الاثنين 08 آذار 2021


تفسير الكهف 13

الاثنين 25/07/1434هـ 03/06/2013م - 1746 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 5.12 MB 44:41 mp3 mp3
فيديو جيدة wmv 86.81 MB - wmv wmv
مستند عالية docx 86.89 KB - docx

سلسلة التفسير

سورة الكهف (13)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا أكرم الأكرمين. أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه. نسألك علم الخائفين منك، وخوف العالمين بك.. وبعد:

فنحن في تفسير بعض آيات من سورة الكهف

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا } [الكهف: 32-44].

يحتوي القرآن الكريم على قصص وأمثال، وقد ذكر القرآن الكريم ثلاثة وأربعين مثلاً.

المثل والقصة أسلوبان بليغان من أساليب إيصال الفكرة بكلمات قليلة وبمعان واسعة.

قال الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ}.

[البقرة: 261]

قال الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا}.

 [العنكبوت: 41]

قال الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5].

قال الله تعالى: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} [إبراهيم: 26].

قال الله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} [يونس: 24].

قال الله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35].

وفي سورة الكهف وحدها ثلاثة أمثال وثلاث قصص ومن هذه الأمثال قصة هذين الرجلين.

يقول الله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43].

كان أحد السلف إذا قرأ مثلاً في القرآن ولم يفهمه يبكي ويقول: لست من العالِمين.

{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا}

صديقان آتى الله واحداً منهما بستانان كبيران مليئان بعرائش العنب، وعلى مدار هذين البستانين نخل، وما بين النخل وكروم العنب زرع فهما مليئان بالخضار.

{كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا}.

كل الطعام الذي كان يخرج من هذين البستانين كان من أطايبه.

{وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا}.

كل الشجر كان يحمل الثمار من غير أن يسقط عنها شيء.

{وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا}.

جعل الله ماء غدقاً عذباً يجري بين الجنيتين.

{وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}.

قال العلماء: (أربع لا تقلها: أنا ولي وعندي ونحن).

أما (أنا) فقالها إبليس {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [ص: 76].

وأما (لي) فقالها فرعون {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}.

[الزخرف: 51]

وأما (عندي) فقالها قارون {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78].

وأما (نحن) فقالها أهل سبأ {قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} [النمل: 33].

إذا كان لديك شيء فهو من فضل الله تعالى، وإذا أعطاك الله قوة أو جمالاً أو مكانة فهذا من إكرام الله تعالى، وإذا أكرمكِ الله بزوج صالح له مكانة اجتماعية فهذا إكرام من الله تعالى وليس بذكائكِ أو قدرتكِ أو مهاراتكِ.

صحيح أنك اجتهدت؛ لكن هذا فضل الله تعالى يؤته من يشاء من عباده فهناك أناس أذكى وأقوى وأجمل منك لكن الله لم يعطهم ما أعطاك، {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}.

[النجم: 32]

قال الصالحون: (لا يَعْتَدَنَّ امرؤٌ بعباداته) يقول: أنا أصوم رجب وشعبان ورمضان، أنا أصلي كل يوم ثماني ركعات من قيام الليل، أنا كل سبعة أيام أختم القرآن الكريم، أنا أكفل مئة يتيم، أنا أطعم مئة بيت من مالي، أنا بنيت مسجداً، أنا أنشأت مؤسسة إسلامية، أنا الداعم الوحيد لمشروع خيري موجود في بلد فقير جداً... فلا تقل أنا؛ لأن هذا من فضل الله تعالى عليك.

لو قرأتم القرآن الكريم من أوله إلى آخره لوجدتم أن الأنبياء والصالحين والمقربين يَتَّهِمون أنفسهم فهذا سيدنا يوسف عليه السلام يقول -على أحد التفاسير-: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] وقيل: أنه من قول امرأة العزيز.

