الخميس 22 شباط 2018


درسٌ من الهجرة

السبت 29/12/1437هـ 01/10/2016م - 568 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 29.89 MB 32:38 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 3.74 MB 32:38 mp3 mp3
مستند عالية doc 64.5 KB - doc
فيديو عالية wmv 77.07 MB - wmv wmv

 درس من الهجرة

- قال الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التَّوبة:40].

 جاء في سيرة ابن هشام: (اجتمع في دار الندوة أشرافُ قريش.. فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ إنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بعدُ قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلِيدًا نَسِيبًا وَسِيطًا فِينَا، ثُمَّ نُعطي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا ثُمَّ يَعْمِدوا إلَيْهِ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتُلُوهُ، فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ.. فَأَتَى جبريلُ عَلَيْهِ السِّلَامُ رسولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فراشِك الَّذِي كنتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ.. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ عَتْمَة مِنْ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ، فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ.. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَكَانَهُمْ، قَالَ لعليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نَمْ عَلَى فِرَاشِي.. وأمره أنْ يتخلفَ بعده بمكة حتى يؤديَ عنه الودائع التي كانت عنده للناس، فقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحدٌ عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم) .

- اللافت أن قريشاً مع عدائها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومع كيدها له ولأصحابه كانتْ تضع أماناتِها عنده؛ لعلمها أنّه الصادقُ الأمينُ، وإنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مع رؤيته لصناديدِ قريش يقفون على بابه يريدون قتَله، لم يرضَ إلا أنْ يتركَ وراءَه منْ يردّ الأمانةَ إلى أصحابها، ويعيد الودائع إلى أهلها...!

- (الإيمان والأمانة والأمن: كلماتٌ ثلاث ترجع في اشتقاقها اللُّغوي إلى أصل واحد، وارتباطها اللُّغوي جَعل بينها ارتباطاً واقعياً في المادة والمعنى)، ومن أبرز علاماتِ المؤمن أنّه يؤدِّي الحقوقَ والأماناتِ إلى أهلها في أزمانها وأماكنها، فيعيش أمْنَاً حقيقياً، أما غيرُ المؤمن أو المؤمنُ الذي يعتدي على الحقوق، ويخون الأماناتِ فإنّه يعيش خوفاً حقيقياً، يخاف وقوعَه بيد العدالة حيناً، ويخاف وقوعَه بيدِ من اعتدى عليهم حيناً آخر، ويخاف وقوعَه بيد الله حيناً ثالثاً.

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النِّساء:58] وَرَدَت كلمةُ {الْأَمَانَاتِ} في الآية بالجمع لتشملَ كلَّ أمانةٍ مادية ومعنوية، فالعارية أمانةٌ، والأسرة أمانةٌ ، والأولاد أمانةٌ، والحواس أمانةٌ، والوظيفة أمانةٌ، والحُكْم أمانةٌ، والقضاء أمانةٌ، والكيل والميزان أمانةٌ، والبيع والشِّراء أمانةٌ.

- أيها الإخوة: الطَّالب أمانةٌ في عنق المعلِّم، وربُّنا سائله: أحَفِظَ الأمانةَ أم ضيَّع؟ والمريض أمانةٌ في عنق الطَّبيب، وربُّنا سائله: أرعاه أم فرَّط؟ والجريح أمانةٌ في عنق الممرض، وربُّنا سائله: أجتَهَدَ أم قصَّر؟ والمنشآت العامَّة أمانةٌ بيد النَّاس، وربُّنا سائلنا: أحافظنا عليها أم أسأنا لها ؟ والمشتري أمانةٌ في عنق البائع، وربُّنا محاسبه: أنصحه أم غشَّه؟

وهكذا تدخل الأمانةُ في العبادات والمعاملات والعلاقات الأسرية وفي القضاء وفي الولايات العامَّة والخاصة، وما مظهرُ الإيمان إلا برعاية الأمانة، أخرج ابن ماجه عن فَضَالَةَ بْن عُبَيْدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ».

والحمد لله رب العالمين