الخميس 04 آذار 2021


سورة الحشر 2

الاثنين 03/05/1435هـ 03/03/2014م - 1414 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 4.37 MB 38:07 mp3 mp3
فيديو جيدة wmv 31.81 MB - wmv wmv
مستند عالية docx 68.45 KB - docx

سلسلة تفسير جزء قد سمع 

سورة الحشر (2)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا أكرم الأكرمين. أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه. نسألك علم الخائفين منك، وخوف العالمين بك.. وبعد:

فنحن في تفسير بعض آيات من سورة الحشر.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 6 - 10]

{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ}.

سبق معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى المدينة كان فيها يهود ومشركون فأسلم المشركون وبقي أكثر اليهود على دينهم بقبائلهم الثلاث (بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير) فعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفاقية معهم على النصرة، وعدم اعتداء أحد من الطرفين على الآخر.

فكان أول من غدر بالنبي صلى الله عليه وسلم بنو قينقاع ثم بنو النضير ثم بنو قريظة فنزلت الآيات التي بين أيدينا تتحدث عن بني النضير وحصار النبي صلى الله عليه وسلم لهم وكيف نزلوا على حكمه من غير قتال.

أَفَاءَ: الفيء: هو ما يحصله المسلمون من عدوهم من غير قتال.

الغنيمة: هو ما يحصله المسلمون من عدوهم بقتال.

 

{فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

بما أن المسلمين لم يقوموا بالمقاتلة بسيوفهم أو ركوب رحالهم بل ألقى الله في قلوب أعدائهم الرعب فنزلوا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم فكان ما حصلوه فيئاً لا غنيمة.

 

{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}

حكم الفيء: أن يكون لله وللرسول يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوزعها حيث شاء ويبدأ بالفقراء من ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.

ومن بعد زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المال إلى بيت مال المسلمين ليوزعه السلطان بما يراه مناسباً على فقراء المسلمين ومحتاجهم.

أما الغنائم: فإنها تُخَمَّسُ، خمس لله وللرسول، وخمس للمقاتل الراجل وثلاثة أخماس للمقاتل الفارس.

{كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}.

حتى لا يبقى المال يتداول بين الطبقة الغنية وحدها.

للإسلام نظام مالي يدعمه فكما ترى أن جزءاً من التخطيط الإداري لأي مشروع يكون بإعداد موازنة له فكذلك للإسلام نظام مالي موازن يحمله ومن تلك الواردات: الزكاة، والوقف، وما يأتي من الفيء والغنائم.

للإسلام طريقة في التعامل مع المال فكثيراً ما تجد الإسلام يعيد توزيع الثروة بين أفراد المجتمع، فإن مات رجل وترك مليون ليرة مثلاً يأتي الإسلام ليبدد هذا المال موزعاً إياه لعدة أشخاص كُلٌّ على حسب حصته المقدرة.

وقد وضع نظاماً للكفارات ترى كثيراً منها مرتبط بالمال ككفارة اليمين أو القتل الخطأ أو الأضحية أو صدقة الفطر.

فمن منع الإرث عن مستحقيه كان بذلك مخالفاً رب العالمين مسيئاً لكل الإسلام؛ لأن من أخطر قضايا المال أن يبقى حِكراً بأيدي أشخاص أو جماعات أو هيئات أو دول معينة.

نسمع عن دول من العالم المتقدم تتبرع لدول من العالم النامي وليس ذلك لأجل الإنسانية وحقوق الإنسان بل لأجل أن تزيد ثروتهم ومثال ذلك:

لو أن سكان الكرة الأرضية كلهم فقراء غير أن أحدهم لديه كل المال فهذا الإنسان إذا أنتج بمعامله شيئاً فلن يباع؛ لعدم ملك الناس للمال والطريقة الوحيدة لبيع منتجات هذا المعمل هو وضع المال بين أيدي الناس لتدور الدورة الاقتصادية فينوبه من المال الشيء الكثير.

أصدرت مجلة ((Newsweek نيوز ويك: الأمريكية عدداً تحدثت فيه عن أكثر ست شخصيات تبرعوا فكان (بيل غيتس) هو الأول بتبرعه بمبلغ مليار دولار.

وما كان هذا التبرع برأي الخبراء الاقتصاديين لديه إلا من منطق أن اجتماع الثروة الكبيرة بين يديه يشكل ركودة اقتصادية وأفضل طريقة لتحريك الأسواق لزيادة الأرباح هو وضع المال في السوق.

