الأربعاء 08 نيسان 2020
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (1784)

الثلاثاء 16 رمضان 1431 / 24 آب 2010

أتحدث على الايميل مع شاب وقد عزمت على الاقلاع فهل تقبل توبتى؟


انا طالبة وقد كنت اتحدث على الايميل مع شاب وتحدثت طويلاامعه وقد احبنى على ما قال هو ولكن انا مذ تحدثت اليه لم اكشف عن شخصيتى وهو يعرف بذلك ولكن سمعت محاضرة وقد علمت انا ما افعله حرام وقد عزمت على الاقلااع فهل تقبل توبتى افيدونى افادكم الله اللهم انك عفو كريم تحب العفو فاعفو عنى يارب

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:


لاشك أن السهو والتقصير من طبع الإنسان، وأن المكلَّف لا ينفكّ من تقصير في طاعةٍ، أو سهوٍ وغفلةٍ، أو خطأ ونسيان، أو ذنبٍ وخطيئةٍ، فكلّنا مقصرون.. ومذنبون... ومخطئون..


نُقبِل على الله تارةً ونُدبِر أُخرى، نُراقب الله مرةً، وتُسيطر علينا الغفلة أُخرى، لا نخلو من المعصية، ولا بد أن يقع منا الخطأ، فلسنا بمعصومين.

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون» [رواه مسلم].

وقال صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» [رواه الترمذي].


ومن رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف أنه فتح له باب التوبة، وأمره بالإنابة إليه، والإقبال عليه، كلما غلبته الذنوب ولوّثته المعاصي، ولولا ذلك لوقع الإنسان في حرجٍ شديدٍ، وقصرت همته عن طلب التقرب من ربه، وانقطع رجاؤه من عفوه ومغفرته، فالتوبة من مقتضيات النقص البشري، ومن لوازم التقصير الإنساني.

قال جل وعلا: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طـه:82].

وقال جل شأنه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135]

وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} [النساء:110].


ومن صفات الله جل وعلا أنه يقبل التوبة ويفرح بها كرماً منه وإحساناً، قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى:25].

وقال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة:104].

وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته، فطلبها، حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده» [متفق عليه].

وعَنْ أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن اللَّه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس مِنْ مغربها» [رواه مسلم].


إن بركات التوبة عاجلةٌ وآجلةٌ، ظاهرةٌ وباطنةٌ، وثواب التوبة طهارة القلوب، ومحو السيئات، ومضاعفة الحسنات، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم:8].


وثواب التوبة الحياة الطيبة التي يظلِّلها الإيمان والقناعة والرضا والطمأنينة والسكينة وسلامة الصدر، قال الله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود:3].


وثواب التوبة بركاتٌ من السماء نازلةٌ، وبركاتٌ من الأرض ظاهرةٌ، وسعةٌ في الأموال والأولاد، وبركةٌ في الإنتاج، وعافيةٌ في الأبدان، ووقايةٌ من الآفات، قال الله تعالى عن هود عليه الصلاة والسلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود:52].


والتوبة معناها الرجوع إلى الله تعالى، والإقلاع عن المعصية، وبغضها، والندم على التقصير في الطاعات.

قال النووي رحمه الله تعالى: (التوبة واجبةٌ من كل ذنبٍ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط:

أحدها: أن يُقلع عن المعصية.

والثاني: أن يندم على فعلها.

والثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبداً.

فإن فقد أحد الثلاثة لم تصحّ توبته.

وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالاً أو نحوه ردَّه إليه، وإن كانت حدَّ قذفٍ ونحوه مكّنه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبةً استحلّه منها .

ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها صحّت توبته -عند أهل الحق- من ذلك الذنب الذي تاب منه، وبقي عليه الباقي)ا.هـ.


وبناءً على ذلك: فإذا تحققت هذه الشروط في الشخص التائب فحريٌ أن تقبل توبته بإذن الله تعالى، ولا ينبغي بعد ذلك أن يبتلى بوسوسة عدم قبول التوبة؛ لأن ذلك من الشيطان وهو خلاف ما أخبر به الله سبحانه وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم من قبول التوبة إذا كان التائب صادقاً مخلصاً.


والله تعالى أعلم.