مناجاة لبيت الله الحرام - الشيخ الطبيب محمد خير الشعال
الاثنين 20 آب 2018


مناجاة لبيت الله الحرام

السبت 03/12/1435هـ 27/09/2014م - 1097 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 2.79 MB 24:23 mp3 mp3
صوت عالية mp3 22.3 MB 24:21 mp3 mp3
مستند عالية doc 75 KB - doc
فيديو عالية wmv 58.57 MB - wmv wmv

مناجاةٌ لبيتِ اللهِ الحرام

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ...} [إبراهيم: 36] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ» [النسائي وابن ماجه].

نحن في الخُطبة السابعة والعشرين من سلسلة (أخطاء شائعة) لكني بمناسبة دخول أيام المشاعر، وشوقاً إلى البيتِ العتيق، وتحناناً إلى رؤيةِ الكعبة المشرفة والطوافِ حولها؛ سأجعلُ عنوانَ خطبةِ اليوم: (مناجاةٌ لبيتِ اللهِ الحرام). فأقول:

حَنانَيكَ يا بيتَ الله الحرام، فإنَّ كلَّ قلبٍ من قلوبنا بكَ مستهام. حنانَيكَ والمرءُ فينا في كل صلاةٍ يتراءى الكعبةَ بينَ عينيه، يستقبلُها بوجههِ وصدره، وتتوجَّهُ ذاتُه وحياتُه ومماته للذي فطر السموات والأرض.

حنانَيكَ قد أضنانا البعادُ، وزاد من آلامنا ما حلَّ بالبلاد، نهفو إليك لِنلبِّي مع الملبِّين لبيك اللهم لبيك.

حنانَيكَ ندخلُك لنجعلَ تحيَّتَكَ طوافاً، وكلُّ مسجدٍ في الأرض تحيَّتُه ركعتان إلا المسجدَ الحرام، فكأنهما درسان؛ مساجدُ الدنيا تعطينا واحداً، والمسجدُ الحرام وحدَه يعطينا الآخر، فركعتا تحيةِ المسجد فيهما سكونٌ وتوجهٌ بالقلب إلى الله، والطواف حول الكعبة فيه حركةٌ وتوجهٌ بالقلب إلى الله، فهما درسان في الحركة والسكون: أنْ يا عبادَ اللهِ اجعلوا قلوبَكم متوجهةً إلى الله تعالى؛ سواءً كنتُم في سكونٍ أو كنتم في حركة.

حَنانَيكَ والداخلُ إليكَ مُطرِقُ الرأس دامعُ العين راجفُ القلب؛ لأنَّه الآنَ سيرى الكعبةَ التي تخيَّلَها طيلةَ حياتِه في صلاته.

حتى إذا صارَ قبالتَها، ورفع إليها رأسَه أخذَه جلالٌ لم يعهدْهُ من قبلُ، وتملَّكَته مهابةٌ لم تنزل به قبل الآن، وغاب عن كلِّ ما حولَه، وطارتْ روحُه لتناجيَ ربَّه. اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام.

اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلِّم، اللهم إني عبدُك وزائرك، وعلى كلِّ مزورٍ حقٌّ، وأنت خيرُ مزورٍ، فأسألك أن تغفرَ لنا وترحمنا وتفكَّ رقابنا من النار، وأن تعجِّلَ لنا بالفرج محفوفاً بلطفك.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمرو رَضِيَ الله عَنْهما، عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ كَفَكِّ رَقَبَةٍ» [المطالب العالية]

إنك عندما تطوفُ حول الكعبة تذكرُ أنك في موكبٍ سار فيه قبلَك إبراهيمُ وإسماعيل ومحمد صلواتُ ربي وسلامه عليهم أجمعين، ثم سارَ فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي... وأنت تمشي وراء آبائك في طلبِ رضا مولاك ونشرِ النور في الأرض.

ولعلَّك تعجبُ من الكعبة، تحنُّ إليها الأرواحُ، وتطيرُ نحوَها القلوب، فتتذكر أنَّ اللهَ تعالى تجلى عليها فجعلها مأوى قلوبِ الصالحين ومهوى أفئدتهم. وهنا يذكرُ المرءُ أنه مهما كان مقصِّرًا وبعيداً، فلْيسألِ اللهَ تعالى أن يتوجَّهَ إليه برحمتِه؛ ليصيرَ علَماً بعد نكرةٍ، وحياةً بعد موتٍ، وإقبالاً على العمل الصالح بعد كسلٍ واتباعِ شهوات.

يا مَن حنَّتْ أرواحُكم إلى بيت الله الحرام، واشتاقَتْ عيونُكم لرؤية مسجدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، تعالوا نجِدَّ السيرَ في هذه الأيام المباركاتِ صياماً وصدقاتٍ وبرَّاً وصلاة ودعاء ومناجاة، نترك معاصينا ونعتني بفرائضنا، ونؤدِّي من النوافل جهدَنا، لعل الله تعالى يعطينا ما يعطي حُجَّاج بيتِه من الفضل والكرم والإنعام.

والحمد لله رب العالمين