وسيدنا يونس عليه السلام يقول: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَوْ يُؤَاخِذُنِي اللَّهُ، وَابْنَ مَرْيَمَ، بِمَا جَنَتْ هَاتَانِ - يَعْنِي الْإِبْهَامَ وَالَّتِي تَلِيهَا -، لَعَذَّبَنَا ثُمَّ لَمْ يَظْلِمْنَا شَيْئًا)).

[رواه ابن حبان بسند صحيح على شرط مسلم]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ)) قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: ((لاَ، وَلاَ أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا)) [البخاري ومسلم].

الغمد: هو ما يوضع فيه السيف ليحيط به من كل جوانبه.

الأنبياء والمقربون والصالحون يتهمون أنفسهم، والفراعنة والأبالسة والظالمون لأنفسهم يزكون أنفسهم؛ لذلك يقول الصالحون: (أصل كل معصية الرضا عن النفس).

{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ}.

اعتد بنفسه وتخلى عن معونة ربه فكان من الظالمين لأنفسهم.

هناك آيات في القرآن ووقائع في الحياة تثير العجب:

نجد عدداً من كبار الشيوخ الصالحين والخيرين يخرج أولادهم فاسدون فساداً كبيراً.

طبيب اختصاص قلبية يموت بمرض القلب.

سبَّاح عالمي له شهادات وجوائز عالمية في السباحة يموت غرقاً في البحر.

أستاذ جامعي تخرج من تحت يديه آلاف الطلاب برتب علمية عالية وابنه لا يحمل أي شهادة...

هذا الكلام إن دل على شيء فهو يدل على أنه لا إله إلا الله، فلا تغترَّنَّ أيها الصالح وتعتقد أن بصلاحك وعقلك هَديت من وراءك {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.

[القصص: 56]

أحد الشيوخ الصالحين لديه ولد يقوم بالإيذاء والبعد عن الله الشيء الكثير، فقال له أحد تلامذته الصالحين: يا شيخي نحن نعتقد بأنك من كبار الأولياء فادع لابنك أن يهديه الله، فصار الشيخ يبكي ويقول: لا إله إلا الله.

أنت لا تفقه شيئاً فلولا أن الله يعينك ويمدك لما استطعت أن تفعل شيئاً، فلا الطبيب يستطيع أن يعافي أحداً، ولا الصالح يستطيع أن يهدي أحداً، ولا الأستاذ الجامعي يستطيع أن يخرج أحداً، ولا السباح العالمي يستطيع أن ينجو من مهلك إذا أوقعه الله تعالى فيه إلا بمشيئة الله.

تبرؤوا من حولكم وقوتكم إلى حول الله تعالى وقوته، قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، قولوا: لا إله إلا الله من كل أعماقكم.

قال لي أحد الأطباء الشهيرين والمعروفين: إنني في صباح إذا دخلت إلى عيادتي أبرأ إلى الله وأقول من كل قلبي: يا رب لا أعلم ولا أفهم شيئاً وأنت الفعال.

على ورقة الامتحان عندما تكتب بسم الله فهذا يعني أنني تركت كل ما قرأت ودرست ولن أكتب باسمي أو باسم الشعب أو باسم المملكة أو باسم الإدارة أو باسم الشهادة الجامعية... ولكن سأكتب باسمك يا الله وأعمل باسمك وأخرج باسمك وأعود باسمك.

{قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا* وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً }.

يقول: ليس من الصحيح أن القيامة ستقوم وأن الأرض ستنقلب.

الرضا عن النفس يوصل الإنسان إلى الكفر فتبدأ بأنك أفضل من كل الناس، وتبدأ المرأة أنها الأجمل والأغنى ومستواها المعاشي أحسن ممن حولها، لكن تنتهي إلى ما فعل فرعون فقد بقي يقول أنا.. أنا.. {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29] حتى لم يجد كلمة تتسع فوصل إلى كلمة الكفر {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} [النازعات: 24- 25].

