السبت 21 تشرين أول 2017
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (11418)

الأربعاء 29 شوال 1437 / 03 آب 2016

أسباب اختلاف العلماء.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سؤالي ليس عن أشخاص بحد ذاتهم ولكن عن علم نتبعه من خلالهم ورد سؤال للدكتور محمد راتب النابلسي .. أمي تصلي الصلوات التي فاتتها مع الصلوات الحالية يعني الظهر مع الظهر وهكذا .. فهل هذا يصح ..؟ الجواب * في الحقيقة أن الاأنسان اذا قصر في الصلاة ثم تاب الى الله ماعليه شي ماضي .. أما اذا صلى نفل ضمن طاقتو مافي مانع .. أما الأنسان بعد التوبة الأسلام يجب ماقبله حتى ماكلف واحد يصوم 30 سنة لورا في تكاليف هية فوق طاقة بشر بيكره التوبة الواحد بصير فأنت يوم تبت من الآن فصاعد الصلوات .. وهل هناك فدية ..؟ لا لا الأسلام يجب ماقبله .. بس هوة كان مسلم ..؟ بس ماكان تايب سيدي .. فلما تاب توبة نصوحة صار يصلي مافي شي ابدا .. * وقد ورد في هذا الموقع الجواب التالي لسؤال يشابه ماسبق السؤال رقم (6555) : يجبُ عليك شرعاً قضاء ما فاتك من صلاةٍ وصيامٍ، فحاولي تقدير عدد هذه الصَّلوات وعدد أيَّام الصيام بحسب قدرتك، واجعلي برنامجاً ثابتاً للقضاء، ثمَّ اطلب من الله القبول والصَّفح الجميل عسى أن يغفر لك تقصيرك فيهم. انا كمسلم لست ملم بعلم معين .. أتبع تعاليم ديني عن طريق شيوخي .. ولأن كل عالم قد يصيب ويخطئ يجب علي أن أستمع لشيخ آخر أثق بدينه كنوع من تحري الصواب .. ولكن نجد في كثير من الأحيان فروق كبيرة في الفتاوي ولكل واحد منهم حجته و اسبابه أيعقل مثلا أن لا أصوم ما فاتني و يوم القيامة أجد نفسي في مأزق ..؟ أم أكون ورع وأجاهد نفسي وقد أعطاني الله مثلا رخصة بأن لا أقضي مافاتني كنوع من الرخص .. والله يحب أن تؤتى رخصه .. علما أن الرب واحد والدين واحد و النبي صلى الله عليه وسلم واحد .. فلماذا نجد كل هذا الأختلاف ..؟ كما أيضا هناك 4 مذاهب و المذهب هوة مدرسة .. وهناك بعض الأختلافات بينهم .. وسمعت مرة أن أختلافهم لفعل النبي شيء او قول يحمل عدة أوجه.. لماذا الخلفاء الراشدين ومن عاصر النبي لم يجتهدو بذلك الوقت و تخريج منهج واحد تتوحد عليه الأمة الأسلامية وهم الأدرى بما يحمل قول النبي من أوجه .....؟ أعتذر عن الأطالة و ذكر أسماء في سؤالي لكن من باب المحبه لا من باب التشخيص و جزاكم الله كل خير ..

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أخي السائل:

يرى الإمام مالك بن أنس أن الخلافات الفقهية بين الأئمة رحمة بالأمة؛ لأن المسلم مخير في العمل بالأيسر منها، فقد يستغرب بعض الناس غير المتخصصين في علوم الشريعة الاختلافَ الذي حدث بين العلماء، لاعتقاده أنَّ القرآن والسنة لا يفهمان إلا بطريقة واحدة، وأنَّ الحق واحد لا يتعدد، فلماذا التعدد في الأقوال، ولم لا يوحَّد بين المذاهب، فيؤخذ بقول واحدٍ يسير عليه المسلمون، باعتبارهم أمة واحدة؟ وقد يتوهم بعضهم أنَّ اختلاف المذاهب يؤدي إلى تناقض في الشرع، أو المصدر التشريعي، أو أنه اختلاف في العقيدة كاختلاف فرق غير المسلمين.

وهذا كله مجرد وهم لا يَمُتُّ إلى الواقع بصلة، فإنَّ اختلاف المذاهب الإسلامية رحمة ويسر بالأمة، وثروة تشريعية كبرى، وتنوع وجهات النظر في إطار النص وفق قواعد محكمة، وقوانين لغوية وأصولية متقنة، يمثل جانباً مشرقاً من جوانب هذا الدين، ومن فضل الله تعالى أن هذه المذاهب المعتبرة كالمالكية والحنفية والشافعية والحنابلة لم يقع بينها اختلاف في العقائد ولا في أصول الدين، ولم نسمع في تاريخ الإسلام أنَّ اختلاف المذاهب الفقهية أدى إلى نزاع أو صدام، بل هو اختلاف جزئي لا يضر، ولذا قال الإمام السيوطي رحمه الله في رسالته المسماة: "جزيل المواهب في اختلاف المذاهب":( اعلم أنّ اختلاف المذاهب في الملة نعمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة).

