه صلى الله عليه وسلم في أعالي جنانه.

والله تعالى اعلم