الأربعاء 13 تشرين ثاني 2019


فاتني قطار الزواج

الثلاثاء 17/02/1441هـ 15/10/2019م - 710 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 25.01 MB 27:17 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 3.32 MB 28:46 mp3 mp3
فيديو جيدة mp4 119.95 MB - mp4 mp4
مستند عالية docx 33.4 KB - docx

مختصر خطبة صلاة الجمعة 11/ 10/ 2019 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

 (فاتني قطار الزواج)

المسألة: جاءني الخاطبون مراراً خلال سِنِي حياتي، إلا أنهم كانوا ينصرفون ولا يعودون، حيناً لأني لا أجدهم مناسبين لي، أو لا أجد الوقت مناسباً للزواج، وحيناً لأني لم أكن أناسبهم، مع أني متخرجة في الجامعة ومحافظة على أدبي وأخلاقي، ويقول من حولي بأني جميلة.. اليوم وقد جاوزت الأربعين أشعر بالألم يعتصرني؛ لأنني لم أرضَ بأيٍّ منهم، وأحزن لأنني لن أكون أماًّ، وأرى بأني أضعت أعوامي.. أشاهد في عيون أبويَّ الخوفَ عليّ، وفي عيون صديقاتي الشفقةَ عليّ، وفي عيون الناس العتْبَ عليّ، سئمتُ الحياة ومللتُها، فبماذا تنصحني؟.

الدليل الإرشادي: في الدليل ثلاث فقرات: الزواج قدر، نجاحكِ ليس موقوفاً على زواجِك، عُزَّاب سادوا وشادوا.

أولاً: الزواج قَدَر: تعلمون أيها الإخوة أن الحياة والموت قدر، وأن الصحة والمرض قدر، وأن الغنى والفقر قدر، وأن العسر واليسر قدر، وصحيح أن الإنسان يملك السعي بالأسباب ولكنَّ قَدَرُ الله غالب وقضاؤه نافذ، ومِثْلُ المرض والصحة، والفقر والغنى، والكثرة والقلة، والعسر واليسر؛ الزواجُ وعدمُه، فالزواج قَدَر وعدمُه قَدَر.. والخيرة فيما يختاره الله، ولو اطلعتم الغيب لاخترتم الواقع، {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

 ثانياً: نجاحكِ ليس موقوفاً على زواجِك: ليس النجاح موقوفاً على الزواج وحدَه، فالعلم النافع والعمل الصالح بابان عريضان للرفعة والنجاح، وعدم الزواج معين على التحصيل الأعلى لدرجات العلم، وعلى التفرغ الأكثر للعمل الصالح.. فكم من فتاة لم يُتَح لها الزواج؛ تفرغت للقرآن الكريم تتعلمه وتعلمه فغدت جماعةً وهي فرد، وباتت أمّةً وهي واحدة.. وكم من فتاة لم يتح لها الزواج؛ تفرَّغَت لعلوم الطب أو الهندسة أو الشريعة أو الحقوق أو الأدب أو التربية فصارت بين الناس عَلَماً ومشت درب النجاح قُدُماً.. فلا يعتصرنّ الألم من فاتها قطار الزواج من بناتنا، ولا تحزننّ إذ لن تصير أماً، ولا تحسبنّ أنها أضاعت أعوامها، ولا تسأمنّ من الحياة، ما دامت تسعى للنجاح في العلم النافع والعمل الصالح.. ولتعلم أن السادة الشافعية فضلوا التفرغَ للعلم والعبادة على الزواج لمن كان معتدل المزاج لا يخشى الوقوع في الزنا إن لم يتزوج، وإن التفرغ للعبادة أو الاشتغال بالعلم أفضل من الزواج في حقه.

 ثالثاً: عزَّاب سادوا وشادوا:

1- زينب بنت الكمال المقدسية: قال الإمام الذهبي في معجم الشيوخ الكبير: شيخة صالحة متواضعة خيّرة متوددة كثيرة المروءة، لم تتزوج، سمعت العلم من كبار العلماء وأجازوها، وتفردت، وطال عمرها واشتهر ذكرها.

2- سميرة الزايد: نشأت في دمشق، حازت على شهادتين جامعيتين في الشريعة والأدب العربي، عُرف عنها استغلالها للوقت وازدحام برنامجها بالعمل العلمي والتربوي، وتفانيها في خدمة الدين، لها دروس ومؤلفات فريدة في السيرة النبوية: دروس من السيرة في مجلدتين، والجامع في السيرة النبوية في ست مجلدات ومختصره في مجلدتين، توفى الله الأستاذة سميرة الزايد عام 2019 وقد جاوزت السبعين، ولم تتزوج قط... فمن لم تتزوج من بناتنا وفاتها قطار الزواج فلها فيهن أسوة وفي سيرتهن سلوة.

ختاماً – أيها الإخوة: نقول للأخت الكريمة صاحبةِ المسألة وأشباهِها: اذكري -أختنا- أن الزواج قدر، وأن الخير فيما يختاره الله، وصحيح أن الزواج كمال وفيه خير كثير، ولكنه في الوقت نفسه مسؤوليةٌ وفيه امتحان كبير، فمن لم يُقَدِّر اللهُ لها زواجاً فلتحمد الله، ولتعلم أنّ الله خفف عنها السؤال يوم القيامة وفرّغها لتشق طريق نجاحها في العلم النافع والعمل الصالح، والله أعلم.   

والحمد لله رب العالمين