الاثنين 24 كانون ثاني 2022
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (8873)

السبت 10 جمادى الأولى 1436 / 28 شباط 2015

كيف أستطيع المحافظة على غض البصر؟


كيف استطيع أن أغض من بصري ؟ والحرمات والشهوات اصبحت موجودة بكثرة وفي كل مكان وحتى في حرم الجامعات..كيف استطيع ان اغض بصري وبين الفتاة والفتاة فتاة كاسية عارية؟ في قلبي شوق لغض بصري واني عازم على ذلك لكني اضعف فالحرمات اصبحت في موجودة في كل امور الحياة..رجاء المساعدة والنصيحة ففي قلبي العزيمة والارادة لذلك…

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أهلاً بك أخي في موقعك، ونسأل الله تعالى أن يقسم لك فيه الخير وللمسلمين.

بداية: إن ممَّا منَّ الله تعالى به علينا: نعمة العينين، فسألنا في كتابه ممتناً علينا: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} [البلد:8].

وأرشدنا سبحانه إلى طريقة إعمال هذه النعمة واستخدامها، فقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:30-31]؛ لأن البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمرُ طريقِ الحواس إليه، لذلك كثيراً ما يتعثر القلب ويسقط من جراء النظر وأثره، فما ألِفَته العين ألفه القلب.

لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على متابعة أصحابه في هذا الجانب، ومن ذلك ما أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: (كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر...).

 نعم، من الطبيعي أن يجد الشاب جذباً قوياً يشده نحو النظر كما وجد العباس رضي الله عنه في تلك المرأة، فالمرأة كما قال صلى الله عليه وسلم: «المرأةُ عورة، فَإِذا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشيطانُ». [الترمذي] زاد ابن حبان: «وأقرب ما تكون من ربها إذا هي في قعر بيتها». استشرفها: أي زينها في نظر الرجال، والمؤمن يعلم أنه عندما ينظر إلى المرأة يقعد الشيطان بينه وبينها يزينها له ويزينه لها؛ ليوبقَهما فيبوءا بإثم عظيم.

 وللتحذير من ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه إيمانًا يجد حلاوته في قلبه» [أخرجه الحاكم وصححه]

 نعم، يجد المؤمن حلاوة ترك النظر إلى الحرام في قلبه، فيرتاح قلبه من التعلق بغير ما أحلَّ الله له، فمن أدمن إطلاق النظر لم يسعَد في حياته الزوجية، وظلّ طريد المقارنة بين ما أحل الله وبين ما حرَّم.

 لذلك -أخي- أرِحْ قلبك مما حرم الله على عينك، يبدلك الله سعادة في حياتك، وراحة في قلبك، وهناءً في عيشك، وقناعة في زوجتك مستقبلاً، وعفافاً في نفسك، و«إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ إِلاَّ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ» [البيهقي في الكبرى والنسائي في الكبرى].

 ومن جميل ما يذكَر عن السلف في اجتهادهم بغض البصر ما روى الأوزاعي قال: كان غزوان الرِّقاشي وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه في بعض مغازيهم، فكُشِفت جارية فنظر إليها غزوان، فرفع يده فلطَم عينه حتى نفرت (تورمت وانتفخت)، فقال: إنك للحَّاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك، فلقي أبا موسى فسأله، فقال: ظلمت عينك، فاستغفر الله وتب، فإن لها أول نظرة وعليها ما كان بعد ذلك. قال الأوزاعي: وكان غزوان مُلْكَ نفسه. [تفسير القرطبي]

 •    وهذه عشر نصائح تعينك على غض البصر:

1-   عليك بنسخة من القرآن الكريم، احملها في جيبك أو على جهازك المحمول، أو احمل أي كتاب جيبي نافع تغتنم بقراءته وقت الطريق. وقد أخبر أحد حفاظ القرآن الكريم أنه حفظ ما يقارب ثمانين بالمائة من القرآن الكريم في وسائل النقل.

 2-   إن كنت لا تستطيع القراءة في الطريق -لأنك تقود مركبتك مثلاً- فأعمِل قلبك ولسانك بذكر الله، يقذف في قلبك حبه، والرغبة في اتِّباع أمره والخوف من مخالفته، ويعصمك من وساوس الشيطان.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ خرج العدو في أثره سراعاً حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله» [الترمذي]

 3-   اعلم أن الخير عادة، وأن الشر عادة، فعوّد عينك أن تُصرَف عن الحرام، وأن لا تتبع النظرة النظرة، كما وعوّد أذنك أن لا تستمع إلى الحرام، وعوّد لسانك قول الصدق تحظَ به، إن اللسان لما عودتَ معتادُ.

 4-   أكثِر من الدعاء (اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين)، واسأل الله أن يعينك على غض البصر، ولا تنس أن تتحرى أوقات استجابة الدعاء.

 5-   تذكّر أن عيناً تجول فيما حرَّم الله كيف لها أن تنظر إلى وجه الله يوم القيامة، وقد اتخذت أمره في الدنيا ظهرياً؟!

 6-   اعلم أن ما غضضتَ عنه طرفك لم تُحرَم منه، بل أبدلك الله به سعادة وراحة وقناعة وهناءً في قلبك وزوجك ونفسك، وأعطاك في الجنة خيراً من ذلك وأفضل.

 7-   اعلم أن الله تعالى تجاوز عن النظرة الأولى (وليست هي النظرة التي تستمر حتى يدير صاحبها نظره، وإنما هي بقدر وقت تحليلها في الدماغ)، أخرج الترمذي وأبو داود من حديث بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعليِّ رضي الله عنه: «يا عليُّ، لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لكَ الأُولَى، وليست لكَ الآخرة».

 وأخرج مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله  قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري).

فاغتنم -يا أخي- هذا التجاوز حتى تبعد نفسك عن الحرام بمجرد أن  تعقلَه.

 8-   احجب المواقع الإباحية من متصفح الإنترنيت على جهازك، واملأ وقتك بالنَّافعات، والزم الصُّحبة الصَّالحة: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم مَن يخالل» [رواه أحمد].

 9-   لا تشقّ على نفسك بالسعي لغضِّ كامل البصر،وإنما الزم ما أمر الله تعالى به إذ قال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}، ومن هنا للتبعيض، فليس المطلوب أن تعمي عينيك حتى لا تكادَ ترى أمامك، إنما المطلوب أن تُعرض عن الفتنة إذا عَرضت لك.

 10-  ننصحك مراقبة الله تعالى في السِّرِّ والعلن: سُئل الجنيد: بم يُستعان على غضَّ البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله أسبق من نظرك إليه، وقال بعض السَّلف: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عَصيت.

وقال الحارث المحاسبي: (المراقبة: عِلم القلب بقرب الرَّب، كلَّما قويت المعرفة بالله قوي الحياء من قربه ونظره).

 وهذه من أنجع الطُّرق وأفلح الوسائل، فالمسلم إن تيقَّن أنَّ الله تعالى مطلع عليه، عالم بسريرته وعلانيته، محاسب له على ما يقترف ويفعل، كبح جماح نفسه، وألجم شهوته وغريزته.

نسأل الله تعالى أن يكون لك على الخير معيناً وناصراً وحافظاً وأميناً.

والله تعالى أعلم