كان عقابه هو القصم في الدنيا والآخرة وذلك من جراء تلك الكلمة وكلمة ثانية قالها هي  {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38].

{وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا}.

يقول: لأنني ابن فلان فحتى لو كان هناك يوم القيامة فإن ربي سيكرمني؛ لأنني غير كل هؤلاء الناس.

{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا}.

الشيطان يسول للإنسان المعاصي حتى يجاهر بها بين الناس فيضع صورته على صفحات التواصل الاجتماعي وهو بمكان المعصية، ثم يدعو أصحابه إلى المعاصي، فإذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا.

عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، مرسلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ)) [مالك والبيهقي].

تدعو زوجها وأصدقاءها إلى المعصية فتقيم عرساً مختلطاً وإذا ما نهرها زوجها قالت له: عند عرس ابني وابنتي لا أحد له علاقة متحدية بكلامها أوامر الله ونواهيه.

إذا دعتك نفسك إلى هذا الشيء فتذكر من أنت، وتذكر ما كنت عليه فقد كنت من قبل تراباً ونطفة.

{لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا}.

لكنا: أي لكن أنا.

إننا بطبيعة أعمالنا أو دراستنا أو جلساتنا نجالس أناساً عصاة لا يأتمرون بأمر الله فإذا جالسنا أحداً من هؤلاء فماذا علينا أن نفعل؟

علينا أن نقوم بما قام به صاحب هذا المثل، النصيحة الأمر ليست قهراً ولا إجباراً ولا إرغاماً لكن حوار.

يا أيها الإخوة يطلب إليك إذا جلست مع إنسان بعيد أن تدعوه إلى الخير، أما إذا كان أهل الحق صامتون فإن أهل الباطل سيتمادون فإذا جلست مع أحد فحرك لسانك بكلام الخير {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114].

إذا جلستم مع أصحابكم في رحلة أو جلسة فابدؤوا أنتم الحديث وتكلموا بالكلام الخير.

لو أن صاحباً لي دعاني لأذهب إليه لتناول الطعام ولكنه كان:

يَسُبُّ الدِّين أو أعلم أنه في غيبتي يَسُبُّ الدِّين.

كان بينه وبين والده خصومة.

كان له علاقة غير مشروعة مع فتاة.  

كان متناحراً مع أخ له على مال بينهما، فماذا علي أن أفعل؟

يجب علي قبل أن أذهب مع إخواني أن نخطط بما يجب علينا أن نفعله؛ لأن أخانا واقع في هلكة فإن ذهبنا إليه ولم نفاتحه بالمعصية التي هو عليها فقد يشتكي علينا إلى الله يوم القيامة.

ما حكم تغيير المنكر؟

قال العلماء: لتغيير المنكر خمسة أحكام: فرض - سنة - مباح - مكروه - حرام.

1-            الفرض: إذا أيقنت أنك بنهيك عن المنكر سينتهي.

ü               صديق لك يحبك ولا يضيع لك كلمة وتعلم أنك إذا ذهبت إليه وقلت له: أريد أن أصلحك مع أبيك فسيأتمر لأمرك، ففي هذه الحال كان من الواجب عليك أن تذهب إليه لتصلحه، وهذا ما يسمى بزكاة الجاه.

جاهي لا أستخدمه لأمور دنيوية وليأتي الناس إلى أفراحي ولأمور المعاملات الرسمية... بل يجب أن أستخدم جاهي للإصلاح بين اثنين، ولرد الابن المبتعد عن أبيه وما شابه ذلك.

ü               زوجان متخاصمان ولديك جاه على الزوجة؛ كأن كنت ولي أمرها وعلمت بأنها هي المقصرة، فيجب عليك شرعاً أن تذهب إليها لتعيدها إلى زوجها.

2-            السنة: إذا ظننت بأنك إذا نهيت عن المنكر سينتهي الفاعل وسُينزل بدله معروفاً أو يتوقف عن منكره.

