الخميس 04 آذار 2021


سورة الحشر 4

الاثنين 17/05/1435هـ 17/03/2014م - 1239 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 4.62 MB 40:20 mp3 mp3
فيديو جيدة wmv 78.45 MB - wmv wmv
مستند عالية docx 72.84 KB - docx

 

الاثنين 17/3/2014                                          الشيخ الطبيب محمد خير الشعَّال 

سلسلة تفسير جزء قد سمع 

سورة الحشر (4)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا أكرم الأكرمين. أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه. نسألك علم الخائفين منك، وخوف العالمين بك.. وبعد:

فنحن في تفسير أواخر سورة الحشر.

أعوذ بالله من الشيطان من الرجيم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 18 - 24].

{اتَّقُوا اللَّهَ}.

لا تصح خطبة الجمعة عند الشافعي حتى يوصي الخطيب المصلين بتقوى الله تعالى، والسؤال الوحيد الذي سيسألك الله عنه بين يديه يوم القيامة هو السؤال عن تقوى الله تعالى.

والتقوى بأقصر تعريف لها هي: علم وعمل.

أي العمل بأوامر الله والانتهاء عن نواهيه.

ترى طالباً يتباهى بأستاذه الحائز على جائزة نوبل، وفي كل مجلس يستطيع الإعلام أنه ينتمي إليه سيعلن ذلك، بل تراه يرى أن رفعة قيمته وقدره تكون باتباع أوامره -ضمن اختصاصه- والانتهاء عند نهيه.

فهذا حال من كان معلمه وموجهه إنسان يقضي له سعادة في اختصاصه الدنيوي فكيف بمن كان معلمه وآمره وناهيه والسالك به سبيل الفائزين هو رب العالمين؟! لذلك تجدون في القرآن الكريم مراراً ما يوصي الله تعالى عباده بتقوى الله.

عند المسلمين مشكلة عدم علمهم بأمر الله ونهيه، وبعضهم يعلم ولا يعمل إما بسبب هوى غلبه أو شك طرأ عليه كأن ينكر التفريق بين الرجال والنساء في المجالس، أو حكم من أخذ الربا، أو التقسيم في الميراث... فبسبب بعدهم عن العلم والإيمان صار الشك والريبة يدخلان إلى عقولهم وأفكارهم حتى صار يشك بأوامر الله هل هي لوقتنا أو لمئات سنين مضت؟!

معنى العلم المأخوذ من كلمة التقوى أي يجب على الرجل والمرأة الالتحاق بمجالس العلم  والثبات عليه وهذا الأمر ليس على سبيل التفكه أو الفراغ أو الراحة بل هو علم عليك أن تتعلمه.

العلم إن لم تعطه كلك لم يعطك جزأه، وما صار العلماء على ما هم عليه إلا بعد أن بذلوا الغالي والرخيص لأجل ما يحصلون.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: (لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ،  فَقَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ فِيهِمْ؟!

قَالَ: فَتَرَكْتُ ذَاكَ وَأَقْبَلْتُ أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ يَسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِكَ؟ هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟، فَأَقُولُ: لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ، قَالَ: فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ.

فَعَاشَ هَذَا الرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلِي يَسْأَلُونِي، فَيَقُولُ: هَذَا الْفَتَى كَانَ أَعْقَلَ مِنِّي) [الحاكم والطبراني].

قالوا: العلم لا ينال إلا  بشق الأنفس.

قال الصالحون: ما اتخذ الله ولياً جاهلاً.

-                   امرأة تحب الله ورسوله، وتقرأ القرآن الكريم، وتعمل الأعمال الصالحة حتى إذا مرضت ابنتها أخذت بيدها إلى بعض السحرة ليعطيها علاجاً فيطلب منها فعل الموبقات فتفعل!!

-                   يقول أنه مسلم ثم تجده مُعْتَدٍ على حق شريكه في المال!!

مفتاح تقوى الله هو العلم ولا يكون العلم إلا بحضور مجلس العلم؛ لذلك كان مجلس العلم جزء من انتمائك لهذا الدين،

أرجع ابن قيم الجوزية الذنوب كلها إلا أمرين: إما ظلم وإما جهل.

كلنا نرى من أنفسنا إقبالاً على الله عجيباً وأحياناً تفتر هذه الهمة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ» [الترمذي].

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِهَذَا الدِّينِ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا...» [الطبراني].

لكن يطلب منا جميعاً مهما نزلنا أن لا نتجاوز الخط الأحمر وهو أربعة أشياء:

1-             ترك الحرام (أما الحرام فالممات دونه).

2-             وإتقان الفرائض.

3-             وأداء ما استطعت من النوافل.

4-             ومجلس العلم.

فيجب أن تبقى موجوداً في مجالس العلم فمجالس العلم تزيد على البركة والمادة  العلمية أنها مائدة الله علمها من علمها وجهلها من جهلها.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «...وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» [مسلم].


 

{وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}.

وَلْتَنْظُرْ: اللام: لام الأمر، والآمر هنا هو رب العالمين.

لِغَدٍ: أي يوم القيامة، والتنوين هنا يسمى تنوين عوض أي عوض عن يوم القيامة.

قال الحسن وقتادة: (قَرَّبَ الساعة حتى جعلها كَغَذٍ).

كل منا وقع في خاطره عند سماعه أو قراءته للآية أن المراد من كلمة (الغد) هو يوم القيامة وليس غير معنى فما هو سبب ذلك؟!

في الإعلام شيء يسمى إبرة تحت الجلد، ومبدؤه أنك إذا أردت أن ترسخ موضوعاً فما عليك إلا أن تكرره بشكل متواتر لعدد من المرات خلال فترات من الأسابيع أو الأشهر وبعد حين سيكون مُسَلَّماً عند الناس.

فالقرآن الكريم لما أكثر الحديث عن يوم القيامة، وجعل الإيمان في يوم القيامة ركناً من أركان الإسلام صار يوم القيامة حاضراً في اللاوعي عند الإنسان المؤمن بحيث أن أي إشارة تأتيه في نص شرعي أو أمر حياتي يتذكر فيها يوم القيامة، فتراه يضع ضمن كل حساباته ومشاريعه حساب يوم غد، أما الإنسان الغير ديني يقول: اليوم أعطني وغداً نتناقش منكراً ذلك اليوم.

السفهاء هم الذين لا يفكرون إلا في وقتهم، فكلما كنت ذكياً أكثر كلما خططت للأمام أكثر؛ لذلك ترى لدى الدول موازنات وخطط خمسية، والدول المتقدمة أكثر ترى لديها خططاً عَشرية أو عشرينية أو خمسينية... ولعلكم اطلعتم إلى بعض التقاويم تمتد إلى ألف سنة إلى الأمام.

أراد الإسلام من المسلمين أن يكونوا أذكى خلق على الإطلاق فيخططوا ليوم القيامة، لذلك ترى المؤمن ذكياً مقسماً ماله بين ما ينفقه اليوم، وفي نهاية الشهر، وما يكون لآخر عمره وما الذي سيرسله إلى يوم غد.

كان بعض الشيوخ يقول لتلامذته: يا بني حَوِّلوا أموالكم لعملة تصرف في الآخرة.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَقِيَ مِنْهَا»؟ قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا قَالَ: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا» [الترمذي].

{إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

هذا الاسم يطمئن المؤمن؛ فقد يعمل إنساناً عملاً مخلصاً فيه لله فما تكون ردة فعل الناس إلا الإساءة والسوء فلا يحزن؛ لأن الله يعلم ما تفعل.

قال لي أحد التجار: كنا في مجلس اجتماع بين التجار فأخذوا يتكلمون مع واحد منهم كلاماً شديداً؛ لأنه لا يقوم بالخير ولا يبذل المال لمساعدة الناس وهو صامت لا يتكلم، وأنا على علم أنه يبذل أكثر من كل الحاضرين.

ابن يبر أمه ووالده إلى أبعد الحدود لكن بسبب كبر سن الأب فإن أي الكلمة تؤثر فيه فيغضب ويثور وينزعج وقد يؤذي من حوله بلسانه وكلامه، وما يفتأ الابن من طلب الرضا من والده حتى تراه يبكي لأنه لا يحصل الرضى الذي يطلبه، فلا يحزن لأن الله يعلم ما تصنع.

والدةُ أَحَدِ الإخوة مريضة ومن الواجب عليها أخذ الدواء وتحرك جسمها باستمرار وهي تتأفأف من ذلك وتنزعج.

فهذه الآية تطيب خاطر كل إنسان يتقي الله عز وجل، ثم لا يعلم من حوله أنه من أهل التقوى، فالله خبير بعلم أدق ما تقوم به.

 

{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ}.

في سورة التوبة يقول تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}.

نَسُوا اللَّهَ: أي تركوا أمره فلا تكونوا من الذين يتركون أوامر الله وينسونه.

محاميةٌ مات والدها فأوكلها إخوتها بتسيير معاملة الإرث فأخرجت من المسألة الإرثية أرضاً ثم قسمت الممتلكات من دونها فهذه المرأة قامت بكل الحسابات لكن نسيت أن تحسب حساب الله.

إن لله تدابير يملكك بها بك قد لا تخطر على الحسبان فقد سجن الله سيدنا يونس في مكان لا يمكن أن يخطر على بال أحد وهو في بطن الحوت.

كن مع الله والله يكون معك.

 

{فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ}.

أي أنساهم أن يعملوا لها خيراً.

الناسي في اللغة: هو من ترك الأمر جاهلاً أو عامداً.

العقوبة تأتي من جنس العمل فمن نسي الله أنساه نفسه، ومن عذب الناس عذبه الله.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ...» [مسلم].

 

{أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

يقال: فسق القطار عن سكته إذا خرج عنها، والفاسقون: هم الخارجون عن الصراط المستقيم.

من خرج عن الصراط المستقيم فهم الذاهبون نحو الصراط غير المستقيم والنتيجة: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}

نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة.

 

وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

والحمد لله رب العالمين.