الأربعاء 26 كانون ثاني 2022
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (7435)

السبت 15 جمادى الأولى 1435 / 15 آذار 2014

أصغر مشكلة تسبب له هماً كبيراً، ما النصيحة؟


السلام عليكم لي صديق يهم نفسه لاصغر مشكلة ان كانت في المنزل او في العمل ويسبب هذا الهم له امراض في معدته واعصابه وهو في حاجة لمساعدتك فهو يخاف ان يكون ايمانه بالله ضعيف مع انه يقوم بما فرضه الله عليه من عبادات من صلاة صوم وزكاة

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أهلاً بك أخي الكريم في موقعك، ونشكر اهتمامك بأمر صديقك وسعيك في تفريج كربته، فـ «المسلم أخو المسلم...، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» [متفق عليه].

 

جاء في خطبة أخلاقيات الأزمات - 1 :

(يقول الله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [المعارج:19-22]

قال المفسرون: الهلوع: من الهلع، وهو أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه، فسَّرتها الآيات بأنه إذا مسَّه الشر جزوعاً، أي: إذا أصابه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأَيِس أن يحصل له بعد ذلك خير.

وإذا مسه الخير منوعاً: أي: إذا حَصَلَت له نعمة من الله بَخِل بها على غيره ومنع حق الله فيها.

وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع».

وأخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخدود، وشَقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية».

فمن أدب المسلم عامة، وعند الأزمات خاصة عدم الهلع، بل الصبر والهدوء وسكون القلب واطمئنانه إلى قضاء الله وقدره.

وإنه ليذكر النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «إنَّ رُوح القُدسِ نَفَثَ في رُوعي أنه لن تَمُوتَ نفس حتى تستكمل رِزْقها وأجَلَها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن الله لا يُدرَك ما عنده إلا بطاعته» [أبو نعيم وعبد الرزاق].

وإنه ليذكر قول الله سبحانه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة : 51]

وقوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:58]

 

جاء في خطبة أخلاقيات الأزمات - 2 :

الثقة بالله، والتفاؤل، والأمل.. ضروريٌّ جداً في الأزمات، فبعد كل مِحْنةٍ مِنْحة، وبعد كلِّ شِدَةٍ شَدَّة، وبعد كلِّ ضيقٍ فرَج، وبعد كل بليَّةٍ عطيَّة، وإن مع العُسر يُسراً.

والشدة إذا تتابعت انفرجت وإذا توالت تَولّت، وإن الله مع المحسنين، {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق : 7]

عند تناهي الشدة يكون الفرج، وعند تضايق البلاء يكون الرخاء، وأفضل العبادة انتظار الفرَج.

فأبشروا بالخير، وأَمِّلوا ما يَسُرُّكُم، فوالله لا يسوق الله تعالى لعبده المؤمن إلا الخير، واعلموا أن الله إذا أحبَّ عبداً ابتلاه، وأن العاقبة للتقوى، وأن العاقبة للمتقين.

 

هذا وإن للبلاء فوائد، منها:

- الفائدة الأولى: تكفير الذنوب:

أخرج البخاري ومسلم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا يُصيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ، وَلاَ حَزَنٍ، وَلاَ أذَىً، وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوكَةُ يُشَاكُهَا إلاَّ كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَاياهُ». فالبلايا ممحاة للذنوب.

وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ، فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ».

 

- الفائدة الثانية: مضاعفة الأجور:  

ذَكَرَ الله تعالى امرأة فرعون في القرآن الكريم، وجعلها مثلاً للذين آمنوا؛ لإيمانها العظيم، وصبرها، وتحمُّلها أذى زوجها ومن كان معه.

 

- الفائدة الثالثة: أحياناً يكون البلاء علامة على حسن الإيمان:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه: «أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأَمثَل فالأَمثل، يُبْتَلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلْباً اشتدَّ بَلاَؤُهُ، وإن كان في دينه رِقَّةٌ ابْتُلِيَ على قدْر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يَتْرُكَهُ يمشي على الأرض وما عليه خَطِيئَةٌ».

جاء في زاد المعاد: (قد يعاقب الرب سبحانه عباده بجرائمهم فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظاً حذراً، وأما من سقط من عينه وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة، والمغرور يظن أن ذلك من كرامته عليه ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة وأنه يريد به العذاب الشديد والعقوبة التي لا عاقبة معها كما في الحديث المشهور إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له عقوبته في الدنيا وإذا أراد بعبد شرا أمسك عنه عقوبته في الدنيا فيرد يوم القيامة بذنوبه..

 

- الفائدة الرابعة: التذكير بفناء الدنيا وبقاء الآخرة.

وأن السعادة الحقيقية هي سعادة الآخرة، أما سعادة الدنيا فظل زائل، ولا تزيد الدنيا أن تكون دار تعب ونصب وابتلاء وامتحان، وإنك لن تجد إنساناً حاز السعادة المطلقة في هذه الحياة.

والبلاء يطلعك على حقيقة نفسك لتعلم أنَّك عبد ضعيف، لا حول لك ولا قوَّة إلَّا بربِّك، فتتوكَّل عليه حقَّ التَّوكل، وتلجأ إليه حقَّ اللُّجوء، حينها يسقط الجاه والتِّيه والخُيلاء، والعُجب والغُرور والغَفلة، وتفهم أنَّك مسكين يلوذُ بمولاه وضعيف يَلجأ إلى القويِّ المتين

قال أحد العلماء: (فلولا أنَّه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء، لطغوا وبغوا وعتوا، والله سبحانه إذا أراد بعبدٍ خيراً سقاه دواءً من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ به منه الأدواء المهلكة، حتَّى إذا هذَّبه ونقاه وصفَّاه: أهَّله لأشرف مراتب الدُّنيا، وأرفع ثواب الآخرة)ا.هـ.

 

- كشف بعض المعادن المستورة.  

بعض الناس قد لبسوا جلود الضأن على نفوس الذئاب، ولم تكشف حقيقتهم غير شدة نزلت بهم ففضحت سرائر نفوسهم لمن حولهم ممن خدِعوا بهم زمنا، وغاصوا بالتعامل معهم في أموالهم وأنفسهم.

قال الفُضيل بن عياض: (النَّاس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه).

 

هذا شيء من فوائد البلاء، يمكنك إطلاع صديقك عليها، عسى أن يهدئ ذلك من روعه، ويقوي من عزيمته.

والله تعالى أعلم