الاثنين 08 آذار 2021


تفسير الكهف 16

الاثنين 24/08/1434هـ 01/07/2013م - 1252 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 3.72 MB 32:27 mp3 mp3
فيديو جيدة wmv 62.95 MB - wmv wmv
مستند عالية docx 38.59 KB - docx

سورة الكهف (16)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا أكرم الأكرمين. أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه. نسألك علم الخائفين منك، وخوف العالمين بك.. وبعد:

فنحن في تفسير بعض آيات من سورة الكهف.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 47 - 49].

هذا تذكير في سورة الكهف بيوم القيامة وبالوقوف بين يدي الله تعالى، والقرآن الكريم يكاد أن يكون ربعه حديثاً عن يوم القيامة وما بعد يوم القيامة.

أتى كلام الله تعالى لأجل أن يهدي المؤمن إلى الصراط المستقيم {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] يطلب القرآن الكريم من كل إنسان مؤمن أن يضع يوم القيامة نصب عينيه في بيعه، وشرابه، وذهابه، وغيابه، وزواجه، وطلاقه، وأخذه، وعطائه، وصلاته، وصومه...

الإنسان المؤمن كسائر الناس يصاب بالنسيان، فترى إيمانه قوياً في المسجد لكن إذا خالط الأهل والولد نسي بعض ما سمع وربما ذهب باتجاه خطأ، أما إن كان لديه مذكِّر في كل حين فسيعيده إلى الصواب.

لا تستقيم أحوالنا حتى نضع (يوم نُسيِّر الجبال) نصب أعيننا ذلك لأن هذه النفس حرون، ولا بد أن تحملها حملاً على الصراط المستقيم، وهذا الحمل بأحد جناحين إما تخويف وإما تحبيب.

قال أهل التربية الروحية: إن المريد لا يطير إلى الله تعالى إلا بجناحين جناح الخوف وجناح الرجاء والحب.

ما دام أحدنا حياً فليرجح جناح الخوف على جناح الرجاء، فإذا اقترب أجله وجاءت ساعته فليرجح جانب الرجاء وجانب الحب لله عز وجل.

كان نقش خاتم عمر رضي الله عنه (كفى بالموت واعظاً يا عمر).

[تاريخ الخلفاء للسيوطي].

رُوي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه فقال لي: (ضع رأسي على الأرض) قال: فقلت: وما عليك كان على فخذي أم على الأرض؟ قال: (ضعه على الأرض) قال: فوضعته على الأرض، فقال: (ويلي وويل أمي إن لم يرضني ربي) [أبو نعيم في الحلية، وابن عساكر في تاريخه].

أما إذا لم يكن هناك خوف فهذه النفس حرون، تذهب باتجاه المحرمات وتنهج في المعاصي والكبائر والصغائر، ثم يقول لك إن الله غفور رحيم، تراه يعتدي على أموال وأعراض الناس ثم يقول أنا ضامن للجنة.

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ المُوبِقَاتِ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «يَعْنِي بِذَلِكَ المُهْلِكَاتِ» [صحيح البخاري].

لا ترضوا لأنفسكم أن تأمنوا عذاب الله عز وجل أو أن تكونوا آمنين من عذاب الله عز وجل ما دمتم في هذه الدنيا.

عن عدي بن أرطأة قال: كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا زكي قال: (اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون) [البخاري في الأدب وهو صحيح].

فلا بد أن يقودك خوفك من يوم القيامة إلى أن تمشي على الصراط المستقيم.

لا ترضوا أن تملؤوا حياتكم ضحكاً ولعباً ولغواً؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ» [الترمذي والإمام أحمد].

لا تجعل قلبك كله استئناساً بالناس فمن علامة الإفلاس الاستئناس بالناس.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَالِسٌ وَحْدَهُ ... قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؟ قَالَ: «كَانَتْ أَمْثَالاً كُلُّهَا ...وَكَانَ فِيهَا أَمْثَالٌ: وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعُ سَاعَاتٍ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَسَاعَةٌ يُحَاسَبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ فِي صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ» [ابن حبان].

{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ}.

الجبال الراسيات هي التي تثبت القشرة الأرضية وهي نفسها التي ستسير يوم القيامة مع العلم أنها أثبت ما نشاهده من الجمادات.

{وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً}.

