الجمعة 28 شباط 2020


فلسطين ليست صفقة

الثلاثاء 11/06/1441هـ 04/02/2020م - 525 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 20.16 MB 21:56 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 2.94 MB 25:12 mp3 mp3
فيديو جيدة mp4 88.16 MB - mp4 mp4
مستند عالية docx 33.98 KB - docx

مختصر خطبة صلاة الجمعة 31/ 1/ 2020 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(فلسطين ليست صفقة)

سمعتم ما يُذكر عن صفقة القرن، يبيعون فيها أرض فلسطين لشذّاذ الآفاق بثمن بخس، ولا عجب من أناسٍ لم تزكهم شريعة السماء يحسبون أنّ الحياة مادة، فيبيع في الأعراض ويشتري، ويبيع الضمائر ويشتري، ويصل به المقام إلى بيع القيم والمبادئ؛ فيبيع أوطان الشرفاء ويشتري، يظن أن الوطن صفقة، ولجنونه بها يسميها صفقة القرن {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44].

فلسطين ليست وطناً نسكنه؛ ولكنها آيات من القرآن تسكن فينا، فلسطين ليست تراباً نحميه؛ ولكنها عقيدة نذود عنها، فنقرأ في القرآن الكريم في سورة المائدة قولَ الله تعالى يصف فلسطين أرضاً مقدسة على لسان موسى عليه السلام {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21] قال الإمام الزمخشري: يعني بيت المقدس، وقيل فلسطين ودمشق وبعض الأردن، ونقرأ في سورة الأنبياء: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 69 - 71] قال ابن عباس: الأرض المباركة أرض الشام ومنها فلسطين.

فلسطين أرض الأنبياء ومبعثهم، فعلى أرضها عاش إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوط وداود وسليمان وصالح وزكريا ويحيي وعيسى عليهم وعلى نبينا السلام، وزارها سيدنا محمد ليلة الإسراء ومنها عرج إلى السماء فكانت فلسطين بوابة الأرض إلى السماء.

فلسطين أرض تباركت بأنفاس الصحابة وأعمالهم، واستقرارهم ومرورهم فيهم عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأسامة بن زيد بن حارثة وواثلة بن الأسقع ودحية الكلبي وأوس بن الصامت في مئات ومئات غيرِهم... فلسطين فيها أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله، وفي مسجدها درس القراء والحفاظ والفقهاء والمتكلمون، وفي أكنافها يُرَابط المجاهدون الصادقون إلى يوم القيامة؛ فعن أبي أُمَامة قال: قال رسول الله : «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ, لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ, لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". قالوا: يا رسول الله, وأين هم؟ قال: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» [البخاري]... وهي أرض المحشر والمنشر؛ فعن ميمونة مولاة النبي قالت: قلتُ: يا رسول الله! أَفْتِنَا في بيت المقدس. قال: «أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ» [ابن ماجه]... أفترى هذه المقدسات وهذه المكرمات تكون صفقة تباع وتشرى!! حاشاها.

أيها الإخوة: لا خلاف بين الفقهاء على أن تحرير البلاد المغتصبة فرض على المسلمين، ويُبْذَل في ذلك كل وسيلة شرعية ممكنة، وعلى رأس هذه الوسائل يأتي الجهاد في سبيل الله، ولا يُنْظَر في ذلك إلى فَقْدِ الأرواح والأموال؛ فإنّ فقد البلاد المحتلَّة تفريط في الدين، وفي سبيل حفظ الدين يُضَحَّى بكل غالٍ ونفيس، ودراسة هذا الحكم تُطَمْئِن قلوب المسلمين إلى أنّ الأرواح التي نراها تُفقد على أرض فلسطين في سبيل التحرير لم تذهب هباءً منثورًا، كما أنه لا يمكن تحرير البلاد بغير بذلها، وهذا أمر يظهر لنا من خلال دراسة القرآن والسُّنَّة، كما يظهر كذلك من خلال دراسة التاريخ، وفقه الواقع الذي نعيشه.

هذا الكيان الصهيوني الغاشم ومَن ورائه لا يخرجه من أرضنا إلا القوة، فلا تنفع معه المعاهدات ولا المساومات ولا المفاوضات؛ لأنه يفاوض ليقضم ويساوم ليلتهم ويعاهد ليغدر... اللهم طهّر فلسطينَ من العدو الغاصب، واجعل لنا في ذلك سهماً، وأعنا على نصرة الحق والدين، ورُدّنا إلى دينِك وعزِنا ردّاً جميلاً.    

والحمد لله رب العالمين