الثلاثاء 23 تشرين أول 2018


الهجرة.. حدثٌ تاريخي مضى ومبدأ إسلامي حاضر

السبت 05/01/1440هـ 15/09/2018م - 166 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 29.69 MB 32:23 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 3.89 MB 33:46 mp3 mp3
فيديو عالية mp4 117.58 MB - mp4 mp4
مستند عالية docx 33.86 KB - docx

مختصر خطبة صلاة الجمعة 14/ 9/ 2018 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(الهجرة حدث تاريخي مضى، ومبدأ إسلامي حاضر)

- وجدت القرآن الكريم يتحدث عن الهجرة في سبيل الله في أكثر من خمس عشرة آية، وقد تناولت الآيات الكريمات الهجرة من جانبين؛ أولهما: ثواب الهجرة في سبيل الله وأجرها، وثانيهما: أهمية الهجرة وضرورتها وكونها معيار الموالاة بين المؤمنين.

ففي الجانب الأول ثواب الهجرة وأجرها قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل: 41].

وفي الجانب الثاني أهمية الهجرة وكونها معيار الموالاة بين المؤمنين: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الأنفال: 72]

   وقد نزلت هذه الآيات في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من مكة إلى المدينة ومن مكة إلى الحبشة، ولكن علماء التفسير وأصول الفقه يقولون: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) فهذه الآيات وإن كانت نازلة بحوادث تاريخية مضت ورجالٍ أفذاذٍ قضوا، ولكنها عامة لكل المؤمنين في الماضي والحاضر والمستقبل.

بمعنى أنه ينبغي على كل مسلم أن يهجر الأرض التي لا يستطيعُ القيامَ بشعائرِ دينه فيها وهو قادرٌ على الهجرة منها إلى أرض وبلد يستطيع أن يقيم شعائر الله فيها، وأن يهجر الصحبة التي تعينه على المنكر وتمنعه من المعروف إلى صحبة تعينه على المعروف وتنهاه عن المنكر، وأن يهجر العمل الذي لا يرضي الله إلى العمل الذي فيه رضاه، وأن يدع الخُلُقَ الذي يبغضه الله إلى الخُلُقِ الذي يحبه الله، وأن يترك ما نهى الله عنه ليفعل ما أمر الله به.

أخرج البخاري بإسناده عن رسول الله : «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنْهُ». وفي رواية ابن ماجه: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ».

فالهجرة أيها الإخوة وإن كانت حدثا تاريخياً مضى ولكنها مبدأ إسلامي حاضر.

- سألني شاب يوماً قال: إنه يعمل في مكتب لمتعهد بناء، وكله المتعهد الآن بجمع الفواتير وتحريرها وأرشفتها لتسليمها للزبائن عند المحاسبة، طلب إليه مؤخرا أن يزيد في المساحات ويغير في كميات المواد زيادة على الأعمال الحقيقية، وقد نصح العامل المتعهد ألا يفعل حتى لا يؤاخذه الله فلم يستجب وهو مصر على العامل أن يحرر له فواتير بكميات مكذوبة.

ويسأل الشاب ماذا يفعل، وهل عليه من إثم إن فعل؟

لا أجد جواباً لهذا الشاب إن أصر المتعهد على الغش والكذب والتزوير إلا الهجرة، أن يهجر ما نهى الله عنه، أن يترك هذا العمل الحرام ليبحث عن غيره من الحلال، أن يدع المعاونة على الإثم والعدوان إلى التعاون على البر والتقوى، فالهجرة حدث تاريخي مضى ومبدأ إسلامي حاضر، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه. والمهاجر من هجر الخطايا ومنها الكسب الحرام والمال الحرام.

- الهجرة هي ترك التروك إلى فعل الأفعال، والانتهاء عن المنهيات إلى التزام المأمورات وهجر ما حرم الله إلى ما أحل الله. فإن فعلت ذلك فأنت مهاجر.  أخرج الإمام أحمد في المسند عن رسول الله : «الْهِجْرَةُ أَنْ تَهْجُرَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَتُقِيمَ الصَّلاة، وَتُؤْتِيَ الزَّكاة، ثمَّ أَنْتَ مُهَاجِرٌ، وَإِنْ مُتَّ بِالْحَضَرِ».   

والحمد لله رب العالمين