الجمعة 24 تشرين ثاني 2017


مهنة القضاء والمحاماة -فقهها وآدابها-1-

الأحد 10/02/1439هـ 29/10/2017م - 167 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 29.78 MB 32:31 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 3.72 MB 32:31 mp3 mp3
فيديو عالية wmv 49.39 MB - wmv wmv
مستند عالية docx 39.44 KB - docx

(مهنة القضاء والمحاماة)

يسعني في خطبة اليوم أن أجيب عن سؤالين اثنين:

السؤال الأول: ما الحكم في ترافع المحامي عن ظالم؟

المحاماة مفاعلة من الحماية، ومقصودها حماية الحق والخير والعدل ونشرها في المجتمع. فإذا كانت المحاماة لحماية الخير والذود عنه فإنها حماية محمودة مأمور بها في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]. خصوصاً وإن بعض الناس لا يحسنون البيان ولا الإفصاح عن حقائق الأمور فيأتي المحامون ليبينوا عن الحق أمام القضاة ويكشفوا عن ملابسات الأمور.  وأما إن كانت المحاماة لحماية شر ودفاع عنه فلا شك أنها محرمة؛ لأنها تصير وقوعاً فيما نهى الله عنه في قوله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

والمحامي المنضبط بأمر الله ينظر في القضية المعينة قبل أن يدخل فيها، فإن رأى الحق مع طالب الوكالة منه دخل في القضية وانتصر للحق ونصر صاحبه. وإن رأى الحق في غير جانب طالب الوكالة فينظر:

فإن رأى نفسه قادراً على رد الظالم عن ظلمه أو على حمايته من تجاوز الخصم لحقه معه دخل في القضية وقبل الوكالة قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم، فكيف ننصره إذا كان ظالماً؟ قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه». [البخاري].

فينصح المحامي موكله الظالم ويحذره ويخوفه من الدخول في هذه القضية ويبين له وجه بطلان دعواه حتى يدعه مقتنعاً بها، فذلك نصره وعونه.

أما إذا لم ير المحامي نفسه قادراً على منع الظلم فلا يحل له أن يعين الظالم ويترافع عنه ويقبل وكالته؛ قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105]. أخرج أبو داود وابن ماجه في سننهما عن عبد الله بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ولفظ ابن ماجه: «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ، أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ». والله أعلم.

السؤال الثاني: هل يجوز التحاكم إلى القوانين الوضعية؟

الأصل أن يتحاكم الناس إلى شرع الله وقانونه، قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49] ، وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } [المائدة: 48]. وقد كانت بلاد المسلمين تحكم بالشريعة الإسلامية إلى أن نزل المستعمر فيها وأنزل الخراب إليها فرفع قوانين البلاد ووضع قوانينه، ورحل المستعمر ولكنه أبقى ذيوله فعُدِّل مع الأيام بعض هذه القوانين ونسخ بعضها الآخر وزيد عليها وأنقص. على أن فيها ما يوافق الشريعة الإسلامية وفيها ما يخالفها، وترافع المحامي أمام القضاء بقوانين وضعية ليس محرماً إذا كان القصد هو الحصول على الحق ودفع الظلم، فإن المظلوم مضطر إلى التحاكم إلى هذه القوانين لأخذ حقه، ولا يزال الناس محتاجين إلى محامٍ أمين يترافع عنهم، ويرد إليهم حقوقهم وإلا لأكل الناس بعضهم بعضاً، وحصلت الفوضى في المجتمع. لكن إذا حكم له القانون بأكثر من حقه المقرر شرعاً فإنه يحرم عليه أخذه، وإنما يأخذ حقه فقط.

على أن المحامين والقضاة والمشتغلين في التشريع مطالبون على سبيل فرض الكفاية أن يبذلوا وسعهم بالحجة والعلم والإقناع بالاشتغال بالتقنين الموافق لأحكام الشريعة وبرفع كل مادة قانونية فيها مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية؛ لينالوا أجر الصدقة الجارية في تحكيم الشريعة في البلاد والعباد.

قرر المؤتمر الدولي الثاني للقانون المقارن الذي عقد بباريس سنة 1937م "اعتبار الشريعة الإسلامية مصدراً من أهم مصادر التشريع العام" و"اعتبار الشريعة الإسلامية شريعة حيَّة صالحة للتطوّر, واعتبارها قائمة بذاتها وليست مأخوذة من غيرها. فما على المشتغلين بالتشريع من المسلمين إلا أن يظهروا العلم وينشروه وينافحوا عنه. والله أعلم.                       

 

                                                                 والحمد لله رب العالمين