الأربعاء 05 آب 2020


الهجرة والدعوة

الأربعاء 08/04/1441هـ 04/12/2019م - 1116 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 27.81 MB 30:21 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 3.54 MB 30:50 mp3 mp3
فيديو جيدة mp4 71.23 MB - mp4 mp4
مستند عالية docx 33.02 KB - docx

مختصر خطبة صلاة الجمعة 29/ 11/ 2019 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(الهجرة والدعوة)

- أَذِنَ اللهُ عز وجل لرسوله في الهجرة، فأتى رسول الله إلى سيدنا أبي بكر فقال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة. فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: الصحبة.

- واجتمع في دار الندوة رجال قريش وتمالؤوا على قتل رسول الله ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَتَى جبريلُ عَلَيْهِ السِّلَامُ رسولَ اللَّهِ فَقَالَ: لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فراشِك الَّذِي كنتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ، فأمر النبي علياً أن ينام عَلَى فِرَاشِه ويتَسَجَّى بِبُرْده وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، فقد كان رسول الله ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته.

- وهاجر رسول الله مع صاحبه أبي بكر إلى المدينة وأحكما خطة الهجرة فخرجا ليلاً من باب خلفي لبيت أبي بكر متجهين جنوب مكة مع أنّ المدينة شمالُها ليتوريا من الناس في غار ثور ثلاثة أيام حتى يهدأ الطلب؛ وواعدا دليلاً ماهراً يأتيهما بعد ثلاثة أيام ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما وواعدا عبدَ الله بن أبي بكر ليحمل لهما أخبار مكة في الليل ثم يرجع لمكة قبل طلوع الشمس، وأسماءَ بنتَ أبي بكر لجلب طعامِهما، وعامرَ بن فُهيرة وكان راعياً ليأتيَهما باللبن ويطمسَ بقوائم أغنامه أثر مسير عبد الله بن أبي بكر وأسماء.

 ووصل النبي وصاحبُه المدينة سالمَين واستقبله أهلها في يوم لم تشهد المدينةُ المنورةُ مثلَه.

أيها الإخوة: فيما سبق من حديث الهجرة والدعوة دروس وفوائد يحتاجها كل منا، وقد علمتني السيرة النبوية فيها ثلاثة أمور:

أولا: رجل الدعوة يسير طوعا لدعوته ولا يجد راحته حتى يبلغ رسالته: (ينشُد الناس سعادتهم فيما تعلّقت به هممهم، فطالب الزعامة ينشَط ويكسَل بمقدار قربه أو بعده من أمله الحبيب. وطالب المال يقضي سحابة نهاره وشطر ليله يتتبّع الأرقام في دفاتره، وطالب الشهوة يجري وراء النّساء، ويجد فيهن نهمت. بينما تجد أصحاب الرسالات رهناء ما تحمّلوا من أمانات ضخمة، فمغانمهم ومغارمهم وحلّهم وترحالهم، ترجع كلّها إلى رسالتهم) [فقه السيرة للغزالي]. وصاحب الرسالة العظمى وأصحابه الكرام هاجروا وتحملوا ما تحملوا حفاظاً على دعوتهم ونشراً لرسالتهم، يريدون نشر الخير في الأرض وإخراجَ الناس من الظلمات إلى النور.

ثانياً: يبذل الداعية الأسباب وكأنها كلُّ شيء، ويتبرأ إلى الله منها وكأنها لاشيء: فقد رأيتم كيف أعدّ النبي لهجرته ما أعد من زاد وراحلة وصاحب ودليل وجامعِ أخبار وتعمية للعدو، مع أن الله تعالى عصمه من الناس وحماه وكفله وأخبره أنه في كنفه وحمايته، ولكن النبي أعدَّ من الأسباب كلَّ شيء ممكن وبقي قلبه الشريف متعلقاً بربه (إن الله معنا)، وهذه هي حقيقة التوكل. فمن أراد النجاة من الأهوال فليبذل وسعه بأركانه وليتوكل على الله بجنانه، ومن أراد النجاح في الدعوة فليسعَ للنجاح سعيه وليوقن أن نجاحه بيد ربه، ومن طلب الرزق في وقت العسر فليعمل بجوارحه ما يستطيع وليتوجه بقلبه للرزاق السميع.

ثالثاً: أخلاق الدعاة تدل على عظم رسالتهم قبل أقوالهم: فقد بلغكم -أيها الإخوة- أنّ قريشاً مع عدائها لرسول الله ومع كيدها له ولأصحابه كانت تضع أماناتها عنده لعلمها أنه الصادق الأمين، ويقف المرء مدهوشاً عندما يعلم أن رسول الله مع رؤيته لصناديد قريش يقفون على بابه يريدون قتله وتفريقَ دمه في القبائل لم يرض إلا أن يترك وراءه من يرد الأمانة إلى أصحابها ويعيد الودائع إلى أهلها...! فمن أراد أن يحمل الدعوة فلتخبر أخلاقه الناس عن عظيم دعوته وصدق رسالته قبل أقواله.  

والحمد لله رب العالمين