3-            المباح: إذا توقعت بأنه إذا نهيته عن المنكر سيترك منكره وسيضع منكراً بديلاً عنه.

4-            حرام: إذا أيقنت أنك إن نهيته عن المنكر سيفعل منكراً أكبر من منكره.

جاء عن ابن تيمية رحمه الله أنه قال: (مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم) [إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية، وأسنى المطالب في شرح روض الطالب لزكريا الأنصاري].

 إذا كنت تعلم أن من تريد نصحه في لحظة الغضب لا يضبط لسانه فمن المحرم عليك أن تقول له وهو على تلك الحال (صلِّ على النبي)؛ لأنه قد يسب فيقع في محرم أعظم.

ليس من المعقول أن تجلس مع صديقك سنة ولم تأمره مرة بمعروف ولم تنهه مرة عن منكر.

ليس من المعقول أن لا تجد أي وجه أو وقت مناسب لهذه النصيحة، مع أن الأمر حوار وأخذ وعطاء.

من أراد الحوار يجب أن يكون لديه مادة علمية، فأحياناً يريد أحدنا أن يقول لصاحبه: غض بصرك، لكن إن قال له: ما الدليل فلا يعلم، فعليه أن يدرس ويقرأ.

إذا أتيته بالدليل فقد يقول له: اقنعني، فاذهب واقرأ بكتب تحدثك عن هذه الأمور وبنيتك إصلاح ذاك الرجل ليصل إلى الخير.

إذا تكلمت معه بالبنوك الربوية فاقرأ أدلة من القرآن والسنة عن التعامل الربوي، وأحضر له الحكم الاقتصادية لسوء التعامل الربوي، فإن لم تكن تعلم فادرس فإن لم تعلم ما تقرأ فأرسل لشيخ لتسأله عن كتاب لتقرأه.

لا تدري لعلك بهذه الجلسة التي تجلسها مع هذا الإنسان وقد حضرت لها مادة علمية وأسلوباً جيداً أن توصل له الخير.

صاحب شركة كان محبوباً بين عماله ولديه 200 عامل فقال لي: أريد أن أعقد معك شراكة، فعمالي يحبونني محبة شديدة ومهما طلبت إليهم فهم يستجيبون، لكنني لا أُحسن أن أوصل لهم كلام الخير والدعوة إليه في كل الأمور، فأريد أن أجمعهم لك بين فترة وفترة لتحدثهم أنت والأجرة بيني وبينك.

لكل إنسان مفتاح تدخل إليه عن طريقه: فبعضهم تستطيع أن تدخل إليه إذا أطعمته وأشبعته، وبعضهم تأخذ الفكرة القوية بعقله، وبعضهم تفتح الهدية أسارير نفسه، وبعضهم تستطيع أن تدخل إليه من خلال الضحكة فإذا ضحك ارتاح واستمع إليك فَجَهِّز له بعض الطرف لتقولها، وما زال المدربون والمعلمون يسجلون النكتة ليحدثوا بها؛ لأن النكتة أحياناً تفتح أسارير الإنسان خاصة إذا كان لها صلة بالكلام المطروح.

{وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ}.

عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟)) - أَوْ قَالَ: ((عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟)) فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: ((لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ)) [مسلم].

وزاد الإمام أحمد بروايته: ((يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ)).

لا حول: أي يا رب ليس لي من حول ولا جاه ولا قوة ولا سلطان ولا قوة إلا بمعونتك.

يقول الإمام مالك: (ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا) [الجامع لأحكام القرآن].

حُدِّثت عن رجل من رجال الشام سافر للعمل خارج البلاد، فاتصل به مدير أعماله ينصحه بشراء أرض في منطقة يعفور؛ لأنها منطقة واعدة وفيها حركة شراء مزارع لأناس ميسورين، فوافق الرجل وبدأ مدير الأعمال باختيار الأرض حتى توافقوا على الأرض وبدؤوا ببناء الفيلة حتى كانت على أحسن حال.

