لصاحب الحق مقال - الشيخ الطبيب محمد خير الشعال
السبت 18 آب 2018


لصاحب الحق مقال

السبت 24/01/1436هـ 15/11/2014م - 2351 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 23.56 MB 25:44 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 2.94 MB 25:43 mp3 mp3
مستند عالية doc 42.02 KB - doc
فيديو عالية wmv 61.94 MB - wmv wmv

لصاحبِ الحقِّ مقال

الأصلُ أنّ الناس بفطرتهم يحبون الحقَّ ويسعون له، ولكنَّ الأهواء والشياطين تأخذهم من طريق الحق لترديهم في أودية الباطل، فيأتي دعاةُ الخير لينتشلوهم، ويستمر صراعُ الخير والشر، والحق والباطل إلى أن يرثَ اللهُ الأرضَ ومَن عليها.

وحتى يبقى الحقُّ موجوداً في الأرض معمولاً به، وحتى لا يعيثَ الفسادُ وتنتشر الفوضى؛ دعا العقلاءُ والفقهاءُ وشرائعُ الأرض ودينُ السماء الناسَ إلى العمل بالحق، والسعي للحق، وعدم السكوت عن الحق، والنطق بالحق، والاستماع لصاحب الحق.

ومن أجل هذا نزلتِ الشرائعُ، وأقيمتِ القوانين، وشُيِّدَتِ المحاكمُ، ونُصبَت القُضاة.

ومن أبواب فشوِّ الحق بابٌ اسمُه: (طلبُ الحق) فكلُّ صاحب حقٍّ مطلوبٌ إليه أن يطلبَ حقَّه، وأن يبحثَ عنه ويدافع، وإلَّا فإنه يُعتبرُ مقصراً مهمِلاً لحقه.. ومن هنا جاءتِ الخطبة: (لصاحب الحق مقال).

وعنوان الخطبة مأخوذٌ من حديثٍ للنبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري في صحيحه قال:

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: «دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا».

الحقُّ في الشريعة -كما يقول الفقهاء- يستلزم واجبين: واجباً عاماً على الناس باحترام حق الشخص وعدم التعرض له.

وواجباً خاصاً على صاحب الحق بأن يستعمل حقَّه بحيث لا يضر بالآخرين.

ومن هنا، مطلوبٌ من صاحب الحق أن يطالب بحقه، على أن تكون المطالبةُ مراعيةً خمسةَ ضوابط:

أولها- أن يكونَ ما تطالبُ به حقَّاً. ثانيها- أن تُبيِّن الحق، فلا تقصِّر عنه ولا تتجاوز فيه. ثالثها- أن تحمِلَ الدليل. رابعها- أن تُطالبَ به بحكمة. خامسها- أن لا تمل من تكرار المطالبة.

ومن خير الأمثلة على المطالبة بالحق حديث سيدنا جعفر مع النجاشي ملك الحبشة، عندما هاجر إليها المسلمون وأرادت قريش منه أن يردهم إلى ديارهم لتعذبهم كيف شاءت... إنه نموذج مثالي للمطالبة بالحق تتحقق فيه ضوابطه الخمسة.

ومثال آخر في حديث خولة عندما ظاهر زوجها منها، تطالب بحقها فيسمع الله لها:

قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إِنِّي لَأَسْمَعَ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَكَلَ شَبَابِي وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتَّى إِذَا كَبِرَ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ! فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1].

أن نتربى ونربي أبناءنا على بذل الحق من أنفسنا والمطالبة بحقنا بضوابط المطالبة، خيرٌ من أن نمنع الحق أهله أو نسكتَ عن المطالبة به فيضيع. أوصى الإمام جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ ولده فقَالَ: (يَا بُنَيَّ مَنْ قَنعَ بِمَا قُسِمَ لَهُ اسْتَغْنَى، وَمَنْ مَدَّ عَيْنَيْهِ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِه مَاتَ فَقِيْراً..., يَا بُنَيَّ قُلِ الحَقَّ لَكَ وَعَلَيْكَ تُسْتَشَارُ مِنْ بَيْنِ أَقْرِبَائِكَ).

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَوْصَانِي حِبي بِخَمْسٍ: أَرْحَمُ المَسَاِكِيْنَ وَأُجَالِسُهُم، وَأَنْظُرُ إِلَى مَنْ هو تَحْتِي، وَلاَ أَنْظُرُ إِلَى مَنْ هو فَوْقِي، وَأَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَنْ أَقُوْلَ الحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرّاً، وَأَنْ أَقُوْلَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلَّا بالله» [الإمام أحمد].

والحمد لله رب العالمين