الأربعاء 26 كانون ثاني 2022
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (8654)

السبت 21 ربيع الأول 1436 / 10 كانون ثاني 2015

أبي يرفض زواجي، ماذا أفعل؟


ابي يرفض زواجي من شاب مقبول دينا و خلقا بسبب عادات قديمة و لا يريد حتى استقبال اهله وانا في حيرة من امري لانني اقبل الزواج منه وكل العائلة تقبل الا والدي ماذا افعل

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

نرحِّب بكم أختنا، ونسأل الله تعالى أن يقسم لكم الزَّوج الصَّالح الذي يكون سعداً لكم في الدُّنيا والآخرة.

أوَّل ما ننصحك به أن تتوبي إلى الله ممَّا سلف منك من التَّواصل مع رجلٍ غريبٍ خارج متابعة الأهل، والخروج معه أكثر من مرَّةٍ، فحُسن التَّوبة يُساعد في تيسير الحلال الذي تطلبين.

واعلمي -أختنا- أنَّ تأخر الزَّواج عند الفتيات يرجع إلى مجموعة أسبابٍ، منها:

1) أسبابٌ تعود إلى الفتاة نفسها: كالمثالية في اختيار الزَّوج، أو تقديم العمل والوظيفة على الزَّواج، أو إتمام الدِّراسة والتَّعلم على الزَّواج، أو العُجب والغرور ونحوهما، أو تقصير الفتاة في أن تخطب لنفسها عن طريق مَن تثق بهنَّ من صديقاتها أو قريباتها، كما فعَلَت السَّيدة خديجة رضي الله عنها في زواجها من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

2) أسبابٌ تعود إلى الأهل والعائلة: كعضل الولي وتعاميه -في سبيل مصلحته- عن حاجة ابنته الفطرية إلى الزَّواج، أو أن يطلب من الخُطَّاب المتقدِّمين طلباتٍ مرهِقةٍ، ويغالي في المهر، أو لا يبادر حال تأخر ابنته عن الزَّواج بأن يخطب لها الكفؤ كما فعل عمر رضي الله عنه لابنته حفصة رضي الله عنها وكما فعل نبي الله شعيب في خطبة موسى عليهما السَّلام.

3) أسبابٌ تعود إلى المجتمع والإعلام: إذ تؤثِّر في بعض شبابنا وبناتنا بفكرة أفضلية العزوبة، والهروب من تبعات الزَّواج ومسؤولياته، وذلك من خلال بعض الإعلام الذي يشوِّه صورة الأسرة والأزواج.

4) أسبابٌ أخرى متفرقة: تندرج تحت حالاتٍ خاصَّةٍ.

وانطلاقاً من ذلك أقول لكم أختنا الكريمة:

اعلمي أنَّ الخير فيما يختاره الله لكم, ولو اطلعتم الغيب لاخترتم الواقع, قال الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]، وقال جلَّ جلاله: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19].

فحاولي أن لا تعلِّقي قلبك إلَّا بالله، فحياتنا كدرٌ، لا يحصل فيها كلُّ مأمولٍ، ولا يُنال فيها كلُّ مسؤولٍ...

ما كلُّ ما يتمنَّى المرء يدركه        تجري الرِّياح بما لا تشتهي السُّفن

وتذكَّري أنَّ المقسوم سيكون لك خاصَّةً وليس لغيرك، وتمثَّلي وصيَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لابن عبَّاس رضي الله عنهما: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» [رواه الترمذي]

واستعيني بالصَّبر، والزمي باب الله، وأكثري من الدُّعاء، وألحِّي في الطَّلب والرَّجاء، واسأليه الزَّوج الصَّالح، وتذَكَّرِي أنَّ هذه الأمر يتكرَّر عند عددٍ من الفتيات في المجتمع، ولا يخصكِ أنت بالذَّات، فلا داعي للشُّعور بالإحباط، أو الشُّعور بالنقص، ومهما شغلتِ نفسكِ بالخير والأعمال النَّافعة تلاشى ما تجدين مِن الضِّيق والغمِّ، ولعلَّ قدر الله تعالى يطالعكم بما لا تتوقعون من فرجٍ وتوفيقٍ.

ولا شك أنَّ رؤية والدك للأمر محترمةٌ، والكفاءة في الزَّواج لا شك مطلوبةٌ، وكلَّما زاد التَّقارب بين الخاطبين وكثرت نقاط التقائهما زادت فرص نجاحهما واحتمالات استمرارهما، وقد ورد في الأثر: «يَا عَلِيُّ، ثَلاَثٌ لاَ تُؤَخِّرْهَا: الصَّلاَةُ إِذَا آنَتْ، وَالجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْؤاً» [رواه الترمذي].

لكن على أن لا يكون ذلك مانعاً للفتاة التي تطلب الزَّواج ممَّا تطلب.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: (اتَّفق الفقهاء على أنَّه إذا دعت المرأة إلى الزَّواج من كفءٍ، أو خطبها كفءٌ، وامتنع الولي من تزويجه دون سببٍ مقبولٍ، فإنه يكون عاضلاً؛ لأنَّ الواجب عليه تزويجها من كفءٍ...
ولا يعتبر الولي عاضلاً إذا امتنع من تزويجها من غير كفءٍ، لكن قال المالكيَّة: إنَّ الأب المجبر لا يعتبر عاضلاً برد الخاطب، ولو تكرَّر ذلك، لِمَا جُبِل الأب عليه من الحنان والشَّفقة على ابنته، ولجهلها بمصالح نفسها، إلَّا إذا تحقَّق أنَّه قصد الإضرار بها.

ولو دعت المرأة لكفءٍ وأراد الولي تزويجها من كفءٍ غيره، فعند المالكيَّة وهو قولٌ الشَّافعيَّة في الأصح: كفء الولي أَوْلى إذا كان الولي مجبراً؛ لأنَّه أكمل نظراً منها، فإن لم يكن الولي مجبراً فالمعتبر من عيَّنته.
وعند الحنابلة: يلزم الولي إجابتها إلى كفئها إعفافا لها، فإن امتنع الولي عن تزويجها من الذي أرادته كان عاضلاً، وهو رأي للحنفية) انتهى.

ختاماً: ننصحك بالبحث عن المفتاح الحقيقي والمؤثِّر الفعلي على رأي والدلك، واستعيني بالدُّعاء، واستشيري كبراء وعقلاء وأتقياء أسرتك في كلِّ خطوةٍ لك.

وننصحكم أيضاً أن تراجعوا محاضرة (اختيار الزَّوج) من الدَّورة التَّأهيليَّة للحياة الزَّوجيَّة المنشورة على موقعنا، ففيها خيرٌ يرشدكم.

أسأل الله تعالى أن يلهمكم الرَّشد، ويجنبكم الزَّلل، ويوفِّقكم لكلِّ خيرٍ.

والله تعالى أعلم.