الخميس 15 تشرين ثاني 2018


مُعَلِّمُون مُرَبُّون

السبت 02/07/1439هـ 17/03/2018م - 547 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 23.19 MB 25:18 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 3.07 MB 26:37 mp3 mp3
فيديو عالية mp4 94.02 MB - mp4 mp4
مستند عالية docx 32.65 KB - docx

مختصر خطبة صلاة الجمعة 16/ 3/ 2018 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(معلمون مربون)

أضع بين أيديكم نموذجاً واحداً – يسمح به الوقت- لمعلم مربٍّ أثّر فيمن بعده، لعلنا نعرف قدر المعلم فنكرم شخصه وعمله، ولعل معلم اليوم يعرف قدر نفسه فيضعها حيث ينبغي. إنه الشيخ علي الطنطاوي، أديب الفقهاء وفقيه الأدباء.

فقد عمل في التدريس في كل مراحله، وفي عدد من البلاد العربية؛ يقول في ذكرياته:

(لقد كان الذين كانوا يعملون معي -أو كنت أنا أعلّم معهم في المدارس الابتدائية- هم من جِلّة مشايخنا ومن كبار زملائنا. علماء كبار وأدباء معروفون... ما كنت ولا كان كثير من إخواني نَعُدّ أنفسنا معلّمين فقط، وما كنّا نرانا مسؤولين أمام وزارة المعارف وحدها، نطبّق مناهجها ونطيع أوامرها؛ بل كنّا نُعِدّ الجواب للسؤال يوم العرض على الله: السؤال عن تربية الأولاد على ما يُرضيه، على الشريعة التي بُعث بها خاتم رسله، عن تخريج أمة جديدة تؤمن بالله إيماناً خالياً من الشرك كله، الظاهر منه والخفي. تخاف الله ولا تخاف في الحقّ أحداً إلاّ الله، تستهين بعذاب الدنيا مهما اشتدّ للخلاص من عذاب الله في الآخرة وهو أشدّ. كنّا نلقّنهم العقيدة سالمة من الشوائب، ونعوّدهم العبادات بعيدة عن الرياء، والسلوك الذي يحبّبهم إلى الناس ولا يكرّههم إلى الله. فإن جاء أمرٌ فيه تركُ واجبٍ أو فعلُ حرام فلا مبالاةَ حينئذٍ بحبّ الناس ولا خوفَ من كرههم؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق... كنّا نعيد عليهم كل يوم أن هذه البلاد لنا، وأن الفرنسيين واغلون علينا عادون على حقّنا، ومن يعاونهم منّا أعدى منهم علينا، وإن كان في الظاهر منّا... لا نلقي عليهم في ذلك كله محاضرات فلسفية ولا خُطَباً بليغة أدبية، بل نكلّمهم باللسان الذي يفهمونه. لا نجمعهم لذلك بل نتبع سنّة رسول الله عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله: كلمة هنا وكلمة هناك، وكلّ كلمة في موضعها وكل كلمة عند مناسبتها، يحفظها من يحفظها وينساها من ينساها ولكن لا يضيع أثرها أبداً. من سمعها حملها إلى أهله فبلّغهم وبلّغ أصحابه إياها، ورُبّ مبلَّغ أوعى من سامع، أو يحفظها في ذاكرته حتى يكبر فيدرك معناها، كما تحفظ الصحراء بذور الكلأ حتى يأتي المطر فتخضرّ منه الصحراء... وما خرجوا جميعاً متعبّدين صالحين ولا وطنيين مخلصين، ولا صاروا أئمة في الخير جمعوا أسبابه واستكملوا مزاياه، بل اقتربوا منه وأحبّوه ...لقد عرفتم أني علمت في المدارس الأولية في القرى وفي المتوسطة والثانوية وعلمت في جامعات كثيرة وفي أقسام الدراسات العليا في هذه الجامعات وأشرفت على إعداد رسالات الماجستير والدكتوراه وعلمت بنين وبنات ومشايخ في كليات الشريعة وفي المساجد فهل تريدون أن أخبركم بالذي رجعت به بعد هذه الجولة الواسعة التي شملت الشام والعراق والسعودية ولبنان ومصر، وامتدت خمساً وخمسين سنة؟

أقول لكم الحق: لقد وجدتُ أنه ليس شيء أبرك ولا أنفع للناس ولا أجمع للثواب من تعليم تلاميذ المدارس الابتدائية.

...إن ضعف معلم الابتدائي لا تُصلحه قوة مدرس الثانوي، ولا أستاذ الجامعة) [ذكريات ج 3، ص 320].

- ويقول عندما عين مديرا لمدرسة في سقبا: (بدأت بنظافة المدرسة، وهي من عمل الآذن أو الفرّاش ولكن المدرسة ليس فيها آذن ولا فرّاش، فاقتديت بمَن هو أفضل مني بألف درجة ومن لا أبلغ في العلم ولا في الدين ولا في العبقرية عُشر مِعشار ما عنده منها: عمر بن الخطاب لمّا أراد أن ينظّف بيت المقدس ممّا ألقاه فيه اليهود... فطلبت مكنسة وأخذت أكنس فناء المدرسة، فأسرع التلاميذ يأخذونها من يدي ويقولون: ماذا تفعل يا أستاذ؟ قلت: أفعل ما فعله ثاني رجل في الإسلام، مَن كان يحكم ثلاث عشرة حكومة من حكومات اليوم. أنظّف المدرسة. إن المدرسة دارنا فإن لم يكن عندنا خادم أفنقعد على الأوساخ؟

كنت أخاف إن أمرتهم بذلك أمراً أن يهربوا منه، فلما رغّبتهم فيه ترغيباً وسبقتهم إليه تزاحموا عليه، فقلت: رتّبوا أنتم أمركم وتقاسموا العمل بينكم، حتى تكون مدرستُكم نظيفة مثل دُوركم. ثم عملنا على غرس الأغراس وزرع الأشجار في فناء المدرسة، ولم يحتاجوا إلى مَن يعلمهم فقد كانوا أولاد أبرع الفلاحين، فما مرّ شهر حتى تحوّل الفناء من أرض خراب إلى جُنَينة تُعَدّ تحفة في الجنائن، قام بذلك كله التلاميذ متعاونين).

والحمد لله رب العالمين