السبت 06 آذار 2021


سورة الكهف 12

الاثنين 19/07/1434هـ 27/05/2013م - 1363 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 4.06 MB 35:28 mp3 mp3
فيديو جيدة wmv 14.58 MB - wmv wmv
مستند عالية docx 70.81 KB - docx

سلسلة التفسير

سورة الكهف (12)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا أكرم الأكرمين. أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه. نسألك علم الخائفين منك، وخوف العالمين بك.. بعد:

نحن في تفسير آيات من سورة الكهف.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29-31].

{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ}.

مصدر الحق في هذا الكون من الله تعالى، فالناس يذهبون باتجاه اليمين حيناً وباتجاه اليسار حيناً آخر بحثاً عن السعادة والخير والنجاح والرقي والسلام.

فالله تعالى هو الحق ومنه يصدر الحق سواء في فعل أو قول أو وعد أو وعيد، وكل ما يصدر من حضرته جل وعلا فهو الحق.

لا زال الإنسان منذ أن وجدت هذه الأرض وإلى اليوم يبحث عن الحقيقة، ولكن ميزة المسلمين أن جاءهم كتاب الحق من الحق، ولا يوجد على وجه الأرض إلى يومنا هذا كتاب نزل من السماء خالياً من التحريف إلا القرآن الكريم الذي حفظه الله تعالى لنا {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وما كتب أهل الكتاب إلا إنجيل متى ومرقص وبولس ويوحنا، أما الإنجيل الذي أنزله الله على سيدنا عيسى والتوراة التي أنزلها على سيدنا موسى فهما غير موجودين، وذلك بشهادة أهل الكتاب أنفسهم.

يتفاخر أحدنا إذا كان الراعي لوضعه الصحي طبيب ذو اختصاص عال في الطب.

ويتفاخر أحدنا إذا كان المشرف على بنائه مهندساً من أفضل المهندسين في البلاد.

ويتفاخر أحدنا بوكيل يسير بقضيته في المحكمة معروف بسمعته وخبرته في القضايا والمحاماة.

ويتفاخر أحدنا بأن الذي يعد له حسابات شركته محاسب من أفضل المحاسبين...

فما بالك إذا كان من أنزل لنا التعاليم هو الله!

العجب من عبد مسلم يترك هذا الحق ليبحث عن غيره في هذه الحياة مع أن الكرة الأرضية ما زالت تئن من ويلات هذه التجارب.

فكر الباحثون عن الخير أن إطلاق شهوات الإنسان قد تعطيه السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة، لكن عندما أطلق الشرق والغرب العنان لشهواتهم وشهوات أبنائهم ووصفوا الشرقيين المسلمين بتعقيد العلاقة بين الرجل والمرأة وأن ذلك يزيد شوقهما لبعضهما وكل ممنوع مرغوب.

جرب الغرب أن يخلطوا الشاب مع الفتاة من بداية سنوات حياتهم إلى نهاية الدراسة وحتى ما بعدها في الوظائف والمعامل والشركات وقالوا: هو أكثر استقراراً لنزوة الشاب والمرأة ولكنهم عندما جربوا كانت النتيجة هو انتشار الإيدز، والأولاد غير الشرعيين في بلادهم أكثر بكثير من بلادنا، حتى أن ثلث المواليد في أمريكا غير شرعيين وربعهم في بريطانيا؛ وكذلك في سائر الدول الأوروبية.

فبعد التجربة تبين لهم أن نظريتهم بالاختلاط كانت غير صحيحة؛ والدليل وجود كل هذه الفواحش لديهم؛ ولأجل ذلك ذهبت مدارس لديهم أن هذا الاختلاط الشديد بين النساء أمر غير صحيح ولا بد من الفصل بينهما، فالله سبحانه قد أراحنا من هذه التجارب الفاشلة والأفكار الباهظة الثمن.

اتفق جميع الاقتصاديين أن هذه الأزمة الاقتصادية التي أرخت بظلالها على هذا العالم سببها الرئيس هي القروض الربوية، والتوجه العالمي اليوم نحو الذهاب بالفوائد البنكية، وانتهوا إلى أن أفضل بنك في العالم اليوم هو ما كانت الفائدة لديه تساوي الصفر، والله تعالى قد أراحنا من هذه الضريبة التي دفعها العالم لقاء ذهابهم نحو ما يخالف أوامر الله عز ورجل.

{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} فلا تشغلوا أنفسكم، لكن يبقى عليكم أن توطِّنوا أنفسكم على اتباع الحق؛ لأن النَّفْسَ لا تحب اتباع الحق وتحب أن تتهرب من الالتزام به، فالمطلوب من المسلم أن يوطِّن نفسه على اتباع الحق، فما أن قال الله لك أو رسوله صلى الله عليه وسلم افعل أو لا تفعل فقل سأفعل.