عاد الرجل إلى البلد بعد غياب طال عشرين سنة فاستقبله أولاده وأحفاده فكان أول طلباته أن يأخذوه إلى المزرعة مباشرة.

وصل الرجل إلى المزرعة فوجد على مدخلها لوحة فنية مكتوب فيها: الملك لله، فقال لهم: هذه المزرعة ملكي فأنا من بناها بمالي، وأمر أن ينزلوا العبارة فلما قال: أزيلوها.. سقط بلا حراك فأُخذ إلى المشفى ليداوى فإذا به قد شل شللاً رباعياً غير ردود.

أُخبر الطبيب بقصته فقال للأولاد: والدكم زاحم الملِك في مملكته، فإن أردتم أن يعود والدكم فاسترضوا الملِك، فجعلوا يتصدقون ويقومون بالأعمال الخيرية فتحسن الأب –غير أن قلبه ما زال فيه شيء من الكِبر- وكان أول طلب يطلبه هو أن يذهب إلى المزرعة، فذهبوا به وعلى باب المزرعة انتكس، ثم أعيد إلى المشفى، ثم عوفي، ثم ذهب إلى المزرعة، ثم انتكس، ثم أعيد إلى المشفى ومات فيها ولم يدخل المزرعة.

أنت لم تجمع مالك وممتلكاتك بجهدك أو بذكائك أو بقوتك.. فهناك من يفوقك بذلك بكثير ولم ينل ما نلت.

عليك أن تقر بقولك: يا رب أنا عاجز عن أي شيء، فهذه حقيقة وليست تواضعاً.

حبة رمل تعلق في المجاري البولية تصيب الإنسان بقُوْلَنْجْ كلوي حاد يجعله يبكي أمام الناس.

فقاعة هوائية لثلاث دقائق بالدماغ يتحول من الدكتور فلان إلى المجنون فلان، وإن استمرت خمس دقائق أصبح المرحوم فلان.

قال المفسرون: هذه الكلمة لا تكون بلسانك بل بقلبك فكن معتقداً أن هذا العطاء هو مشيئة الله عز وجل.

{إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا}.

صعيداً زلقاً: أرضاً بوراً لا تثبت عليها قدم ولا يعلق عليها ماء، وهي أسوأ الأراضي الزراعية.

{أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا}.

غوراً: يغور ماؤها.

يسن لمن سمع هذه الآية {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30] أن يقول الله رب العالمين، إلا أن أحد الرجال الشيوعيين لما سمع هذه الآية قال: أنا آتيكم بالماء بفأسي هذا، فغارت مياه عينيه.

{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا}.

النادم إما أن يعض على أصابعه، أو يقلب كفيه ندماً على ما أنفق في هذه الأرض.

{وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}.

جعل هذا الإنسان من نفسه شريكة لله.

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)) [أبو داود وأحمد وابن حبان والنسائي].

{وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا}.

ذهب كل جماعته وأصدقائه وتلامذته وجنوده... فلم يبق له أحد.

{هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ}.

الولاية: النصرة والسلطان.

{هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا}.

إذا التزمت بأمر الله وامتثلت بأوامره فسيعطيك ثواباً خيراً مما تتوقع وعاقبة خيراً مما تأمل.

هذا أول مثلٍ ضربه الله تعالى في سورة الكهف؛ لأجل أن يتعلم أحدنا التبرؤ إلى الله من الحول والقوة، وأن يجعل قلبه معلقاً بالله تعالى على كل الأحوال، فمن أيقن بذلك علم أن الله {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا}.

إذا شعرت في هذه الأزمة أن الأمور لا تسير كما تريد مع أنك ملتزم بأمر الله، فأيقن أن ربك {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} فسيعطيك عاقبة وثواباً لا يخطران لك على بال، لكن يطلب منك أن تبقى منضبطاً بأمر الله مساعداً لعباد الله تعالى.

 

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين.