الاثنين 18 كانون ثاني 2021


هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشدائد والمحَن

الأحد 23/03/1442هـ 08/11/2020م - 57 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 23.96 MB 26:06 mp3 mp3
صوت جيدة mp3 3.41 MB 29:14 mp3 mp3
فيديو جيدة mp4 105.34 MB - mp4 mp4
مستند عالية docx 32.73 KB - docx

مختصر خطبة صلاة الجمعة 6/ 11/ 2020 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(هدي رسول الله ﷺ في الشدائد والمحن)

- لقد أصيب نبيُّنا ﷺ بكلِّ ما يصاب به المرء في الدُّنيا من محَن وشدائد، واللهُ وحدَه يعلَم الكربَ الَّذي أصابه، والألمَ الَّذي عاناه، وإليكم معالم من هديه ﷺ في الشدائد والمحَن:

- أولاً: كان رسول الله ﷺ يألَم ولكنه صابرٌ راضٍ عن الله وقضائه: تذكُرون فقدَه لولده الرَّضيع إبراهيم، فاضَت روحُ الولد بين يدي أبيه ﷺ، بكى النَّبيُّ ﷺ وقال: تدمَع العينُ ويحزنُ القلبُ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا، والله يا إبراهيم إنَّا بك لمحزونون.

- ولما سلَّط أهلُ الطائف على النبيِّ ﷺ صبيانَهم ومجانينَهم ورموه بالحجارة وأدموا جسده الشريف وسبُّوه وسخِروا منه وشتموه، أوى إلى بستان الفتى النَّصراني عدَّاس، دعا الدُّعاء المشهور الَّذي تقرأ فيه ألـمَه ﷺ وصبرَه ورضاه عن الله: «اللَّهُمَّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي...» [رواه الطبراني] فلا هو ﷺ يجزَع، ولا هو ييأس، ولا هو يتَّهم الله في قضائه وقدَره، بل إنه ﷺ واثق بموعودٍ له وللعصبة المؤمنة معه بأن النَّصر والتمكين لهم في الأرض مِن دون الباغين الظالمين المشركين، فيقول لأصحابه وهو في أكثر مواطن الخوف والألَم في أثناء حفر الخندق حين لمعت تحت المعول ثلاث لمعات: «أَمَّا الْأُولَى: فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْيَمَنَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الشَّامَ وَالْمَغْرِبَ؛ وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَإِنَّ اللهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْمَشْرِقَ» [البيهقي].

قال عندها المنافقون: نحن نُخَندِقُ على أنفسنا وهو يَعِدنا قصور فارس والرّوم؟! لكنَّ موعود الله جاء وزهَق الباطل.

- ثانياً: كان رسول الله ﷺ يفزَع إلى الله ويأوي إليه: فقد أخرج أبو داود عن حذيفة قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمرٌ صَلَّى» وعن أبي هريرة: «كان رسول الله ﷺ إذا حَزَبَه أمرٌ يدعو» [جامع الأصول].

- وتذكُرون دعاءه عند اجتماع الصَّفين في بدر، كما رواه الإمام مسلم بسنده عن عمر بن الخطاب قال: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال:9]، فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلاَئِكَةِ) وقُل مثلَ ذلك من الالتجاء إلى الله تعالى والضَّراعة إليه عند القحط رجاء السُّقيا، وعند الجوع رجاء الشِّبع، وعند المصاب رجاء العافية، وعند الكسوف رجاء انجلاء السماء...

- ثالثاً: كان رسول الله ﷺ يأخذُ بالأسباب، لدَفعِ القدَر بالقدَر: فلم يكن مِن هديه ﷺ الاستسلام والقُعود، بل العمل والاجتهاد، فهو صلوات ربي وسلامه عليه في الأحزاب يحفر الخندق في خدعة حربية لم تعهَدها العرَب من قبل، وفي الهجرة يخرج متسلِّلاً في جنح الليل ويتخفَّى في غار ثور أياماً حتى يهدأ الطَّلب، وفي المرض يطلب الطِّبَّ ويتعاطى الدَّواء، وفي أيَّام المدينة الأولى يضع الحرس على بابه والسِّلاح في أهبته، ويحثُّ أصحابه على التَّعاون والتَّناصر، ويثبِّت المؤمنين في الأزمات، ويرسل العيون لتقصِّي الأخبار، ويشد على بطنه الحجرَين، ويتزوَّد للسَّفر ويدَّخر شيئاً للحضَر، ويعلِّم أصحابه القصدَ في الغنى والفقر.

كلُّ هذا من الأدب مع الله في الأخذ بالأسباب، ثمَّ يتعلَّق القلب بخالقها.

والحمد لله رب العالمين