من اتبع هذا الحق فإن كلام الله وأفعاله ووعده حق، وقد جاء الوعد في نهاية هذه الآية والآية التي تليها.

{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}.

الله لا يجبر أحداً لكن من يكفر سيدفع ثمن كفره.

هناك من يكفر صراحة فيقول: لا أؤمن بهذا الدين ولا بإلهه ولا بنبيه أو رسالته، لكن هناك من يؤمن بلسانه إلا أن أعماله تقول غير ذلك، فإذا قلنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم افعل كذا؛ رفض التطبيق والائتمار بأوامر الله ورسوله.

يقول الله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: 1]، فالمؤمن يعلم أن الله حق وأن كلامه حق، فلا يطفف ولا يتلاعب بالموازين، أما غير المؤمن فيقول: الأزمة لا تحتمل المثاليات، فالوقت وقت مصلحة {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} سيدفع الكافر ثمن كفره في الدنيا قبل الآخرة.

{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}.

إن الذين ظلموا أنفسهم بترك أوامر الله أعد الله لهم ناراً ووعد الله حق وكلامه حق.

إن لجميع الرسل والأنبياء معجزات أيدهم الله تعالى بها؛ كمعجزة انشقاق البحر، وتحويل العصا إلى أفعى، وإبراء الأكمه...

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ، فَجَهِشَ النَّاسُ نَحْوَهُ، فَقَالَ: ((مَا لَكُمْ؟!)) قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلاَ نَشْرَبُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ، فَجَعَلَ المَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، كَأَمْثَالِ العُيُونِ، فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً [البخاري].

عَنْ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا حُفِرَ الخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي، فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: لاَ تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَنْ مَعَهُ، فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((يَا أَهْلَ الخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا، فَحَيَّ هَلًا بِهَلّكُمْ)) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلاَ تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ)). فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ، فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ((ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلاَ تُنْزِلُوهَا)) وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ [البخاري ومسلم].

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةً فَوْقَ الجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اشْهَدُوا)) [مسلم].

إلا أن كل هذه المعجزات انتهت وبقيت له المعجزة الكبرى والخالدة وهي هذا القرآن الكريم، ولا زال الله تعالى يرينا إعجازه في القرآن الكريم ليتبين لنا أنه الحق.

 موضوع علم الأجِنَّة: وهو من العلوم الحديثة الذي يصف مراحل تشكل الجنين في بطن أمه، وقد قال علماء الأجِنَّة فيه: تبدأ نشأته بنطفة ملقحة، ثم تعلق هذه النطفة في جدار الرحم لتصير علقة، ثم تتمايز بعض خلايا العلقة لتصير مضغة -كأنها علك ممضوغ-، ثم يتخلق من هذه المضغة العظام، ثم تُكسى العظام باللحم والعضلات، ثم تتمايز باقي الأجهزة، ثم يتشكل من كل ذلك خلال الشهرين الأوليين من الحمل، ثم تتم العناية والرعاية بهذا الجنين إلى أن تمضي الأشهر التسعة وكل ذلك ما عرف إلا حديثاً إلا أن القرآن الكريم يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12-14].

هذه التتابعات في القرآن هي إعجاز وإثبات بأن هذا القرآن ما كان لينزل إلا من عند الله تعالى، وأنه جاء من عند الحق، وأنه حق.

للعلماء عند هذه الآية وقفات عجيبة:

حرف الفاء في اللغة العربية يدل على العطف والتراخي؛ أي هناك مسافة طويلة.

أما حرف (ثم) فهو يدل على العطف مع التعاقب.

فإذا قلنا: جاء أحمد فخالد أي جاء بعده بقليل، أما إذا قلنا: جاء أحمد ثم خالد؛ أي جاء أحمد فجلس قليلاً ثم جاء خالد.

{مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} فأصلك البعيد من طين لكن المباشرة الحقيقية بين الأب والأم واللقاء بينهما أنشأ نطفة وبويضة اجتمعا فأنشآ النطفة الملقحة.

{فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} فوضع جل جلاله (الفاء) هنا إشارة إلى التعاقب.

{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} ووضع تعالى (ثم) إشارة إلى وجود الفترة الزمنية، فقد مضى شهرين حتى اكتمل الجنين في بطن أمه، ثم يرعاه رب العالمين داخل الرحم إلى أن تمضي الأشهر التسعة، ثم يخرج إنساناً سوياً.

هذا التتابع في ألفاظ القرآن الكريم تدلك على أن قول الله تعالى حق، فمن قال هذا الكلام هو جل جلاله.

قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30]، فلا بد لي كمسلم معتقد بهذه الآية أنها حق وأن أمره تعالى حق أن أُلزم نفسي التزام الحق.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، فإذا كان بيننا عقد فيجب أن أعمل بهذا الحق وأوفي بوعدي وعقدي، وأترك كل ما يقال في غير هذا الكلام.