ما من شيء مرتفع على هذه الأرض من شجر وحجر وبناء... بل هي أرض ممتدة واضحة مبسوطة.

{وَحَشَرْنَاهُمْ}.

سيجمع كل الخلق مع بعضهم.

من السهل في الدنيا أن يكون لديك أسلوب لتخدع كل الناس ولكن يوم نسير الجبال فستذهب العقول، وسينجلي كل منا على حقيقته.

{فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا}.

أحياناً إذا كنت على نقطة تفتيش معينة ربما يستطيع الإنسان أن يفلت من شدة الازدحام، لكن يوم القيامة لن يفلت أحد {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24].

{وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا}.

لو أن إنساناً فينا تصور هذا الموقف وأنه سيعرض على الله عز وجل، وسترى جميع أعماله.

العرض على الله يدلنا أن هناك سؤال وجواب فمن الآن على كل منا أن يقرر كيف سيكون عرضه على الله عز وجل.

بالشركات الحديثة كل عامل له راتب والرواتب عبارة عن شرائح وفق الشهادة العلمية والخبرة والإنتاجية، وفي الوقت الحاضر صار هناك أنظمة حديثة إدارية عالية لوضع الرواتب، هذا النظام يعرض على العمال بحيث العامل هو الذي يقرر المعاش الذي يأخذه، لكن تقرير الراتب لا يكون بالكلام بل يُطلب منك في المقابل مؤهلاتٌ وعملٌ يوازي ما تأخذ من مال، ويوم القيامة ولله المثل الأعلى قرارك بيدك.

تخيلوا عاملاً يحمل شهادة ضعيفة جداً، وتقارير الإنتاجية سيئة جداً، وانضباطه بالدوام سيئ، وتطوير مهاراته سيئة جداً، فمن نفسه لن يرضى أن يقول أعطوني المبلغ العالي، وهكذا يوم القيامة.

فليكتب أحدنا من الآن ما يحب أن يعرض على حضرة الله جل وعلا.

{لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.

قال المفسرون: أي فرادى {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام: 94].

شهاداتك العلمية تركتها وراء ظهرك، وستأتي إلى الله وحدك، إلا إن كان عملك أو شهاداتك أو أموالك أو أولادك قد عملت فيهم كما يريد الله عز وجل فستحملهم معك.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاَثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ»

[البخاري ومسلم]

وقيل: جئتمونا فقراء.

وقيل: جئتمونا حفاة عراة.

{بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا}.

هذا شأن الكافرين الذين يُكذِّبون بيوم القيامة.

{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ}.

ترى الذين انبعثوا في المعاصي مشفقين مما فيه.

{وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}.

قال الله تعالى: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49].

قال قتادة: اشتكى القوم الإحصاء وما اشتكى أحد ظلماً.

قال أهل العلم: {حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} لا ينقص طائعاً من ثوابه ولا يزيد عاصياً في عقابه.

هناك طريقة لإزالة المعاصي وهي: أن يبدل الله الحسنات السيئات {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39].

عليك أن تحرص أن لا يكتب في كتابك حرام والمحرمات معدودة من المال الحرام، والعلاقة بالنساء المحرمة، وبعض الطعام والشراب الحرام، وأن تعتدي بلسانك على الناس، وأن تعتدي عليهم بالدماء بالحرام.

يطلب أن يكتب في كتابك إتقان الفرائض وأداء ما تستطيعه من النوافل.

ومما يذكرك بالمأمورات والمنهيات الثلاثة: مجالس العلم، والإكثار من ذكر الله تعالى؛ لأن الذكر يبقي قلبك رقيقاً بحيث إذا جاءتك الموعظة وجدت أرضاً خصبة فنزلت لتُنبت نوراً وإيماناً، لكن إذا خلا القلب من الذكر فهو في قسوة.

الذكر والعلم إذا اجتمعا في قلبك فسيسقيان بذرة الإيمان وينبتان الأعمال الصالحة.

{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} [الرحمن: 41] وهذا في الدنيا والآخرة.

{سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام: 124].

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ» [الإمام أحمد].

قد يأتي الشيطان من هذا الباب فترى العبد يذنب ذنباً صغيراً بين الحين والآخر ولا يقيم له بالاً.

حبال السفن تصنع من حبال صغيرة تجمع وتُشدُّ حتى يتمكنوا بها من شد سفينة كاملة.

 

وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

والحمد لله رب العالمين.