الثلاثاء 19 حزيران 2018
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (10722)

الخميس 14 ربيع الأول 1437 / 24 كانون أول 2015

هل هناك أخوة في الله بين رجل وامرأة؟


السلام عليكم هل هناك أخوة في الله ما بين الرجل والمرأة؟ بمعنى هل يمكن أن تحب امرأة رجلا في الله أو يحدث العكس؟ هل يمكن أن يحبو الخير لبعضهم البعض لوجه الله؟ يتعاونو على الخير لوجه الله؟ يدلها على الخير وتدله عليه؟ هل يمكن ان يحدث هذا في ظل مجتمعنا المختلط ؟

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أهلاً بك أخي في موقعك، ونسأل الله تعالى أن يقسم لك فيه الخير وللمسلمين.

 

بداية:

إن الحب في ذاته لا تلحقه الأحكام الشرعية، لأنه انفعال غير إرادي، ولا يترتب في ديننا على مجرد العواطف التي تجيش في قلوبنا وصدورنا والأفكار التي تدور في رؤوسنا في هذا النطاق أي ثواب أو عقاب شرعي، فالحب شعور انفعالي لا اختياري، ولذلك لا تتعلَّق به الأحكام الشرعية من حرمة أو وجوب أو كراهة؛ فالله تعالى لم يأمرنا في آية واحدة بالحب، ولم ينهنا عنه في آية واحدة، إنما أثنى على ما يترتب على هذا الحب من الفضائل، وذم ما يجنيه غيره من الرذائل، فإنه القائل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}

 

فمن رحمة الله تعالى أنه لا يحاسبنا بخطرات قلوبنا، ويقتصر السؤال عمَّا اكتسبت أيدينا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إنَّ الله تعالى تجاوزَ لأُمَّتِي ما حدَّثَت به أنفُسَها، ما لم يَعْمَلُوا به أَو يتكلَّمُوا» [رواه البخاري ومسلم].

 

يقول الشيخ على الطنطاوي رحمه الله: (ما في الحب شيء، ولا على المحبين سبيل، إنما السبيل على من ينسى في الحب دينَه، أو يضيع خلقه، أو يهدم رجولته أو يشتري بلذَّة لحظة في الدنيا عذاب ألف سنة في جهنم).

 

إذاً: فالعواطف لا يمكن ضبطها والتحكم بها، ولا حساب عند الله عليها بإذن الله، وإذا ما شعر بها الإنسان تأخذ منحىً لا يرضي الله تعالى فليقل: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]

 

لكن ما يمكن ضبطه سلوكاً وحكماً هو التصرف قولاً أو فعلاً بناء على هذه العواطف، ولذلك رأينا الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، لما ينبني عليه من سلوك بين المسلمين، ففي الحديث: «من أحبَّ للَّه، وأبْغَضَ لله، وأعطَى لله ومنع للهِ، فقد استكمل الإيمانَ» [أخرجه أبو داود].

 

ومن السنة إذا أحب الرجل أخاه أن يخبره، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أحب أحدكم أخاه فليُعلِمه أنه يحبه» [الترمذي وأحمد].

 

 

لكن إذا كان المحب أو المحبوب في الله مخالفاً في الجنس ولا يجمع بينهما نسب أو رحم محرِّم أو علاقة زوجية، فعندها يختلف الحكم، مراعاة للقاعدة الشرعيّة: (ترك المفاسد مقدّمٌ على جلب المنافع)، وقد قيل: (دع خيراً عليه الشَّرُّ يربو).

 

فيستغنى عن الإخبار مراعاة للطبيعة البشرية المبنية على أساس الزوجية، فقد ركب الله تعالى فينا غريزة الميل للجنس الآخر، وهذا ما لا يخلو منه كريم أو لئيم، صالح او فاسد، والقصص التي نسمع بها ونراها تقع بين إخوة وأخوات صالحين وصالحات تثير العجب في ذلك، مع أن المسألة بينهما لم تبدأ إلا بهدفٍ سامٍ ونفعٍ متبادل وتعاون على الخير، ومحبة في الله خالصة! ولكن تجاوز الحدود الشرعية الآمنة في ذلك الأمر كان من تلبيس إبليس، حتى أوقع -خزاه الله- الأخيار في شراك حباله؛ ليتحول الحب في الله إلى حب في الشخص نفسه، وميل إليه في ذاته!

 

فالذي ننصح به أن يبقى الحب في الله حبيس القلب، ولا يُخبَر به الآخر حفاظاً على الدين وسداً لأبواب الفتن، ولنحو ذلك من الفتن رأينا الإسلام  شرع للنساء التصفيق في الصلاة وكره لهنَّ التسبيح للتذكير، ونهى المرأة أن ترفع صوتها بالذكر بعد الصلاة، وتناول الفقهاء مسألة رد المرأة الشابة السلام على الرجل في نفسها دون أن يسمعها، وتشميت المرأة الشابة للعاطس الرجل في نفسها أيضاً، وذلك صيانةً لهنَّ ولقلوب الرجال أن تتحرك نحوهنَّ؛ فإن مراعاة للمقاصد الضوابط التي أقامها الشارع في العلاقة بين الجنسين لضمان طهارة القلب، والأمان من تحرُّك النفس، ومنعاً للتمادي تحت مظلة التأويل).

 

هذا، والأصل أن المرأة لاتتحدث مع الرجل الأجنبي إلا لحاجة، فلا يليق بالمرأة التصريح في ذلك وإن كانت النية حسنة وطيبة، والتورّع في مثل هذه المسائل أسلم، ويبقى ما أضمرته لهذا الرجل الصالح من حب له أجرٍه إن شاء الله.

 

 

وباختصار:

إن وقوع المحبة في الله لا يُنكَر بين المسلمين، لكن الإخبار بها عند اختلاف الجنس مظنة فتنة بينهما، وفتح لباب المفسدة التي قصد الشرع إغلاقها، ولمثل ذلك أرشد الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]

 

والله تعالى أعلم