الخميس 15 تشرين ثاني 2018


المجتمع المرَبّي

السبت 22/07/1439هـ 07/04/2018م - 404 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 29.83 MB 32:33 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 3.9 MB 33:53 mp3 mp3
فيديو عالية mp4 116.33 MB - mp4 mp4
مستند عالية docx 34.82 KB - docx

مختصر خطبة صلاة الجمعة 6/ 4/ 2018 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(المجتمع المربي)

تخيل الفلاسفة يوماً المدينة الفاضلة مدينة ينعم أهلها بالعلم والأخلاق والحياة المادية المناسبة غير أن فلسفتهم لم تستطع صناعة هذا المدينة، ووحدها شريعة السماء حولت أبناء صحراء الحجاز الأميين إلى خير أمة أخرجت للناس، علماء حكماء فقهاء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، فبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع الفاضل والأمة الفاضلة والعالم الفاضل، مجتمعاً دستوره القرآن وجنسيته العلم والحكمة والأخلاق {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129].

(أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام- وعدد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله). إني لأعجب أيها الإخوة من مجتمع التربية الذي صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يُعلّم العالم فيه الجاهل، ويواسي القوي منهم الضعيف، ويطعم الواجد الفاقد، متآلفون متعاونون متناصحون.

في مذكرات محمد كرد علي وهو أول وزير للمعارف والتربية في سورية ورئيس مجمع اللغة العربية في دمشق منذ تأسيسه وحتى وفاة كرد علي1953: (قال لي أحد أصدقائي وأشار بيده إلى سوق مدحت باشا: قبل خمسين سنة لم يكن في هذا السوق إلا تاجر واحد قليل الأمانة يعرفه التجار ويتحاشون معاملته... الأمانة كانت عامة وكم تاجر أرسل مع عميل له ألوف الليرات الذهبية دون وصل (إيصال) وكان العميل يغيب الأشهر والسنين ويعود بالمال مع الربح أو بالبضائع دون أن يمضي ورقة واحدة... ومن العجائب أن الحكومة أسست محكمة التجارة في دمشق وبقيت ثلاث سنوات مفتحة الأبواب لم يدخلها شاك).

كتب فخري البارودي ابن حي القنوات وصاحب قصيدة بلاد العرب أوطاني وهو من وفيات 1966في مذكراته: (إن أكثرية التجار المطلقة أمينة على ما يستودعها الناس صادقة في معاملاتها والتاجر كان يحافظ على كلمته فمن باع لا يرجع ومن اشترى لا يقلب مهما وقع هناك من الخسائر، كان البيع والشراء في الحالات العادية والصفقات المتوسطة والصغيرة بالقول فقط ولم تعرف معاملات الكتابة في البيع والشراء إلا بالصفقات الكبيرة). إنه المجتمع المربي.

وكتب الأستاذ الدكتور مازن المبارك شيخ شيوخ اللغة العربية في زماننا حفظه الله تعالى في أخلاق دمشق: (كان أهل الشام إذا حل بينهم غريب طلباً للعلم أو الأمن أو الرزق أكرموه وقدموا له العون حتى يشعر أنه واحد منهم، وصف ذلك هندي مسلم دخل دمشق سنة 1900 ميلادي فقال: (أنساني أهل الشام غربتي وكدت أذوب بينهم لشدّة تعلقي بدينهم ولغتهم وعلمائهم).

يقول الأستاذ: (لم يكن الفقر في دمشق عيباً وكان التعاون والشهامة والنجدة خُلقاً غالباً على أكثر الناس، على أن الفقر يومذاك كان في الجيوب ولم يكن في النفوس ولا في القلوب... إن سياسات التخطيط لا يصح أن تبقى مقصورة على المال والاقتصاد بل لابد أن تتناول الإرشاد والتوجيه والأخلاق).

والحمد لله رب العالمين