الاثنين 18 كانون ثاني 2021


وجاء العيد

الأحد 13/12/1441هـ 02/08/2020م - 39 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 15 MB 16:20 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 2.12 MB 18:12 mp3 mp3
فيديو جيدة mp4 65.89 MB - mp4 mp4
مستند عالية docx 31.92 KB - docx

مختصر خطبة صلاة الجمعة 31/7/2020 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(وجاء العيد)

قال الله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90].

أيها الإخوة: الناس يفرحون بالعيد، ولكن كيف يفرح من كان مهموماً لطعام عياله أو لدواء ولده أو لشدائد دنياه؟!. 

وما العيد إن لم يكن معه الأنس ببلدك وأهلك وأصدقائك؟! وما العيد إن لم يكن معه راحة البال وصحةُ البدن وكفاية المال؟!.

وما العيد إن لم يكن فيه للنفس متعة وللقلب اطمئنان؟! إنه لا يبقى منه إلاّ رقم على صفحة التقويم.

اسمحوا لي أن أختار لكم قصة ذكرها الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته تناسب ما نحن فيه.

كان يوماً مسافراً إلى اندونيسيا، وجاء العيد وهو في جاكرتا وحيداً وعن أهله بعيداً، قد أصابه الضيق والكرب.

قال: خرجت من مكان إقامتي أمشي مهموماً، فبلغت حديقة لحظت أنها مرتع أطفال الأغنياء لما يبدو عليهم من آثار السرف والترف. وكان على باب الحديقة عجوز قد أمال ظهرَها ثقلُ ما حملت من كثرة السنين، وفي يدها طفلة كأنها الفلة المتفتحة جمالاً وطهراً في ثياب قديمة لكنها نظيفة، وكانت تنظر إلى هذا العالَم كأنه غريب عنها. كان الأولاد يشترون أكف «الشوكلاطة» من بياع هناك، وكانت تنظر إليهم وهم يقشرون أوراقها ويأكلونها بعيون يلمع فيها بريق الرغبة المحرقِة يعقبها خمود اليأس المرير، ثم غلبها الطمع فلكزت خصر جدتها العجوز بمرفقها، حتى إذا التفتَت إليها أشارت بغمزة من عينها وحركة سريعة من يدها إلى الشوكلاطة.  فتبسّمَت الجدةّ بعينيها ولكنّ مقلتيها كانتا تبكيان بلا دموع، وقلّبَت كفّيها إشارة العجز والفقر.

فاشتريتُ لها أكبر كفّ من الشوكلاطة وذهبت فدفعته إليها، فنظرَت إليّ نظرة المشدوه، ثم نظرَت إلى جدتها كأنها تستنجد بها تسألها، فأشرق وجه العجوز بابتسامة كأنها إطلالة الشمس في يوم كثيف الغمام، وأسرعت البنت تجرّ جدّتها تُسرع بها، كأنها قطة أعطيتها قطعة لحم فهي تسرع بها كأنما تخاف أن أندم فألحقها لأستردّها منها. لم أخسر من المال إلا القليل، ولكني ربحت من اللذّة ما لا يعلمه إلا الله، ويعلمه من تيسر له عمل كهذا. أحسست أن ما كان في قلبي من الضيق قد انفرج، وما كنت فيه من الكرب قد زال، وأنه رُفع المنظار الأسود عن عيني فرأيت بهاء الكون وبياض النهار. ووجدت العيد!.

فيا أيها الإخوة: إنّ أقرب طريق إلى سعادة القلب أن تُدخِل السعادة على قلوب الناس، وإنّ أكبر اللّذّات هي لذّة الإحسان.

فمن أراد منكم أن يجد العيد فسيجده على وجوه من يُوليهم الإحسان {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)} [الليل: 5 - 21] ولئن قال الله تعالى (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) فإن باذل الإحسان للآخرين سوف يرضى، قرةَ عين في الدنيا وتواباً عميماً في الآخرة.

أيها الإخوة: الجميل كاسمه، أوَّل المنتفعينَ به الفاعلون له، فامنحْ غيرك معروفاً وأسدِ لهُ جميلاً وقدم له إحساناً تجدِ الفرج والرَّاحة. أعطِ محروماً، انصر مظلوماً، أنقِذْ مكروباً، أطعمْ جائعاً، عدْ مريضاً، أعنْ منكوباً، واسِ مصاباً، عزِّ فاقداً؛ تجدِ الخير يغمرك من بين يديْك ومنْ خلفِك.                                

والحمد لله رب العالمين