الاثنين 08 آذار 2021


تفسير الكهف 14

الاثنين 02/08/1434هـ 10/06/2013م - 1508 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 4.56 MB 39:46 mp3 mp3
فيديو جيدة wmv 77.2 MB - wmv wmv
مستند عالية docx 70.33 KB - docx

سورة الكهف (14)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا أكرم الأكرمين. أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه. نسألك علم الخائفين منك، وخوف العالمين بك.. وبعد:

فنحن في تفسير بعض آيات من سورة الكهف.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 45-46].

الأمثال نوع من أنواع الدروس التربوية ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، فذكر الله تعالى لنا أخباراً وقصصاً وأمثالاً وأوامر... فالمعلم والمربي الذي يريد أن يوصل مادته العلمية أو التربوية إلى المتعلم ينبغي عليه أن يحتذي منهج القرآن الكريم وحديث النبي صلى الله عليه وسلم، فينوع في الأسلوب، فيذكرُ حيناً قصةً، وحيناً مثلاً، وحيناً أمراً، وحيناً نهياً...

استخدم القرآن الكريم الأمثال في إيصال المادة العلمية والتربوية إلى المسلمين أو قارئي القرآن الكريم، وفي سورة الكهف أمثالٌ ثلاثةٌ، سبق معنا في الدرس الماضي المثل الأول، وهو مثل الرجلين صاحبي الجنتين، وهذا مثل ثان:

{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا}.

الماء: ماء المطر.

نبات الأرض: زرع الأرض اخضرَّ وقوي واشتدَّ على سوقه.

فأصبح هشيماً: أي ورقاً أصفر يابساً،

تذروه: تذهب به الريح يمنة ويسرةً.

  1. 1.                قال العلماء: شبه الله تعالى الحياة الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع ولكن ينتقل من مكان إلى مكان، وهكذا شؤون هذه الدنيا، فالغنى ينتقل من شخص إلى شخص فإذا نزل بك غنىً ثم أصابَ امرأً فقرٌ فلا يحزن؛ لأن هذه سمة الحياة الدنيا، والعز والذل والجاه وقلة الجاه والمنصب ينتقل من شخصٍ إلى آخر.

وعلى الحالتين سواء كنت فقيراً أو غنياً أو كنت صاحب جاه أو بدون جاه أو كنت في عز أو ذل فعلى كلا الحالتين أنت مختبَرٌ في هذه الحياة الدنيا، فتختبر حيناً بالصحة وحيناً بالمرض، وحيناً بالقوة وأخرى بالضعف، وبالشباب والهرم، وبالجاه وقلته... وفي كل الأحوال أنت مختبَر.

عَنْ صُهَيْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» [مسلم].

إذا وجدتم إنساناً أصابته سراءَ فكفر، أو ضراءَ فجزعَ فليس بمؤمن.

الإيمان ليس ختماً تحصل عليه من شركة معينة يختم لك بأنك مؤمن، والإيمان ليس وثيقة تحصل عليها من دائرة النفوس، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.

هناك شيءٌ يستقر في قلبك ثم يصدِّقُه عملك، أو لا يصدقه.. ولهذا الإيمان علاماتٌ، فكيف لنا أن نعرف أنفسنا مؤمنين أو لا؟ فكلنا نقول بألسنتنا: نحن مؤمنين إلا أن الله يقول: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} [الحجرات: 14] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ...} [النساء: 136] مع أننا نعتقد أننا مؤمنين، ولكن الإيمان ليس كلمة تُنطَق باللسان فحسب، فهناك أشياء تدل على صدق الإيمان.

يَعرِفُ الأطباءُ الحيَّ من الميت بمشعرات وعلامات حيوية يقرؤونها من قياس النبض والضغط والحرارة وحدقة العين، وعليها يحكمون عليه بالحياة أو عدمها..

من مشعرات الإيمان:

عَنْ أَبِيْ أَُِمََامَةَُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ، وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ فَإِنَّكَ مُؤْمِنٌ» [الحاكم وأحمد والبيهقي].

وَعَنْ صُهَيْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» [مسلم].