 قال الله تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} [النور: 40].

علوم البحار كلها علوم حديثة، وقد اكتشف العلماء في نهاية القرن العشرين أن البحر العميق دون غيره له أمواج سطحية وله أمواج عميقة؛ ولأجل ذلك قالت الآية: {فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} مما يدل أن هناك بحر لجي وبحر غير لجي وهو ما وافق كلام العلماء تماماً.

في هذا الوقت نفسه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم سمعوا كلام الله وسلموا له إيماناً من غير أن يعلموا ما ثبت للعلماء اليوم إلا أنهم كانوا في حذر من البحر.

وقد جاء أن مُعَاوِيَةُ أَلَحَّ فِي زَمَانِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي غَزْوِ الْبَحْرِ وَقُرْبُ الرُّومِ مِنْ حِمْصَ، وَقَالَ: إِنَّ قَرْيَةً مِنْ قُرَى حِمْصَ لَيَسْمَعُ أَهْلُهَا نُبَاحَ كِلابِهِمْ وَصِيَاحَ دَجَاجِهِمْ، حَتَّى كَادَ ذَلِكَ يَأْخُذُ بِقَلْبِ عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: صِفْ لِي الْبَحْرَ وَرَاكِبَهُ، فَإِنَّ نَفْسِي تُنَازِعُنِي إِلَيْهِ وَقَالَ عُبَادَةُ وَخَالِدٌ: لَمَّا أَخْبَرَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ وَمَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَمْرٌو: إِنِّي رَأَيْتُ خَلْقًا كَبِيرًا يَرْكَبُهُ خَلْقٌ صَغِيرٌ، إِنْ رَكَنَ خَرَقَ الْقُلُوبَ، وَإِنْ تَحَرَّكَ أَزَاغَ الْعُقُولَ، يَزْدَادُ فِيهِ الْيَقِينُ قِلَّةً، وَالشَّكُّ كَثْرَةً، هُمْ فِيهِ كَدُودٍ عَلَى عُودٍ، إِنْ مَالَ غَرِقَ، وَإِنْ نجا برق، فَلَمَّا قَرَأَهُ عُمَرُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: لا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لا أَحْمِلُ فِيهِ مُسْلِمًا أَبَدًا. [تاريخ الطبري].

فلما كان زمنُ سيدنا عثمان رضي الله عنه استأذنَ سيدُنا معاويةُ سيدَنا عثمان في غزو البحر فأذن له.

وهكذا العشرات والمئات من الآيات التي تتحدث عن معجزات علمية وتشريعية ولغوية ولفظية في القرآن الكريم.

{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} فلا تعذب نفسك وتفلسف مخالفة الحق إذا ما وجد الحق، فهناك الضلال {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32]؛ فالصراط المستقيم واحد وأنت تقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أما باقي السبل فتتفرقُ بكم عن طريق الحق، فلا تتعب نفسك ومن حولك؛ لأن المطلوب مني أن ألتزم بهذا الحق من أبسط أوامر القرآن الكريم إلى أعظم أوامره وكل أوامره عظيمة.

إذا أخطأت فقل أنا مخطئ وإن شاء الله سأحاول التصحيح، لكن لا تفلسف المعصية.

شاب يقيم علاقة غير مشروعة مع فتاة ثم يفلسف معصيته بقوله: أنوي الزواج بها.

امرأة متزوجة تتصل مع رجل لتتحدث إليه، وتذهب وتعود معه وهي تفلسف المعصية بحجة أنها غير مرتاحة مع زوجها، وهناك مشاكل بينهما. ومن أذن لك في حال وجود مشاكل فيما بينك وبين زوجك أن تذهبي إلى رجل غريب لتبثي له شكواك؟!

تاجر يأكل الربا والمال الحرام بحجة عدم وجود العمل في الوقت الحالي وهو عمل يدل على جهل واعتقاد بأن الله لا يعلم، وأن الله لما حرم الربا نسي عبداً سيصيبه ما أصابه!.

يرسل الله للعباد تذكيراً وتنبيهاً حتى يعودوا بعد الخطأ سواء كانوا أفراداً أو جماعات.

للسائل أن يسأل: إذا كان الآخرون مجرمين ويظلمون ويسيئون، فهل يجوز لي أن أقابله بالمثل؟ الجواب: لا؛ لأن الآخرين يتلقون تعاليمهم من الحضيض ومستقرهم إلى الحضيض في الدنيا والآخرة، وأنت رجل تتلقى تعاليمك من رب العالمين.

عَنِ الْحَسَنِ البصري قَالَ: (إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ أَوْثَقَهُمُ الْقُرْآنُ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَلَكَتِهِمْ).

[مصنف ابن أبي شيبة، وحلية الأولياء].

