الخميس 23 شباط 2017
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (11348)

السبت 19 شوال 1437 / 23 تموز 2016

توضيح حول حديث الجساسة


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لقد قرأت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقع اسلام ويب والحديث من صحيح مسلم واسمه حديث الجساسة يتكلم عن المسيح الدجال لكن لقد وقع في قلبي عدة شكوك اولها ان النبي قد جمع الناس ليؤكد لهم صدق كلامه الشريف من شخص حدثت معه حادثة مطابقة لكلامه صلى الله عليه وسلم فهل يحتاج سيد الخلق ليثبت صدق قوله ؟وثانيها دخول الشخص على كائن غريب (دابة الارض ) فيسألها ويقول لها ويحك من انت ؟ هل من المنطق اذا رأيت خروف برأسين انت تسأله من هو ؟؟؟ واخرى كتكرار جمل في نص الحديث وهو كالحشو في الكلام ارجو الافادة لان الحديث من صحيح مسلم وامره غريب على عقلي وارجو الرد وان تأخرتم لانني قد سألت سؤالا في ما مضى ولم بأتيني الرد. هذا رابط الحديث المذكور http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=94228 جزاكم الله كل خير.

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 

ورد في موقع الإسلام سؤال وجواب في الفتوى رقم:( 220323) الإجابة الأتية:

 

(استشكل بعض العلماء في القديم والحديث ما ورد في حديث الجساسة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخره – في وصف مكان الدجال الحالي -:( أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأْمِ، أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ . وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ ) رواه مسلم

فقالوا: كيف يقع هذا التردد للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو معصوم عن الخطأ .

وكان أصرح من اعترض بهذا الاعتراض العلامة الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله فقال:

" إن صح الحديث رواية فهذا التردد من النبي صلى الله عليه وسلم في مكان الجزيرة التي ذكرها تميم الداري في أي البحرين هي، ثم إضرابه عنهما، وجزمه بأنه في جهة المشرق إلخ . إشكال آخر في متنه، ينظر إلى اختلاف الروايات الأخرى في مكان الدجال بعين، وينظر إلى اختلاف الروايات في ابن صياد بالعين الأخرى، وينظر بالعينين كلتيهما إلى سبب هذا التردد ومنافاته ؛ لأن يكون كلامه صلوات الله وسلامه عليه في أمر الدجال عن وحي من الله تعالى " انتهى من " تفسير المنار"(9/412).

و يمكننا الجواب على هذه الإشكالية خاصة بجواب واضح ومباشر، بأن نقول إنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في أول الأمر، وتردد في اجتهاده، ثم استقر به الوحي على قوله( من قبل المشرق هو ).

وهذه مسألة تغيب عن أذهان بعض الناس، وهي من القضايا الأصولية المهمة، تؤدي بهم إلى مثل هذه الاستشكالات التي نسمعها بين الحين والآخر، فقد جوز العلماء وقوع النبي صلى الله عليه وسلم في السهو والشك ، ولكن الوحي لا يقره على ذلك، بل سرعان ما يصحح له ليستقر الأمر على الحكم الشرعي الصحيح الذي يريده الله سبحانه . وهذا أمر مقرر في القرآن الكريم، وفي كتب علماء أصول الفقه .

يقول الله عز وجل:( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) الكهف/24، ويقول سبحانه وتعالى:( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه ) الأعلى/6-7، وقال عليه الصلاة والسلام:( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي ) رواه البخاري(401)، ومسلم(572). ويقول أيضا عليه الصلاة والسلام – في قصة تأبير النخل -:( إِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ) رواه مسلم(2361).

يقول القرطبي رحمه الله:

" هذا كله كلام ابتداء على الظن، ثم عرض الشك، أو قصد الإبهام، ثم بقي ذلك كله، وأضرب عنه بالتحقيق، فقال: لا ! بل من قبل المشرق، ثم أكد ذلك بـ( ما ) الزائدة، وبالتكرار اللفظي . فـ( ما ) فيه زائدة، لا نافية .

وهذا لا بعد فيه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يظن ويشك، كما يسهو وينسى، إلا أنه لا يتمادى، ولا يقر على شيء من ذلك، بل يرشد إلى التحقيق، ويسلك به سواء الطريق .

والحاصل من هذا أنه صلى الله عليه وسلم ظن أن الدجال المذكور في بحر الشام ؛ لأن تميما إنما ركب في بحر الشام، ثم عرض له أنه في بحر اليمن ؛ لأنه يتصل ببحر متصل ببحر اليمن، فيجوز ذلك . ثم أطلعه العليم الخبير على تحقيق ذلك فحقق وأكد ". انتهى من "المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم"(7/300).

ويقول شرف الدين الطيبي(ت743هـ) رحمه الله:

"( أو بحر اليمن ) لما حدثهم بقول تميم الداري لم ير أن يبين لهم موطنه ومجلسه كل التبيين ؛ لما رأى في الالتباس من المصلحة، فرد الأمر فيه إلى التردد بين كونه في بحر الشام أو بحر اليمن، ولم تكن العرب يومئذ تسافر إلا في هذين البحرين .

ويحتمل أنه أراد ببحر الشام ما يلي الجانب الشامي، وببحر اليمن ما يلي الجانب اليماني، والبحر بحر واحد، وهو الممتد على أحد جوانب جزيرة العرب .

ثم أضرب عن القولين مع حصول اليقين في أحدهما فقال: لا، بل من قبل المشرق .

[ثم نقل عن الأشرف – أحد العلماء - قوله]: يمكن أنه صلى الله عليه وسلم كان شاكا في موضعه، وكان في ظنه أنه لا يخلو عن هذه المواضع الثلاثة، فلما ذكر بحر الشام وبحر اليمن، تيقن له من جهة الوحي أو غلب على ظنه أنه من قبل المشرق، فنفى الأولين وأضرب عنهما، وحقق الثالث " انتهى من " شرح المشكاة المسمى بالكاشف عن حقائق السنن "(11/ 3465)

ونقل أيضا صاحب " عون المعبود "(11/ 319) عن كتاب " فتح الودود " قوله: " قيل: هذا شك، أو ظن منه عليه السلام، أو قصد الإبهام على السامع، ثم نفى ذلك، وأضرب عنه، فقال:( لا، بل من قبل المشرق ) ثم أكد ذلك بقوله( ما هو ) و( ما ) زائدة لا نافية، والمراد إثبات أنه في جهة المشرق " انتهى.

وبهذا فقد أصبح الجواب واضحا على هذا الإشكال، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يظن ويجتهد ويخطئ، ولكن سرعان ما ينسخ الوحي هذا الخطأ، ويبقى المحكم من الوحي الذي يقرره النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الأمر .

نرجو بذلك أن يكون الإشكال قد زال .

 

والله أعلم .