الجمعة 15 كانون ثاني 2021


هجرة وهجرة

الأحد 05/01/1442هـ 23/08/2020م - 52 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 16.47 MB 17:56 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 2.38 MB 20:22 mp3 mp3
فيديو جيدة mp4 72.16 MB - mp4 mp4
مستند عالية docx 33.11 KB - docx

مختصر خطبة صلاة الجمعة 21/ 8/ 2020 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(هجرةٌ وهجرة)

- تعرض آياتُ القرآن الكريم وحديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لنوعين من الهجرة: الهجرة بالمعنى الخاص وهي مفارقة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابِه الكرام مكة متوجهين إلى المدينة فراراً بدينهم ولحاقاً بالعلم والعبادة والأخلاق، والهجرة بالمعنى العام وهي مفارقة ما نهى الله عنه إلى ما أمر به.

- أما المعنى الأول المعنى الخاص هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فنجده مثلاً في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل: 41].

- وأما المعنى الثاني المعنى العام هجرةُ ما نهى الله عنه إلى ما أمر به فنجده مثلاً فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلى النَّبيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَيْنَ الْهِجْرَةُ؛ إِلَيْكَ حَيْثُمَا كُنْتَ، أَمْ إِلَى أَرْضٍ مَعْلُومَةٍ، أو لِقَوْمٍ خَاصَّةً، أَمْ إِذَا مُتَّ انْقَطَعَتْ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ الله سَاعَةً، ثمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ الْهِجْرَةِ؟» قَالَ: هَا أَنَا ذَا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «إِذَا أَقَمْتَ الصَّلاة، وَآتَيْتَ الزَّكاة، فَأَنْتَ مُهَاجِرٌ، وَإِنْ مُتَّ بِالْحَضْرَمَةِ» قَالَ: يَعْنِي أَرْضًا بِالْيَمَامَةِ. وفي رواية: «الْهِجْرَةُ أَنْ تَهْجُرَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَتُقِيمَ الصَّلاة، وَتُؤْتِيَ الزَّكاة، ثمَّ أَنْتَ مُهَاجِرٌ، وَإِنْ مُتَّ بِالْحَضَرِ».

- وبناء على هذين المعنيين الخاص والعام، فإن الهجرة لا تنقطع وهي واجبة على كل مسلم إلى قيام الساعة؛ أن يهجر الجهل إلى العلم، وأن يهجر المعصية إلى الطاعة، وأن يهجر الفرقة إلى الوحدة، وأن يهجر هوى النفس إلى رضا الرب. وأن يهجر رفاق السوء إلى رفاق الصلاح، وأن يهجر مكاناً يذكره بالمعصية إلى مكان يذكره بالطاعة.

- ولئن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابتُه الكرام بذلوا ما بذلوا وتحملوا ما تحملوا وأنفقوا ما أنفقوا ليتموا هجرتهم ويحفظوا دينهم وينشروا الخير في الأرض، فإن المسلم فينا مطالبٌ أن يبذل وسعه ويقدم جهده ويتحمل استطاعته ليحقق هجرته ويحفظ دينه وينشر الخير في الأرض.

- فهجران المعصية إلى الطاعة وهجران الجهل إلى العلم وهجر الكسل إلى العمل وهجر سوء الأخلاق إلى حسنها لا مثل له في هذا الدين، بل إنه الدين الذي ينقل الناس من الظلمات إلى النور {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16].

- قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام: (الهجرة هجرتان هجرة الأوطان وهجرة الإثم والعدوان، وأفضلهما هجرة الإثم والعدوان لما فيها من إرضاء للرحمن وإرغام للنفس والشيطان).

- أيها الإخوة: الهجرة في القرآن والسنة هجرتان، هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة وهي هجرة خاصة وقد مضت لأهلها فنالوا أجرها وثوابها، وهجرة عامة وهي هجرة لا تنقطع إلى يوم القيامة يهجر فيها كل مسلم ما نهى الله عنه لينال أجرها وثوابها {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218].

والحمد لله رب العالمين