الاثنين 24 كانون ثاني 2022
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (9449)

الخميس 18 شعبان 1436 / 04 حزيران 2015

هل الحب حرام؟


هل الحب حرام

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: 

أهلاً بكم أختنا في موقعكم، ونسأل الله تعالى أن يقسم لكم فيه الخير وللمسلمين. 

الأخت الكريمة: 

لا يترتب على مجرد العواطف التي تجيش في قلوبنا وصدورنا والأفكار التي تدور في رؤوسنا في هذا النطاق أي ثواب أو عقاب شرعي، فالحب شعور انفعالي لا اختياري، ولذلك لا تتعلَّق به الأحكام الشرعية من حرمة أو وجوب أو كراهة؛ فالله تعالى لم يأمرنا في آية واحدة بالحب، ولم ينهنا عنه في آية واحدة، إنما أثنى على ما يترتب على هذا الحب من الفضائل، وذم ما يجنيه غيره من الرذائل، فإنه القائل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}

فمن رحمة الله تعالى أنه لا يحاسبنا بخطرات قلوبنا، ويقتصر السؤال عمَّا اكتسبت أيدينا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إنَّ الله تعالى تجاوزَ لأُمَّتِي ما حدَّثَثْ به أنفُسَها، ما لم يَعْمَلُوا به أَو يتكلَّمُوا» [رواه البخاري ومسلم].

يقول الشيخ على الطنطاوي: (ما في الحب شيء، ولا على المحبين سبيل، إنما السبيل على من ينسى في الحب دينه، أو يضيع خلقه، أو يهدم رجولته أو يشتري بلذَّة لحظة في الدنيا عذاب ألف سنة في جهنم).

فاطمئني -أختي- بأنك لن تحاسبي عن عواطفك -بإذن الله- ما دامت حبيسة الصدر، ولن تؤاخذي عليها إلا أن تقولي أو تعملي بمقتضاها، وإذا ما شعرت بها فقولي: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] 

لكن يا أختي: هذا لا يعني أبداً أن نطلق العنان لأنفسنا للوقوع في الحب، ثم نقول: إنها مجرد عواطف لا حساب عليها!! 

 

فهذه أخت كريمة تفتحُ أبوابها خطأ لكل طارق، وتوقع نفسها جهلاً ضحية لكل ناعق، من خلال سراديب مظلمة لم تعلم أنها توصل إليها كل طامع وطامح.

وهذه فتاة تمشي توزع نظراتها هنا وهناك، ويدعوها الفضول لمعرفة التفاصيل المحيطة، وهي في غمرتها، تقع عينها على عين شاب موافقة سهماً من سهام إبليس، وبعدها تكون الكارثة.

يا أختي.. العينَ مرآة القلب، فإذا غضَّ العبد بصره غضّ القلب شهوته وإرادته, وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته، ومن أدلة ذلك الدراسة التي أجرتها دار "أرليكن" في السويد، والتي بيَّنت أن حوالي 52٪ من الرجال والنساء في العالم الذين وقعوا في الحب كان ذلك بعد تبادل النظرات.

فتاة كريمة أخرى تدخل السوق، تعجبها سلعة، تُلين من قولها للبائع ليتلطف ويترفق بالسعر، وفعلاً يتجاوب ذلك البائع معها، فيُرخص السلعة لكنه يظن أنه أرخص معها الفتاة، التي لا تكاد تخرج من المحل التجاري إلا وقد ملأ الشيطان قلبيهما ظناً بأن كلاً منهما قد استحسن الآخر.

فتاة أخرى بشوشة الوجه طلْقَة المحيَّا، تمضي وهي توزع الابتسامات، لزميلها حيناً، ولجارها حيناً، ولأستاذها حيناً، ولسائق حافلة المدرسة حيناً.. وهي تزرع في قلب كل منهم بذور مصائب تحمل في طياتها بلايا وخيمة، وهي لا تدري..

فلتنتبه أختنا لذلك، وتسرع لإغلاق منافذ الشيطان إليها، فإن له خطوات آخرها مرّ، فإن لم تغلق تلك المنافذ فلتعلم أنها سبيل من لا دين له ولا ضمير إليها، لينال زهرة عمرها وريعان شبابها، ويسحق حياءها ويعبث بعفتها، ثم يدعها وراءه لهمومها ومومها، ترشف العذاب والذل ومرار الوحدة، فربّ ساعة لذة أورثت حزناً طويلاً!

بعد ما تقدم -يا أختي- أظنك عرفت لماذا فرض الإسلام حجابك، وأوصد دون الاختلاط بابك، وأحكم شرعه لصيانتك، فعلمك كيف تنظرين وتنتبهين وتستترين: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31]

وكذا علمك كيف تمشين: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31]

وكيف تتكلمين: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً} [الأحزاب: 32]

وكيف تتحصنين: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]

كل ذلك مندرج تحت قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71]

فخذي حذرك يا أختي، ولا تلتفتي لعاطفتك إن عارضت أمرَ خالقك، وحكمي عقلك وشرع ربك، وترفعي أن تكوني لقمة سائغة لطامع، وأعيني نفسك على نفسك، وتذكري أن النَّفس تأبى القيود وتتطلع إلى التَّفلُّت عن كلِّ ضابطٍ، ولن تساعدك نفسك على تفادي الخطر إلا إن شغتِلها بالخير، وإلا شغَلتك هي بالشَّر، فاحمليها على ما تكره ممَّا ينجيك في الدنيا والآخرة، ولا تلتفتي لرغباتها وشهواتها، واحذري خطوات الشَّيطان وأساليبه وحيله وفلسفاته التي تجتمع عليك لترديك، وسيأتي حديث عن قصص قادتها طِيبة القلوب وحُسن الظنون فلم تُغنِ في ختامها شيئاً، وتذكري أنك لن تتقربي باتجاه ما أحببت خطوة إلا بعُدت عن الله مثلها، فغذاء ذلك الحب يكون في نظرة حرام، وكلمة حرام، وخلوة حرام، وموعد حرام، وخيانة ثقة الأهل، وأمانة الجمال والدين التي استودعها ربك فيك، وسيسألك عنها يوماً، فـ «لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة حتى يُسألَ عن أربع: عن عُمُره فيما أفناه؟ وعن عِلْمِهِ ما عمِل به؟ وعن ما له من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟» [أخرجه الترمذي]. 

نسأل الله تعالى أن يحفظك بحفظه، إنه ولي ذلك والقادر عليه

والله تعالى أعلم