الأربعاء 26 كانون ثاني 2022
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (5979)

الاثنين 15 ربيع الثاني 1434 / 25 شباط 2013

شبهة في العول


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته زادك الله من فضله بالنسبة لمسائل العول في الميراث هل يعتبر عدم أخذ أصحاب الفروض لحقوقهم كاملة معارضاً لما أوجب لهم القرآن من حقوق وكيف نرد على من يقول بأن هذه الحالة دليل نقص بأن لم يرد ذكرها في القرآن؟ جزاكم الله خيراً

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:


1- مسألة العول من محاسن الإسلام حيث إنه دليلٌ صريحٌ على عدالته في الأمور، وصلاحيته لعلاج المستجدات التي تطرأ.


وقد حصل سبب العول في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه حيث توفيت امرأة وتركت زوجاً وأختين فاستشار عمر رضي الله عنه الصحابة فأشار عليه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال: (أرى أن تقسم المال بينهم على قدر سهامهم).


وقد حصلت نفس المسألة التي ذَكَرَ السائل في أيام سيدنا علي رضي الله عنه، فسُئل عنها وهو على المنبر فأجاب: (عاد ثُـمُنُهَا تسعاً)، يعني أن الزوجة تحوَّل نصيبها من واحدٍ على ثمانيةٍ إلى واحدٍ على تسعة، وهذا بسبب تقسيم المال بين الوارثين على قدر سهامهم، كما أشار العباس سابقاً في عهد عمر رضي الله عنهما.


قال ابن العربي في "أحكام القرآن": (اجتمعت الأمة على ما قال عمر, ولم يلتفت أحدٌ إلى ما قال ابن عباس; وذلك أن الورثة استووا في سبب الاستحقاق وإن اختلفوا في قدره, فأعطوا عند التضايق حكم الحصة, أصله الغرماء إذا ضاق مال الغريم عن حقوقهم فإنهم يتحاصون بمقدار رءوس أموالهم في رأس مال الغريم). اهـ.


2- القرآن المجيد وإن كان نص على مقدار الأسهم إلا أنه لم ينص -لا من قريب ولا من بعيد- على أن مجموع هذه الأسهم في كل مسألةٍ يجب أن تساوي الواحد الصحيح.


ولإيضاح ذلك لا بد من اعتبار ما هو ضد العول، وهو الرد، فلو أن رجلا مات ولم يترك إلا ابنته، فهل نعطيها النصف فرضا، ونحرمها من باقي التركة باعتبار أن القرآن نص على أن فرضها النصف، أم نعطيها النصف فرضا والباقي ردا ؟!


وإذا استبان هذا، فنقول: هذه الأنصبة المقدرة في القرآن لأصحاب الفروض لا يستفاد منها شيء واحد، وهو القدر المستحق من التركة لكل وارث، بل يستفاد منها مع ذلك: قدر هذا الحق بالنسبة لحقوق بقية الورثة منسوباً لمجموع التركة، وذلك في حال زيادة الأسهم أو نقصها، كما في حالتي الرد والعول.


3- ليس استنباط الأحكام الشرعية من النصوص على وتيرةٍ واحدةٍ، فإن مآخذ الأحكام ليست متساويةً في الوضوح والظهور، ومن حكمة ذلك أن يظهر أثر العلم ويستبين فضل أهله على غيرهم، وقد قال الله عز وجل: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}. [النساء:83].


قال أحد العلماء: (في هذا دليلٌ لقاعدةٍ أدبيةٍ وهي أنه إذا حصل بحثٌ في أمرٍ من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ). اهـ.


والمقصود أن الله تعالى قد قضى بحكمته أن يكون من آيات القرآن ما في دلالته أو معناه شيء من الخفاء، وأن تكون مثل هذه المواضع مظهرة لفضيلة الراسخين في العلم، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7].


وإذا تقرر هذا، لم يعد للطعن في القرآن -بعد بيان الراسخين في العلم للمراد به- مدخلٌ، وقد قال ابن قدامة في "المغني": (لا نعلم اليوم قائلاً بمذهب ابن عباس, ولا نعلم خلافاً بين فقهاء الأمصار في القول بالعول بحمد الله ومنه). اهـ.

 

والله تعالى أعلم.