لما تبرع (غيتس) بذلك المبلغ كانت ميزانيته تساوي ستين مليار دولار، وبعد سنتين أصبحت ميزانيته مائتين مليار دولار.

المال في الاقتصاد وفي الإسلام ليس غاية بل هو وسيلة لأجل أن تتحرك الأسواق الاقتصادية.

حرم الإسلام استعمال أواني الذهب والفضة؛ لأن هذه الأواني أموال تُثمَّن بها البضائع فإذا أخرجتها من السوق تكون مؤذياً لجميع المجتمع.

العالم الغربي فكر بشكل صحيح بشأن ما جرى به من أزمة اقتصادية فصار ينظر في الخبرات الاقتصادية المنتشرة ومن جملة دراسته كانت النظام الاقتصادي الإسلامي فاستُدعي الاقتصاديون الإسلاميون؛ ليطرحوا الحلول المناسبة فخرجوا أخيراً بأن حل الخلاص من وطأة الأزمة الاقتصادية هو تخفيف سعر الفوائد المصرفية إلى الصفر.

في اليابان هناك بعض المصارف الاقتصادية غير الإسلامية خفضت فيها سعر الفائدة إلى الصفر.

لو بقي المسلم ساجداً لله تعالى إلى يوم القيامة أن جعله مسلماً لما أدى حق الله عليه، لكن العجب من المسلم أنه لضعف إيمانه بربه ومعرفته به ترك كلام الله واتبع كلام البشر {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61] فصار يتبع اقتصاد غير المسلمين ويربي أولاده تربية غير دينية!!

 

{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.

آتَاكُمُ: سواء الإيتاء المادي أو المعنوي.

الإيتاء المادي: كان بسبب اعتذار وتعفف بعض المسلمين من أخذ الفيء.

وبالمقابل إذا امتدت يد أحد إلى مال غيره نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فعلهم.

الإيتاء المعنوي: باتباع أوامره واجتناب نواهيه.

بعض الفئات أشاعت فكرة عدم حاجتنا للسنة بوجود القرآن وذلك لأن الله يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] ثم يسمون أنفسهم بالقرآنيين زوراً وبهتاناً.

وقد أجمع العلماء أن من أبى الأخذ بالسنة والاعتراف بها فهو كافر؛ لأن القرآن لم يذكر تفاصيل الدِّين كعدد صلاة الظهر أو كيفية الحج... وما بَيَّنَ ذلك إلا السنة الشريفة.

عداك أن في القرآن الكريم أربعون آية تأمرنا بالأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها هذه الآية فمن لا يريد الأخذ بالسنة فقد كفر بأربعين آية من القرآن الكريم.

عَنْ أَبِيْ رَافِعٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» [الإمام أحمد وأبو داود].

عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ» [البخاري ومسلم].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» [البخاري ومسلم].

 

{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}.

يوزع رسول الله صلى الله عليه وسلم مال الفيء على الفقراء المهاجرين الذين تركوا لأجل هجرتهم أموالهم وكل ما ملكوه.

 

{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.

أثنى الله على الأنصار بأخلاقهم حيث أن المهاجرين بعد أن خرجوا تاركين ديارهم وأموالهم ليس معهم شيء ما كان من الأنصار إلا أن استقبلوهم وشاطروهم أموالهم.

نحن بحاجة إلى البذل لمساعدة بعضنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً دون انتظار شكر أو حمد فما فعلنا إلا لوجه الله تعالى.

خَصَاصَةٌ: حاجة.

{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

من أكرمه الله بإخراج الشح من قلبه فهو المفلح.

 

{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.

قال ابن أبي ليلى: (الناس ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوؤوا الدار والإيمان، والذين جاؤوا من بعدهم. فاجهد ألا تخرج من هذه المنازل) [تفسير القرطبي].

فإما أن تكون مهاجراً تترك كل شيء لأجل دينك، أو تكون أنصارياً تساعد من تضرر أو أسيء إليه، أو تكون من الذين يأتون من بعدهم فيدعون لإخوانهم.

(وقالوا: ومعنى هذا: كن مهاجرياً، فإن قلت: لا أجد، فكن أنصارياً، فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله.

وروى مصعب بن سعد قال: الناس على ثلاثة منازل: فمضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسَنُ ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت) [تفسير القرطبي].

 

وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

والحمد لله رب العالمين.