فَمَن لم يكن متَّصفاً بهذه الصفات فإنَّ أولَ مُشعرٍ من مشعرات الإيمان عنده لا يستجيب.

الإيمان التزامٌ بأوامرَ أمرنا الله تعالى بها في كل أحوالنا، من غنىً وفقرٍ، وصحةٍ ومرض، وعزٍّ وجاهٍ...

ما يأمرنا اللهُ تعالى به قد أصاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو أحسن الناس إيماناً، فالنبي صلى الله عليه وسلم في إحدى مراحل حياته أصابه الفقر، فلم يكن لديه ما يأكل؛ حتى ربط على بطنه الحجر!!.

عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَتْ تَأْتِي عَلَيْنَا أَرْبَعُونَ لَيْلَةً وَمَا يُوقَدُ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِصْبَاحٌ وَلَا غَيْرُهُ! قَالَ: قُلْنَا: أَيْ أُمَّاهْ، فَبِمَ كُنْتُمْ تَعِيشُونَ؟ قَالَتْ: بِالْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ [الحاكم وأحمد والبيهقي].

وقد وجد رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم حالاً من الغنى في مراحل أخرى من حياته  صلى الله عليه وسلم، فانظروا كيف وجدتموه في فقره، وكيف وجدتموه في غناه، مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حالٌ من الصحة، وحالٌ من المرض.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ قَالَ: «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ»، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: «أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» [البخاري ومسلم].

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ. فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ... » فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ...

[البخاري ومسلم].

فانظروا.. كيف رأيتم رسول الله  صلى الله عليه وسلم في مرضه وفي صحته؟!

مر على رسول الله حيناً كان فيه طريداً من بلده، وحيناً عاد فاتحاً إلى مكة، فانظروا كيف رأيتموه في النصر؟ وكيف رأيتموه عندما أُخرجَ من ديارهِ؟.

مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم معركة انتصر فيها على المشركين، ومرت عليه معركة انتصر فيها المشركون على المسلمين.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ» [الحاكم وأحمد].

فليس الغنى والقوة والجاه دليل على محبة الله تعالى للإنسان.  

فإذا كنتم في شبابكم فاعلموا أنكم مختبرون، وأيقنوا بأن هذه الدنيا ستمضي من أمامكم إلى غيركم، ثم ينتهي الشباب لتبدأ الآلام والأوجاع، فستختبر في شبابك وفي كهولتك، فماذا ستفعل؟

  1. 2.                شبه الله تعالى الحياة الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة، وكذلك الدنيا، فالماء أحياناً يتحرك وأحياناً يرقد، وأحياناً يصفر وأحياناً يخضر، وأحياناً يبرد وأحياناً يسخن، وكذلك الدنيا لا تستقيم على حالة واحدة، فإذا أقبلت عليك الدنيا فأري الله تعالى منك شيئاً حسناً.

أحياناً تُقبِلُ الدنيا على أحدنا، فإذا أصبحت أميراً أو مديراً أو صاحب جاه فبادرْ أن تستفيد من هذه الإمارة والإدارة والجاه في فعل الخير، وادَّخِرْ درجات وحسنات للآخرة؛ لأن هذه الدنيا ستنقلب وتتغير.

قالوا: العجلة في كل شيء ممقوتةٌ إلا في فعل الخير.

أعطاك الله قوةً فساعدْ فيها الناسَ ومَن احتاج إلى معونة.

أعطاك الله شباباً، فأري الله تعالى من نفسك خيراً.

أُصبتُ مرة في حادث سيارة، نتج عنه كسرٌ في الحوض، أجلسني في السرير لأربعة أشهر، وأنا ممدَّدٌ، فأكثر شيء كان يبكيني أنني أشتهي السجود على الأرض، وأوَّل شيء فعلته عندما أذن لي الطبيب أن أقوم من على السرير هو أن سجدت على الأرض.

أنت تستطيع أن تقوم في الليل لساعات، وسيأتيك وقت تتمنى باكياً أن تجلس على ركبتيك وتقرأ سورتين من السور القصار، لكنَّك لا تستطيع بسبب آلامٍ في الركب وأسفل الظهر وفي العمود الفقري.