وقال الإمام الشاطبي المالكي رحمه الله في الاعتصام: (فإنَّ الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالا للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف، لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف).

وقال الإمام بدر الدين الزركشي الشافعي رحمه الله: (اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يُنَصِّبْ على جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَدِلَّةً قَاطِعَةً بَلْ جَعَلَهَا ظَنِّيَّةً قَصْدًا لِلتَّوْسِيعِ على الْمُكَلَّفِينَ لِئَلَّا يَنْحَصِرُوا في مَذْهَبٍ وَاحِدٍ).

ولِمَا لهذا الاختلاف بين العلماء من الأهمية، قال هشام بن عبد الله الرازي: (من لم يعرف الاختلاف فليس بفقيه).

وقال عطاء: (لا ينبغي لأحد أن يفتي حتى يكون عالمًاً باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه).

وقال قتادة: (من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه).

وذكر  ابن عبد البرِّ في كتابه جامع بيان العلم وفضله بسنده إلى رجاء بن جميل قال: "اجتمع عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد رضي الله عنهما فجعلا يتذاكران الحديث، قال: فجعل عمر يجيء بالشيء يخالف فيه القاسم، قال: وجعل ذلك يشق على القاسم حتى تبين فيه، فقال له عمر: (لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم).

ثم ذكر ابن عبد البر بعد ذلك قول القاسم بن محمد: (لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه "ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا" ؛ لأنه لو كان قولاً واحداً كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، ولو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة).

وذكر المحدث الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه الفقيه والمتفقه بسنده إلى عون بن عبد الله بن عتبة، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: (ما يسرني باختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حمر النعم، لأنا إن أخذنا بقول هؤلاء أصبنا، وإن أخذنا بقول هؤلاء أصبنا).

وهذه الأقوال في حق المقلد، وأما المجتهد فيلزمه الاجتهاد للوصول إلى ما يعتقد أنه الحق.

وقال الإمام المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير: (ويجب علينا أن نعتقد أن الأئمة الأربعة والسفيانين والأوزاعي وداود الظاهري وإسحاق بن راهويه وسائر الأئمة على هدى ولا التفات لمن تكلم فيهم بما هم بريئون منه).

بل إنَّ العلماء حرصوا على بقاء هذه التوسعة، وعدم سدِّ ابوابها، فقد استشار الرشيد الإمام مالك أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذه المسائل فمنعه من ذلك، وقال: (إنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم ).

 وصنف رجل كتاباً في الاختلاف فقال الإمام  أحمد بن حنبل: (لا تسمه كتاب الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة).

ولهذا الاختلاف أسباب واضحة:

أولاً: اختلاف معاني الألفاظ العربية: إما بسبب كون اللفظ مجملاً، أو مشتركاً، أو متردداً بين العموم والخصوص، أو بين الحقيقة والمجاز، أو بين الحقيقة والعرف، أو بسبب إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة، أو بسبب اختلاف الإعراب، أو الاشتراك في الألفاظ إما في اللفظ المفرد: كلفظ القُرْء الذي يطلق على الأطهار وعلى الحيضات، ولفظ الأمر: هل يحمل على الوجوب أو على الندب، ولفظ النهي: هل يحمل على التحريم أو الكراهية، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف.

والتردد بين الإطلاق والتقييد: نحو إطلاق كلمة الرقبة في العتق في كفارة اليمين، وتقييدها بالإيمان في كفارة القتل الخطأ.

ثانياً: الاختلاف في الحديث النبوي: بسبب بلوغه بعض المجتهدين دون بعض، وبسبب الاختلاف في بعض الرواة توثيقاً وتضعيفاً، أو الاختلاف في شروط الصحة، وهل يعتبر المرسل حجة أم لا؟ وهل يعمل بالضعيف أم لا؟ وقد يبلغ بعضهم الحديث بسند صحيح ويبلغ الآخر بسند ضعيف، ومن حيث الاختلاف في توثيق الرواة أو توهينهم.

ثالثاً: الاختلاف في حجية بعض الأدلة: فيرى بعض الأئمة أن قول الصحابي حجة يجب قبولها، ويرى بعضهم أنه ليس بحجة، وكمن يرى عمل أهل المدينة حجة ولا يراه غيره، وهكذا.

رابعاً: الاختلاف في بعض القواعد الأصولية: كقاعدة العام المخصوص هل هو حجة أو لا، والزيادة على النص القرآني هل هي نسخ أم لا، ونحو ذلك، والله أعلم.

·         والخلاصة

فإنَّ اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى، ولو أراد الله أن يكون كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لا يحتمل إلا فهماً واحداً لفعل، ولكنّه سبحانه وتعالى جعل نصوص الكتاب والسنة قابلة لأن تفهم بأكثر من فهم لما في ذلك من توسيع، ولهذا الاختلاف أسبابه الوجيهة، وضوابطه المحكمة.

والله تعالى أعلم.

المصدر: انظر كتاب فيض القدير في شرح الجامع الصغير، وكتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، وموقع سؤال وجواب.