هذا القيد والوثاق إنما هو لسعادتك في الدنيا والآخرة، فالنظام المروري نظام يقيدني ويقيدك، لكن هذه القيود للمصلحة، فإذا قال إنسان: لا أريد الالتزام بهذه القيود، فأقول لك: لا مانع لكن إذا سقطت ودُقَّت رقبتك فلا تَلُم هذه القيود ولكن لُمْ جهلَك.

ابنتي لا تريد وضع الحجاب فلا أملك لها إلا النصيحة والترغيب والترهيب والتحبيب والتقريب والتبعيد، وليس لي من بعد ذلك من شيء، لكن إشفاقي عليها إن لم تؤمن بهذا الفرض أن لا أتوقف عن نصحها والدعاء لها؛ لأنني أعلم بأن الله أعد للظالمين ناراً.

تاجر يريد التعامل بالربا فلا أملك له من حبي له وإشفاقي عليه إلا أن أبقى أدعوه مراراً وتكراراً بالتحبيب والترغيب والتقريب والتبعيد؛ لأنني متأكد بأنه سيعذب ناراً إِنْ بقي على ما هو عليه؛ لأن الحق هكذا يقول.

شاب مستمر في إقامة علاقة غير مشروعة مع فتاة فسأظل من حبي له أقرِّب له وأحبِّب وأكرِّه حتى يترك هذا الحرام؛ لأنني متأكد أنه سيعرِّض نفسه للعذاب؛ لأن وعد الله حق فسأظل أعيد الكلام حتى ينسحب ويتوب ويقلع من هذه الآفة.

مَثَلُ المقيم على المعصية والناصح الذي يحاول إنقاذه منها كمثل رجل يركب السيارة بسرعة مئة، والناصح يعلم أن في آخر هذا الطريق واد وسيسقط فيه، فسيظل يتصل به ويرسل له المراسيل لأجل أن يترك حتى يرجع.

عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا)) [البخاري ومسلم].

فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع من حوله بهذا الأمر حتى قال الله تعالى له: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] أي: ستقتل نفسك يا رسول الله من أجلهم؟!

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ: ((قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56]، [رواه الإمام مسلم].

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ غُلَامًا، مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: ((أَسْلِمْ)) فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ، وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ فَأَسْلَمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَقُولُ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ)) [أبو داود والإمام أحمد والنسائي].

سأبقى أدعوك إلى الخير؛ لأني أخاف على هؤلاء الناس أن يصلوا إلى النار سواء في الدنيا أو في الآخرة.

{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}.

سرادقها: أي  أسوارها.

{وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ}.

المهل: النحاس المذاب.

يشوي الوجوه: فلو قربوه إلى وجوههم لَشُوِيَتْ وجوههم.

{بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}.

من يخالف أوامر الحق ويستمر في مخالفته فيقيناً سيذهب إلى النار؛ لأن هذه الآية حق ووعد الله حق ووعيده حق.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ)) [البخاري].

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}.

بمقابل وعيد الله للظالمين فإن الله وعد من امتثل أوامر الله وعمل بها، والتزم بقول الحق وآمن وعمل الصالحات، وقام بالعمل المتعب الشاق مجاهداً بذلك نفسه بأن له الجنة.

{أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ}.

عندما تعمل في شركة يعلم صاحبها غني وكريم ويحبك جداً وسيرتك لديه كلها، فهل لك مصلحة أن تحدد له الراتب أم الأفضل أن يحدد لك هو ذاك؟

إذا كان هناك تاجر له زبون مليء جداً فهل له مصلحة أن يخبره عن سعر ما يريد شراءه أم الأفضل أن يقول له: ادفع ما تريد أن تدفعه؟

الله أكرم الكرماء وهو يحبك محبة شديدة فلك أن تتخيل ما سيعطيك من هذه الأجور.

{لَهُمْ جَنَّاتُ} وليس جنة واحدة.

عدن: أي إقامة تقيم ولا تخرج منها أبداً، فالإنسان في الدنيا قد يُدعا للذهاب إلى وليمة في مزرعة فيفرح ويُسر سروراً عظيماً لكن مهما كان سروره فسيخرج من هذه المزرعة، إلا أن المؤمن في الجنة مقيم فيها أبداً.

{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} إذا كانت هناك بحرة في صحن الديار فستشعر بسرور بها، فما بالك بجنة تجري من تحتها الأنهار!

{يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}.

سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ: الحرير الناعم والخشن.

{مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ} هي الوسائد والأَسِرَّة.

{نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}.

تعالوا -بما أن الحق أرسل إلينا- لنجاهد أنفسنا ما استطعنا للالتزام بأوامر الله تعالى، ومن يجد في نفسه شروداً أو بعداً فلا مشكلة، فكلنا نشرد ونبعد لكن لنحمل أنفسنا على التوبة والعودة إلى الصراط المستقيم.

 

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين.