الجمعة 28 كانون ثاني 2022
نعوة أحد المشرفين: العبارة هي: توفى الله تعالى أحد الأساتذة المشرفين على قسم الأسئلة الشرعية نرجو منكم أن تدعو له، وأن تهبوه ثواب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

السؤال رقم (9952)

الجمعة 01 ذو القعدة 1436 / 14 آب 2015

ما هو الرد على من يتكلم عن حد الزنا في الإسلام؟


السلام عليكم شيخنا عندي شبهة عن حدالرجم والجلد في الإسلام ومن فترةوالشبهة تدور في عقلي وأريد رد لها... يقولون أن حد الرجم والجلد هو من العادات القديمة الجاهلية التي لاتطبق في هذا العصر وأن هذا العصر هو عصر التقدم والأنفتاح والثقافة وكل هذة العادات القديمة لاتصلح وأن تطبيق هذة العادات في هذا العصر غير حضارية و تطبيقها يعني التخلّف والإنغلاق والرجعية. ـــــــــــــ وجزاك الله خيراً

الجواب

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

ثبت في الشريعة الإسلامية رجم من زنا وهو محصن من الرجال والنساء قولاً وعملاً.

أما العمل فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزاً والغامدية واليهوديين لزنا هؤلاء وهم محصنون.

وأما القول فقد ثبت من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عنى، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» [رواه مسلم]

وثبت من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما قالا: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل فقال أنشدك الله إلا قضيتَ بيننا بكتاب الله، فقام خصمه -وكان أفقه منه- فقال اقضِ بيننا بكتاب الله وائذن لي، قال: «قل»، قال إن ابني كان عسيفاً على هذا، فزنى بامرأته، فافتديتُ منه بمائة شاة وخادم، ثم سألتُ رجالاً من أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله جل ذكره، المائة شاة والخادم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفتْ فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها» [متفق عليه]

وثبت العمل بذلك والقول به في عهد الخلفاء الراشدين دون نكير فدل على أنه لم يُنسَخ، بل مُجمَع على ثبوته، فقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لقد خشيت أن يطول بالناس زمانٌ حتى يقول قائلٌ: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإنَّ الرجم حق في كتاب الله على مَن زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة أو كان الحبَل أو الاعتراف. [متفق عليه].

وثبت عن علي رضي الله عنه حين رجم المرأة يوم الجمعة أنه قال رجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية وجلدتها بكتاب الله.

قال ذلك رداً على من قال له جمعت لها بين حدين.

قال أحد العلماء: [أما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه، والتلذذ بقضاء شهوته يعلم البدن، والغالب من فعله وقوعه برضا المزني بها فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب، فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة والقتل بالحجارة مرة، ولما كان الزنا من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا إهلاك الحرث والنسل، فشاكل في معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك فزجر عنه بالقصاص ليرتدع عن مثل فعله من يهم به، فيعوده ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة].

ثم إن من قواعد العقوبات في القوانين الوضعية: أن قَسْوة العقوبة إنما تحددها خطورة الجريمة، فلا بد من التلاؤم بينهما، وجريمة الزنا في الإسلام هي من أخطر الجرائم التي تعصف بالدِّين والعرض والنَّسْل والنَّفْس، والمحصن قد عرف سَبيلَ الإحْصَانِ وتمكَّن مِنْه وأخَذَ أجْراً عَلَيْه، فإنْ سَلَكَ سَبيلَ الفَاحِشة بَعْد ذَلك فالرَّجْم هو حُكم الله فيه، ( بخلاف البكر )، حيث تصيب الحجارة جَسَدَه كلَّه فيتألَّم كلُّه كما تجرَّأ وتَلَذَّذ كُلُّه بالفاحشَة المُحرَّمَة بعد أن جرب وذاق الطَّريق الحَلاَل، فالرَّجم ابتداءً عُقوبةٌ متناسبة مع خطورة الجريمة.

أما أن يقال: إن الزنا حُرِّيَّةٌ شَخصيَّة ولَيْسَ جَريمة، فطالما أنه بالتراضي فهو قائم على الحُبّ والتَّلَذذ بلا مفاسد، سواء كان بحْملٍ أو بغير حمل.

فهذا الوصف إنما هو ظلم وجهل كما قال تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}. والله تعالى هو العَليم الحكيم وقد بيَّن مفسدة الزنا فقال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً}.

ثم كيف بنا نرأف بالجاني القاتل والسارق والزاني والساعي بالفساد وغيره، مع نسيان المَجْنِي عَلَيْه وأهِله، واعتبار مصلحة الجاني مع نسيان مصلحة المجتمع، والغفلة عن قسوة الجريمة مع استكثار العقوبة؟

-   لقد افتتح اللهُ سورةَ النور بقوله تعالى: { سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا. . .}، فَفَرض أحْكَامَ السُّورةِ فرْضًا، وهي السورة التي تضمنت جُلَّ النِّظَام الإِسْلاَمي المُحْكمِ في التعامُلِ مَعَ الشَّهْوةِ المُرَكَّبة في الإنْسان وعُنْفِ إِلْحَاحِهَا على البَشَر، ومن ذلك فَرْضُ الإجراءات والتدابير الواقيةِ مِنَ الفاحشةِ والتي تصل إلى تسعة عشر إجراءً منها:

تَيْسِيْر الزواج للجميع {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

وآداب دخول البيوت، وآداب النظر، وآداب الاستئذان، وآداب التعامل مع الأطفال ثم إذا بلغوا الحُلُم، ولا يتَّسع المُقَام هنا لبيان تلك التَّدابِير المبْسُوطة في السُّورة والتي فرضها الله فرضًا،  يرجى الرجوع إلى محاضرة العفاف في القرآن الكريم من سلسلة العفاف الاجتماعي المنشورة على موقعنا.

كما فرضَ الضوَابط المُشَدَّدة المشروطة في إثبات الجريمة التي لا تثبت إلا بأربعة شهود عدول ( مع أن باقي الجرائم تثبت بشاهدين على الأكثر ) كما تثبت بالاعتراف والإقرار المتكرِّر أربع مرات، فإذا شهد ثلاثةٌ عدول ولم يكن لهم رابعٌ فَقَد حَقَّ عليهم حدُّ القذف أي ثمانين جَلْدة لِكُلٍّ منهم، ولا تُقْبَلُ له شهادة، ويعتبرُ في المُجْتمع من الفاسِقين، فإما أربعة شهود وإما السُّكوت والسَّتْر، وإلا فحدُّ القذف، وذلك لا يكاد يثبت إلا باستعلان وفجور ولا مبالاة، وأيضًا فَرَضَ الله في السُّورة حد الزنا للبكر في الآية الثانية، كما فرض حد الزاني المحصن بالرجم في الآية التي رفع ونسخ تلاوتها وبقي حُكمُها.

والمُرَادُ هنا أنه في التشريع والمجتمع الإسلامي لا عذر يُهَوِّن من شأن جريمة الزنا، ولا تكاد تثبت بالشُّهود إلا على فاجر مستعلن بلا مبالاة يتعدى ضرره على المجتمع كله فيجب بتْره منه إن كان مُحْصَنًا.

- ثم إن وضع مثل هذه العقوبات إنما هي أدوية نافعة لا غنى عنها في حياة المسلمين؛ لأنَّ تطبيقها الذي يَشهَده الناس هو الذي يمنع وقوعها ابتداء ولا يحوج إلى اللجوء إليها إلا في أضيق الحدود، فهو أسلوب ترْبوي وقائي أكثر من أن يكون انتقامًا بعد الوقوع، وليس كالمجتمعات التي تطبق فيها العقوبات الوضعية، ومع ذلك فالجريمة تزداد فيها ازديادًا هائلاً بما يتبع ذلك من الفساد والانحلال المترامي بالأمم إلى الهلاك والاندحار، علاوة على ما يَنْتَظِر الناس في الآخرة، وأيضًا ففي تطبيق العقوبة الشرعية تربية عمليَّة على أخذ الإسلام بقوة وجديَّة، فالأمر جِدٌّ لا هَزْل فيه، فيعود ذلك بالخير الكثير على الأمة في دينها ودنياها.

- ثم إن التشريع الإسْلامي في امْتِنَاع النَّاس عن الجريمة وقبول أحكامها واحْترِامِهَا، يَعْتمد على تَرْبيَة القلب على الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى مراقبة الله وخَوفِ مَقَامِهِ وعقابِه ورَجَاءَ لِقَائِهِ وثوابه ورحمته، وذلك بمعرفة أسْماء الله وصفاتِهِ وآثارها ومقتضياتها، ومَعْلُوم أنَّ القَلْبَ مَلِكٌ والأعْضَاء جُنُودُه، فإذا صَلَح القَلْبُ صَلح الجَسَدُ كلُّه، فإذَا جَاءَ الحكْمُ الشَّرعِيُّ مُخَالِفًا للهوى ومقتضى الشَّهْوة، فإن القَلِب يُخْبِتُ لله ويَوْجلَ ويدفع اللِّسَانَ لأَن يَقُول سَمِعْنَا وأطَعْنا، والأعْضَاءَ لِمُسارعة الالتزام بالحكم.

 والله تعالى أعلم