أنتم الآن تستطيعون الصوم، وبعض الشباب لهم عادة في صيام رجب وشعبان ورمضان، وربما يأتي عليك يوم تبكي؛ لأنك تريد الصيام ولا تستطيع، وتُمنع حتى من صيام رمضان.

كم من رجل وامرأة منعهما الطبيب من الصيام فصارا يبكيان.

فأنتم على الحالتين أروا الله تعالى من أنفسكم خيراً؛ لأن الدنيا لن تستقيم لأحد على إطلاق، ولو استقامت لأحد لاستقامت للأنبياء من قبلكم.

  1. 3.                شبه الله تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماءَ يذهبُ ولا يبقى، وكذلك الدنيا تفنى ولا تبقى فكل المزارع والمطارات والعمارات والأبراج وكل الأرض ستُنسَف نسفاً كالماء الذي لن يبقى، فلا يُغَرَّ أحدٌ بما في هذه الدنيا.

قال الأصمعي: بعث إليَّ هارون الرشيد وقد زخرف مجالسه وبالغ فيها وفي بنائها، وضع فيها طعاماً كثيراً، ثم وجه إلى أبي العتاهية، فأتاه، فقال: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا، فأنشأ يقول:

عِشْ مَا بَدَا لَكَ سَالِمًا

 

فِي ظِلِّ شَاهِقَةِ الْقُصُورِ

فقال: أحسنت، ثم ماذا فقال:

يُسْعَى عَلَيْكَ بِمَا اشْتَهَيْتُ

 

لَدَى الرَّوَاحِ وَفِي الْبُكُورِ

فقال : أحسنت أيضاً، ثم ماذا فقال:

فَإِذَا النُّفُوسُ تَقَعْقَعَتْ
فَهُنَاكَ تَعْلَمُ مُوقِنًاً

 

فِي ضِيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدُورِ
مَا كُنْتَ إِلا فِي غُرُورِ

فبكى هارون، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنتَهُ! فقال هارون: دعه، فإنه رآنا في عمىً فكره أن يزيدنا عمىً [المجالسة وجواهر العلم، للدينوري].

لو كنت مغدَقاً فلا تُغرِق نفسك في النعيم؛ لأن المترفين ذُكروا في القرآن الكريم دائماً بالذم، فلا تجعل نفسك معهم.

جاء في الأثر: (اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم).

لا تعلموا أولادكم المغالاة بالترف في الدنيا؛ لأجل أن تعيش العيشة الفارهة في الآخرة.

  1. 4.                شبه الله تعالى الحياة الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستطيع أحدٌ أن يدخله دون أن يبتل، وكذلك الدنيا فلا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفاتها.

قالوا: خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً.

أحد الإخوة يقول: إن جدهُ منعَّمٌ ولديه معمل للطلاء، لكنه إذا قيل له: بعثنا لك طلبية الطلاء في البحر فلا ينام حتى تصل إلى المرفأ، وهو مصابٌ بالضغط والسكري وبمرض القلب، ومع ذلك يخاف أن يصيب البضاعة مكروه!

صحيح أنك من الممكن أن تحيز من الدنيا مراتب، ولكن بمقدار هذه المراتب سيكثر أعداؤك وخصومك وحُسَّادُك ومن يريد الإيقاع بك، فإذا قسم الله لك أن تأخذ من الدنيا فاحمد الله، وإذا جعلك الله في وضع معاشي معتدل فاحمد الله، فأنت في نعم كثيرة، وهذا الأمر لا يعني عدم وجود النعم؛ لأن الله تعالى يقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201] فمطلوب منا العمل ما استطعنا، وإذا لم ننَلْ بعد العمل والجهد من الدنيا إلا على النزر البسيط فلنحمد الله تعالى فهذا خير لنا.

اعمل بجوارحك ما استطعت لذلك سبيلاً وبعد ذلك {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68].

