الجمعة 28 كانون ثاني 2022
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (10599)

الثلاثاء 27 صفر 1437 / 08 كانون أول 2015

كيف يعلق الإنسان قلبه بالله ويتوكل عليه؟


السلام عليكم اريد ان استفسر عن كيف يعلق الانسان قلبه بالله وحده وان يتوكل عليه حق التوكل

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

قال صلى الله عليه وسلم: «لَو أنكُم توكَّلْتُم علَى اللهِ حقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُم كما يَرْزُقُ الطَّيْرَ تغدُو خِمَاصًا وتَروحُ بِطَانًا» [مسند أحمد].

فأفئدة الطير مليئة بالتوكل على الله، ولو أننا توكلنا على الله كما يتوكل الطير لرزقنا مثل ما يرزق الطير، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم المتوكل على الله بوصفين:

أ- السعي في طلب الرزق.

ب- الاعتماد على مسبب الأسباب.

والتوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة.

يقول أحد العلماء رحمه الله: (سر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها).

والتوكل على الله لابد من تحقيق مراتب فيه:

1- معرفة الرب وصفاته، من قدرته وكفايته وقيوميته، أنت تتوكل على الله وتعتمد عليه يجب أن تكون مؤمنًا بقوة الله وقدرته وأنه يكفيك.

2- إثبات الأسباب والمسببات وأنها لا تستقل بنفسها في التأثير، فأنت تنكح ليأتيك الولد وتبذر ليخرج الزرع، ولذلك جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رَسولَ اللَّهِ أعقِلُها وأتوَكَّلُ، أو أطلِقُها وأتوَكَّلُ؟ قالَ: اعقِلهاوتوَكَّلْ» [سنن الترمذي]، وأحيانًا لا يجد الواحد إلا الدعاء، ونعم السبب، والله عزوجل علم عباده الأخذ بالأسباب فقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15]، وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة:10]، فالذي يقول لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي جاهل بشرع الله وجاهل بقدر الله.

قال الله في سورة المزمل {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ} [20]، يضربون: يسافرون و يذهبون ويتاجرون، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتاجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم.

ولما سئل الإمام أحمد رحمه الله عن هؤلاء الذين يزعمون أنهم متوكلة ويقولون نقعد وأرزاقنا على الله عزوجل، قال الإمام أحمد: هذا قول رديء أليس الله قد قال {فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة:9-10].

3- ومن المقامات التي يجب تحقيقها رسوخ القدم في طريق التوحيد، فالعبد إذا حقق التوحيد كان له من التوكل النصيب العظيم ، {حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة:129]، توحيد وتوكل بعده.

4- الاعتماد على الله عزوجل في كل الأمور، بحيث يفوض إليه سائر أموره.

5- أن يحسن الظن بالله عزوجل وتفويض الأمور إلى الله عزوجل كلها ويكون بيد الله أوثق منه بما في يده، لا يضطرب قلبه ولايبالي بإقبال الدنيا وإدبارها لأن اعتماده على الله، فحاله كحال إنسان أعطاه ملك درهم فسرق منه، فقال الملك عندي أضعافه فلا تهتم، متى جئت أعطيتك أضعافه من خزائني، فمن يعلم أن الله ملك الملوك خزائنه ملأى فلا يقلق إذا فات شيء فإن الغني يعطيه الله بدلاً منه، وأما حسن الظن بالله عزوجل فإن الله عزوجل كما جاء في الحديث القدسي قال: «أنا عند ظن عبدي بي»، فحسن الظن يدعو إلى التوكل على الله، أنت تتوكل على من تظن أنه سينفعك، وإن الإنسان إذا علم وتيقن أن الله هو الغني القادر الحسب الكافي فيتوكل عليه.

6- استسلام القلب لله سبحانه وتعالى، فإذا استسلم كاستسلام العبد الذليل لسيده وانقياده له حصل التوكل.

7- التفويض {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ} [غافر:44]، أي أتوكل عليه وأستعينه مع مقاطعتي و مباعدتي لكم خدعتموني، قال اين مسعود: "إن أشد آية في القرآن تفويضًا {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3]،

قال أحد العلماء: "المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله والرضى بعده، من وجهة نظر الدين والتوحيد، فمن توكل على الله قبل الفعل ورضى بالمقضي بعد الفعل فهذا إنسان قائم بالعبودية فعلًا"،

ولذلك انظر إلى دعاء الاستخارة: (واقدر لي الخير حيث كان كله ثم رضني به)،فالتوكل إذاً على الله تفويض قبل وقوع المقدور ورضى بعد وقوع المقدور.

والله تعالى أعلم