السبت 19 آب 2017
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (11406)

الثلاثاء 28 شوال 1437 / 02 آب 2016

ما حكم الكسب من العمل بالرسم أو النحت.


هل يجوز التكسب من العمل بالرسم أو النحت؟

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

أخي الكريم:

الرسم: وهو تمثيل الأشياء، والأشخاص بالألوان يدوياً.

"المعجم الوسيط" (ص 345).

والمشهور في عرف الناس إطلاق لفظ "الرسم" على ما يوافق إطلاقه اللغوي وهو استعماله في تصوير الصور المسطحة باليد دون الصور المجسمة من ذوات الظل أو الآلية ومن ذلك: الرسوم المتحركة وهي التي كانت ترسم يدوياً. ثم تجمع وترتب لها الأصوات والحركات.

النحت: ويطلق على تقطيع الخشب، والجبال.

قال تعالى: {وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين} [الشعراء: 149]. ويطلق ويراد به النشر والقشر.

والنحت في الاصطلاح: هو الأخذ من كتلة صلبة كالخشب والحجر بأداة حادة كالإزميل، أو السكين، حتى يكون ما يبقى منها على الشكل المطلوب، فإن كان ما بقي يمثل شيئاً آخر فهو تمثال أو صورة وإلا فلا".

"المعجم الوسيط" (ص 906).

 

و يطلق التَّصوير في اصطلاح زمانِنا على ثلاثة أنواع: 

١ - الصُّورة التي لها ظِلٌّ: كالنَّحت للتَّماثيل والأصنام وما شابهها ممَّا له روح كالإنسان والحيوان فتحرم مطلقاً.

٢ - الصُّورة المسطَّحة التي لا ظلَّ لها : إذا كانت مرسومة باليد؛ فإن كانت لِذي روح (كالإنسان والحيوان فيحرم، أما إن كانت للجمادات (كجبال وأودية وبحار وأعشاب ونباتات فهو جائز .

٣-  التَّصوير الشَّمسيُّ حبس الظِّلِّ  : هو جائز بقدر الحاجة.

جاء في كتاب (التصوير بين حاجة العصر وضوابط الشريعة للدكتور: محمد توفيق رمضان البوطي) أن (الصورة) تطلق على:

شكل الشيء وهيئته، وحقيقته، وصفته، ونوعه، وتطلق على الوجه، كما تطلق على الهيئة والصفة التي توهمها المرء للشيء في ذهنه، كما تطلق على التمثال ( والتمثال أعم من أن يكون مجسماً، بل يشمل المنقوش والمدهون وما له ظل وما لا ظل له).

والتصوير بمعناه السائد في عصر النبوة كان يتناول:

- تصوير الأحياء كالإنسان والحيوان الذي له وجود في الواقع أو المتخيل، بشكل مجسم (ما له ظل) أو غير مجسم ( ما لا ظل له) كالنقش والرقم والوشي والرسم.

- تصوير النباتات والجمادات مما لا روح له.

والصورة المتخذة:

- إما أن تكون تامة على صفة يمكن أن يعيش بها الحيوان.

- أو ناقصة أو مقطعة الأوصال بحيث لا يمكن أن يعيش بها الحيوان.

ثم إما أن تكون في موضع احترام أو تعظيم.

أو أن تكون في موضع إهانة وابتذال.

وقد ذهب العلماء إلى تحريم تصوير الأحياء.

واستدلوا على ذلك بأدلة منها:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: (ومن صوَّر صورة عذِّب، وكلِّف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ). أخرجه البخاري.

وعن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون). أخرجه البخاري ومسلم.

كما أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما، ( أنه أتاه رجل فقال: ياأبا العباس، إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. سمعته يقول: (من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس ينافخ فيها أبداً) فربا الرجل ربوة شديدة و اصفر وجهه، فقال: ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح).أخرجه البخاري ومسلم.

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم:

(قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر،ن لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث. وسواء ما صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى. وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها.

هذا حكم ( التصوير)، أما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان، فإن كان معلقاً على حائط أو ثوباً ملبوساً أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهناً فهو حرام. وإن كان في بساط يداس، ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام.

وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل. وهو مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي صلى الله عليه وسلم الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة.

وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هو فيه، سواء كان رقماً في ثوب، أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن. عملاً بظاهر الأحاديث، ولا سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم: عن القاسم بن محمد عن عائشة أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( ما بدل هذه النمرقة؟) فقالت: اشتريتها لك تقعد عليها وتوسدها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن صحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم) ثم قال:( إن البيت الذي فيه صور لا تدخله الملائكة)، وهذا المذهب قوي.

وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقماً في ثوب سواء امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أم لا. وكرهوا ما كان له ظل، أو  كان مصوراً في الحيطان وشبهها، وسواء كان رقماً أو غيره. واحتجوا بقول صلى الله عليه وسلم في بعض أحاديث الباب:(إلا ما كان رقماً في ثوب) وهذا مذهب القاسم بن محمد.

وأجمعوا على منع ما كان له ظل، ووجوب تغييره. قال القاضي: إلا ما ورد في اللعب بالبنات ولصغار البنات والرخصة في ذلك. لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته. وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث. وروى البخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرب إلي صواحبي يلعبن باللعب، البنات الصغار. والله أعلم.

شروط إباحة اتخاذ صورة الأحياء:

*أن تكون على صفة لا يمكن أن تعيش بها، كأن تكون مقطوعة الرأس أو مفرغة الأحشاء ومقطعة أو نحو ذلك.

*أن تتخذ في وضع ممتهن، بأن تكون في بساط يداس، أو وسادة يرتفق بها أو ينام عليها.

وبعد كل هذا الكلام  أقول: بما أن الرسم والنحت للأشياء التي فيها روح حرام شرعاً، فالكسب من إنشائها وبيعها حرام، وذلك لما رواه أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله عز وجل إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه) والحديث صحيح، وعليه فإنه لا يجوز للمسلم أن يعيش منه بأكل أو كسوة أو نحو ذلك وعليه إن وقع في ذلك فعليه التخلص منه، ويتوب إلى الله تعالى، فقد قال الله تعالى في كتابه الحكيم: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى) [طه: 82] ، وقال تعالى:(ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً) [النحل: 97]، أما الرسم والنحت للأشياء التي لا روح فيها فلا بأس برسمها أو نحتها، فما عليك أخي السائل إلا أن تبذل الأسباب، وتستعين بالله عز وجل، وتبحث عن عمل مباح، ثم أبشر بالخير الكثير والرزق الحسن. 

والله تعالى أعلم.