  1. 5.                شبه الله تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء إذا كان بقدر كان نافعاً منبتاً، وإذا جاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً، فإن أخذتَ من المال مقداراً معتدلاً نافعاً منبتاً فستُسَرُّ وترتاح ويُسَر من حولك من أهل وأرحام. لكن إن زاد عن حده الطبيعي فقد يقع بعضهم في شرور.

قد يصرف مال الإنسان عن فرائضه، فيمتنع أحدهم عن الصلاة بحجة أن العمل عبادة، فيصلي الأوقات الخمسة مع بعضها في آخر اليوم، وقد يمتنع عن زيارة والديه وصلتهما بحجة العمل، مع أن بر الوالدين فرضٌ فصار عمله هذا معصية.

  1. 6.                شبه الله تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء يأتي قطرة قطرة، ويذهب دفعة واحدة؛ وكذلك الدنيا.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ».

قال بعض المفسرين: شبه الله تعالى الدنيا بالماء وهذه بعض صور هذا الماء.

وقال بعضهم: شبه الله تعالى الحياة الدنيا بهذه الصورة كاملة: {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ}.

هذا التشبيه دليل على قلة بقاء الحياء الدنيا، فترى الماء النازل والخضار الصاعد، ثم يأتي الجفاف لتذروه الرياح وتنتهي الحياة الدنيا.

قالوا: عَبَّر الله بحرف الفاء (فاختلط - فأصبح)؛ لأن حرف الفاء يقتضي الترتيب مع التعقيب، فإن قلت جاء أحمد إلى الدرس ثم خالد أي جاء أحمد وبعده بفترة جاء خالد، أما إن قلتَ جاء أحمد فخالد، فهذا يعني أنه جاء بعده مباشرةً.

فالله يريد أن يسرِّع لك الصورة فقال: {فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} مع العلم أنه قد يحتاج إلى أشهر أو إلى سنوات حتى ييبس الزرع.

قال بعض المفسرين في تفسير كلمة {مُقْتَدِرًا}: أي ذو قدرة واسعة، يخلق الله تعالى الموت من وسط الحياة، ويخلق الحياة من وسط الموت.

{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا}؛ لأنه يخلق الأضداد من بعضها، فيخلق الفجر من حلكة الظلام، -فأشد ساعة يشتد فيها الظلام هي اللحظات التي تسبق الفجر الصادق-، وكذلك يخلق الله الليل من وسط النهار، ويخلق الفرج من وسط الشدة...

في كل أحوالنا وأضدادنا على هذه الأرض يطلب منا أن نمتثل أمر الله تعالى.

يطلب الله منا في هذه الأزمة أن نقدم ونساعد ونأتمر بأمره، فهذه الأزمة قرَّبت أناساً من الله درجات عالية.

أحد الإخوة حفظ في هذه الأزمة القرآن كاملاً؛ لأن هذه الأزمة أوقفت عمله، فهذا الرجل سيحمد الله تعالى على هذه الأزمة، وفي المقابل بعض الناس نزلوا إلى دركات عميقات.

فعليَّ أن أكون في كل حالاتي منضبطاً بأوامر الله تعالى، مساعداً للخير وأهله، وأحسن علاقتي مع الله وأتوب إذا أخطأت.

كتب المحامي العام الأول البارحة يقول: مدينة دمشق تشهد كل يوم مئة حالة طلاق!! فمن العجيب أن ترى حالات الطلاق.

وقد ترى شخصاً وهو في هذه الأزمة لم يتقيد لا بحدود ولا بضوابط، تراه أصبح في حالة دون الصفر ومع هذا الوضع تراه يسيء لإحدى الفتيات!!. هذا الذي قال الله تعالى فيه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] هناك غشاء من شمع على القلب يجعله لا يستفيد من أي حكمة أو موعظة..

{ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ» [أحمد والطبراني].

قال القرطبي: قوله تعالى {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} من الإنشاء والإفناء والأحياء، سبحانه [تفسير القرطبي].

الإنشاء: يمكن أن يحيي الله تعالى قلبك وينشئك، لكن عليك أن تتوجه إلى الله تعالى باتباع أوامره، وترك مناهيه، وبالذكر.. فإن الله يخرج الحياة من الموت، قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الحديد: 17].

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين.