الخميس 15 تشرين ثاني 2018


العدل بين الأبناء

السبت 29/03/1429هـ 05/04/2008م - 11134 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 2.63 MB 22:56 mp3 mp3
صوت جيدة rm 1.8 MB - rm rm
العدل بين الأبناء

يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليهم ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ [التحريم:6]
نحن في الخطبة السابعة من سلسلة الأسرة والتربية ، ومرةً أخرى أقول: إن سبب اختيارَ هذه السلسلة؛ أننا اليوم أحوج ما نكون إلى أسر تربي، فضلاً عن حاجتنا عن أسر تغذي، كثير من الآباء يهتمون بالتغذية، وينسون التربية، عددٌ من الأمهات يهتممن بلباس بناتهن، وبصاحبات بناتهن، وبجلسات بناتهن، وبمنظر بناتهن ولكن كم من الأمهات يهتممن بتربية بناتهن ....
هناك حرب على التربية الإسلامية حرب فعلية : فإن عمل فعلته أميركا عندما دخلت العراق أتدرون ما هو ..؟ غيرت الكتب المدرسية، أول عمل: غيرت الكتب المدرسية ، أتت معها بلجان لتغير مناهج التعليم، ذلك لأن للتربية أثراً كبيراً في إعداد الأجيال، لذلك كانت حاجتنا إلى هذه السلسلة: الأسرة والتربية .
كنا قد تحدثنا عن أهمية الأسرة، وعن أهمية التربية، و قد تكلمنا عن اختيار الزوج، واختيار الزوجة، و تحدثنا عن النفقة الحلال وأثرها، وكان عنوان خطبة الأسبوع الماضي: الدعاء للأبناء وأثره في التربية، وعنوان خطبة اليوم، الخطبة السابعة: العدل بين الأبناء وأثره في التربية ، يقول الله تبارك وتعالى﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ﴾ [المائدة:8]
• وقال ربنا ﴿ و إذا قلتم فاعدلوا و لو كان ذا قربى و بعهد الله أوفوا ذلك وصاكم به لعلكم تذكرون ﴾ [الأنعام:152]
• وقال جل من قائل ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ [النساء:58]
• و قال الله تعالى في أجمع آية في القرآن الكريم ﴿ إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ [النحل:90]
 و قال صلى الله عليه و سلم: ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله [أول واحد
في هؤلاء السبعة] إمام عادل ) و الأب في بيته إمام
 قال صلى الله عليه و سلم: ( إن المقسطين [يعني: العادلين] على منابر من نور على يمين الرحمن و كلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم و أهليهم) يعدلون في أهليهم
 قال صلى الله عليه و سلم: (اعدلوا بين أولادكم في العطية ) و في رواية ( سووا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يسووا بينكم في البر )
 وأشرف حديث عند الدمشقيين، كما قال الإمام النووي: في آخر كتاب الأذكار حديث يقول: ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، و جعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ) .
أيها الاخوة، العدل هو: التوسط و الاستقامة و عدم الميل إلى أحد الطرفين، و الظلم هو :الميل عن الحق، ووضع الشيء في غير موضعه، و تحويله عن موقعه , العدل أساس الملك، و أصل الأمر
و به قامت السماوات و الأرض، و عليه تعتمد التربية الصحيحة , الظلم شؤم و ظلمات و مؤذن بخراب المجتمعات، و موقع للعداوات، بين الأهل و القرابات، و به تختل التربية الصحيحة .
لما أراد النبي صلى الله عليه و سلم إجلاء يهود خيبر، بعد أن خانوه، سألوه أن يقرهم في أراضيهم على أن يعملوا فيها، و يعطونه في كل عام نصف التمر , نصف التمر للنبي صلى الله عليه و سلم و نصف التمر لهم لقاء عملهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم: أقركم على ذلك ما شئنا، فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يرسل في كل عام عبد الله ابن رواحة رضي الله عنه ليقدر التمر على أشجاره كم هو فيحاسبهم على النصف فيأخذه و يبقي لهم النصف، و كان عبد الله دقيقاً في خرصه و تقديره، فاستاءت منه اليهود، و أرادوا أن يرشوه ليخفف لهم التقدير فجمعوا له من حلي نساءهم. ثم قالوا له: هذا لك فخفف عنا، و تجاوز في القسم , أنت موظف خذ هذا المبلغ و خفف شيئاً في القسم , فقال لهم عبد الله يا معشر اليهود تطعموني السحت [يعني المال الحرام] و الله لقد جئتكم من عند أحب خلق الله إلي و لأنتم أبغض خلق الله إلي، لكن لا يحملني بغضي إياكم و حبي إياه على أن لا أعدل)) مع كل الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم و مع كل بغضي لليهود سأبقى عادلاً في الخرص و التقدير، فقالت اليهود:( بهذا قامت السموات و الأرض ) يعني بالعدل , و لئن كان العدل بين الناس مطلوباً، فإنه بين الأولاد أشد طلباً، و إن كان الظلم للناس ممقوتاً، فإن الظلم للأولاد أو لأحدهم أشد مقتاً
و ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند
إن للعدل بين الأبناء أثراً كبيراً في حسن تربيتهم، و كسب برهم، و ضمان مودتهم لبعضهم،
وحبهم لبعض. بينما في تفضيل ذكر على أنثى، أو كبير على صغير، أو قوي على ضعيف، في هذا التفضيل إساءة للتربية و جلب للعقوق، و قطيعة للرحم، و زرع لبذور الشقاق و الفراق لذلك حرص النبي صلى الله عليه و سلم على توجيه الآباء و الأمهات على العدل بين أولادهم، في الرحمة، و في إظهار الحب، و في المعاملة، و في العطايا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( اتقوا الله
و اعدلوا في أولادكم ) الحديث في البخاري و مسلم .
بينما رسول الله صلى الله عليه و سلم يحدث أصحابه إذ جاء صبي حتى انتهى إلى أبيه في ناحية القوم فمسح الأب رأس ولده وأقعده على فخذه اليمين، قال: فلبثت قليلاً فجاءت ابنة له حتى انتهت إلى أبيها فمسح الأب على رأس البنت وأقعدها على الأرض فقال صلى الله عليه وسلم هلا أقعدتها على فخذك الأخرى، قال: فحملها الأب ووضعها على فخذه الأخرى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن عدلت .
وعن أبي معشر عن إبراهيم قال : كانوا كان يستحبون أن يسووا بين أولادهم في القبل، حتى لو قبل ولداً من أولاده لحاسب نفسه، لماذا لم يقبل الثاني؟!! .
وعند أهل الشام مثل طريف قالوا فيه (من فضل ولد على ولد ببوسة له بجهنم دوسة) هذا المثل لطيف لكنه حق، ليس لك أن تفضل ولداً على ولد، لو بقبلة .
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، أنه قال : نحلني أبي نحلاً – يعني أعطاني عطية – كان لبشير ممتلكات كثيرة، وكان قد تزوج امرأتين: المرأة الثانية أنجبت له ولداً اسمه النعمان بن بشير رضي الله عنه ، نحلني أبي نحلاً يعني أعطاني عطية كتب له بستان بإسمه فقالت له أمه، كانت أمه الزوجة الثانية ذكية وقوية، قالت له أمي عمرة بنت رواحه ءأتِ النبي صلى الله عليه وسلم، فأشهده، هي خافت بعد موت الأب أخوتَه من الزوجة الأولى أن لا يوافقوا على هذا العطاء قالت : إذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشهده إذا شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحادثة فهذا البستان لن يخرج من يد الولد قالت له أمي عمرة بنت رواحة أئتي النبي صلى الله عليه وسلم فأشهده قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال : إني نحلت إبني النعمان نحلاً وإن عمرة سألتني أن أشهدك على ذلك
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ألك ولد سواه
قال : نعم، قال: فكلهم أعطيت مثل ما أعطيت النعمان
قال : لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا جور _ ظلم _ أشهد عليه غيري، أنا لا أشهد على ظلم وفي رواية: أرجع فإني لا أشهد على جور، وفي رواية: أليس يسرك أن يكون لك في البر واللطف سواء
قال: نعم
قال : فلا تفعل، يعني: لا تعطي واحداً وتمنع الآخرين، وفي رواية: إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك .
من هنا أيها الأخوة قال الأمام أحمد بن حنبل ( التسوية بين الأولاد واجب يثاب فاعلها ويعاقب تاركها ) من ظلم ولداً على حساب ولد سيعاقب في الآخرة ، فمن فضل بين أولاده في العطية أثم، ومن سوى بينهم أجر ، بينما قال جمهور العلماء: التسوية سنة، وأجاز جميع الفقهاء التفاضل أن أعطي ولداً أكثر من ولد إن كان لهذا العطاء سبب شرعي، كأن يكون هذا الولد مريضاً مرضاً مزمناً وهو بحاجة إلى مبلغ من المال أرصده له لأجل علاجه، وأن يعاني الولد بدين عليه من أولاده عليه ديون كثيرة، وعنده عيال فأن أقف معه لأسد الديون، إذا كان التفضيل لسبب شرعي فهذا لا بأس به عند الفقهاء، أما إذا كان التفضيل بغير سبب شرعي، فهو حرام. هذا وأن البنت تعطى مثل الذكر إذا كان الأب والأم من أحياء يعني: أنا عندي خمسة أولاد؛ ثلاثة ذكورٍ وبنتين كيف أسوي بينهم ؟ جمهور العلماء قالوا: وأعطي البنت مثل ما أعطي الذكر ما دمت حياً، وعندما أموت الإرث الشرعي يعطى الذكر مثل الأنثيين عند جمهور الفقهاء فلو أعطي الذكر منزلاً لأعطيت البنت منزلاً مثله، واستدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ( سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء ) الذي قال لو أردت أن أفضل أحداً على آخر سأفضل البنت على الذكر وليس الذكر، على الأنثى، فيما رأى الحنابلة والمالكية أنه في الحياة يجوز أن تعطي ولدك الذكر ضعف ما تعطي الأنثى، وقاسوا على حالة ما بعد الموت، على كل حال إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم ، أما أن يعطي أب ماله في حياته للذكور، ويحرم الإناث بحجة أن أموال الذكر تبقى في أسم العائلة، أما أموال الأنثى ستذهب لزوجها لعائلة أخرى، هذا حرام، أما أن يعطي أب أكثر أمواله لأبناء زوجته الأولى، ويحرم أبناء زوجته الثانية، فهذا حرام أما أن تكتب أم ممتلكاتها لإبنها الأكبر، وتحرم إبنها الأصغر، فهذا حرام، أما أن تقول أم لأولادها: إذا أنا مت فهذا الذهب للبنات، وترك العقارات للذكور فهذا حرام: بعد أن أموت فكل مالي يأخذه الشرع يوزعه على أولادي حسب الإرث الشرعي، وليس لي أن أقسم في حياتي الأموال لما بعد موتي .
ضم عمر بن عبد العزيز إبناً له وكان يحبه، فقال: يا فلان والله إني لأحبك، وما أستطيع أن أوترك على أخيك بلقمة، يعني لا أستطيع أن أفضلك على أخيك بلقمة، أنا أحبك يا ولدي كثيراً، لكن الشرع لم يأذن لي أن أفضلك على أخيك بلقمة .
تاجر دمشقي من عائلة عريقة سجل أحد معامله بإسم ولده من بين أولاده لمحبته له، ولم يعلم باقي الأولاد بعد ثلاث سنوات مات التاجر، وعند إجراء معاملة الإرث أبرز الإبن عقد ملكية المعمل فغضب باقي الاخوة والأخوات لأن ثمن المعمل مع آلآته يزيد على مائة مليون، والأب لم يخبرهم بشيء، وأمهم لا تدري بالأمر، وأخوهم متمسك بحقه ، ماذا يفعلون ؟ ما كان منهم إلا أن رفعوا الأمر إلى المحكمة بدعوى تزوير على أخيهم، وما زالت القضية في المحاكم، والخصومة قائمة بين الأخ وباقي أشقائه، وبين أولاد الأخ وباقي أولاد الأخوة .
عدم العدل بين الأولاد يورث ضيقاً، ويورث كرباً، ويعود على الأب بعكس مقصوده هو أراد أن يتنعم الأولاد، فبعد وفاته حصل تمزق في الأسرة، وشقاق بين الأبناء .
رجل تزوج إمرأة وأنجب منها، وكبر أولاده معها، ثم أنه أراد الزواج مرة أخرى، لكن دون علم زوجته الأولى، لأن وضعه الاجتماعي لا يسمح بهذا الأمر، تزوجها بالسر بعقد شرعي، لكن لم يثبته في المحكمة واتفق معها أن لا تنجب، لأنه يحب أولاده من زوجته الأولى، ولا يريد أن يشرك في الإرث أحدً معهم ، مات الرجل ورأت الزوجة الثانية حملاً في رحمها فأبقت الحمل لتحتفظ بذكرى لزوجها، ثم دعاها من حولها إلى رفع دعوى إلى المحكمة لتثبيت عقد الزواج، ثم الولد لتدخل في المسألة الإرثية ،عندما اتصلت بالعائلة الأولى بدأت الخصومات، ومازالت القضية عالقة بالمحاكم، وأسم هذا الرجل الكبير صار على ألسنة الناس .
إنك عندما تترك العدل بين أولادك توقعهم في سوء، وتسيء إلى تربيتهم، فالعدل بين الأولاد له أثر كبير في التربية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر والعطف )


الحمد لله رب العالمين