الخميس 15 تشرين ثاني 2018


العقوبة

السبت 29/03/1429هـ 05/04/2008م - 2421 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 2.89 MB 25:13 mp3 mp3
صوت جيدة rm 1.6 MB - rm rm
العقوبة
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿ يا آيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراًوقودها الناس والحجارة عليهم ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ [التحريم:6]
نحن في الخطبة التاسعة من سلسلة الأسرة والتربية ، ومرةً أخرى أقوله نحن اليوم أحوج ما نكون إلى أسر تربي إضافة على أنها أسر تغذي .نريد أباً مربياً، ونحتاج إلى أم مربية، لأن سهام ورماح ومدافع أعداء المسلمين تتوجه إلى أجساد المسلمين وإلى أموالهم ، وإلى اقتصادهم ، وإلى مياههم ، ولكنها الآن تحاول أن تغزو التربية الإسلامية لإنشاء جيل جديد لإنشاء أحقاب أخرى ليست له أية صلة مع الإسلام، ولا مع القرآن، ولا مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك نريد منك أيها الأب أن تبني أسرة مربية نريد منك أيتها الأم أن تمارسي دور التربية داخل البيت، وإنه لن ينفع ولدك أحد مثل ما تنفعينه أنت في تربيتك، وفي تعليمك، ولقد تحدثنا عن أهمية الأسرة، وعن أهمية التربية، وعن اختيار الزوج، واختيار الزوجة، وعن الدعاء للأولاد، وعن النفقة الحلال، وعن العدل بين الأبناء، وأثر كل ذلك في التربية .
وكانت خطبة الأسبوع الماضي عن المكافأة وأثرها في التربية، وعنوان خطبة اليوم: التأديب بالعقوبة وأثرها في التربية .
المكافأة جناح، والعقوبة جناح آخر، ولن يطير طائر إلا بجناحين، ولن تستقيم التربية إلاّ بهاتين الوسيلتين، وحدثنا اليوم عن: التأديب بالعقوبة وأثره في التربية ،
• يقول الله تعالى: ﴿ من عمل صالحا لنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ﴾ [فصلت:46]
• وقال جل من قائل: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزيْ الذين أحسنوا بالحسنى ﴾[النجم: 31].
• وقال ربنا: ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ﴾ [ص:28]
 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لأن يؤدب الأب ابنه خير له من أن يتصدق بصاع ) والحديث عند الترمذي( ) .
 قال الحكماء ( من أدب ولده صغيراً سُرًّ به كبيراً )
 وقال بن عباس ( من لم يجلس في الصغر حيث يكره لم يجلس في الكبر حيث يحب)
وقال صالح عبد القدوس :
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشب
وقال غيره :
من لم يؤدبه أبوه وأمه تأدبه روعات الردى وزلازله
أيها الأخوة الكرام: تقوم التربية الناجحة على التعزيز الإيجابي، والتعزيز السلبي، على مكافأة المحسن ومعاقبة المسيء، من أجل هذا وعد الله تعالى عباده المؤمنين الجنة، وأوعد عباده الكافرين النار وليس عدلاً أبداً ومن العدل أن يتساوى العاصي مع الطائع، والمنحرف مع المستقيم، ولئن كنا تكلمنا في الأسبوع الماضي عن المكافأة، فنحن اليوم نتكلم عن العقوبة، عن التعزيز السلبي، فإن للتأديب بالعقوبة ثلاثة أهدافٍ وثلاثة مبادئٍ وثلاثة أنواع هي أفكار هذه الخطبة ، حتى تعرف لماذا تعاقب ولدك ؟
هناك ثلاثة أهداف ستحصل عليها وثلاثة مبادئ، وثلاثة أنواع للتأديب بالعقوبة، أما
 الأهداف التربوية للعقوبة فهي :
• أولاً : الردع والتخويف : لأن المرء لا يسوقه إلا حب أو خوف والمرء لا يسوقه إلى جهة معينة إلا حب في مغنم، أو خوف من مغرم، حب في ثواب أو خوف من عقاب، حب للمكافأة أو خوف من تأنيب، وعقاب الردع، والتخويف أول هدف للتأديب بالعقوبة .
• ثانياً : الإصلاح والتهذيب : فالعقوبة شيء، والتعذيب شيء آخر أنت تعاقب الولد لإصلاحه وتهذيبه، ولست معذباً له .
• ثالثاً : تحقيق الشعور بالعدالة بين الأبناء : فعندما تكافئ من أولادك المحسن، وتعاقب المسيء يعلم المحسنون أنك عادل بينهم، أما اذا تركت المسيء من أولادك يسيء كيف يشاء، فأنت ظالم تظلم المحسنين، وتدعوهم إلى الإساءة ، هذه هي الأهداف الثلاثة للتأديب بالعقوبة .
 المبادئ التربوية للعقوبة هي :
• أولاً : الرحمة : أنت تعاقب ولدك لأنك رحيم
فقسى ليزدجروا ومن يكن راحماً فليقسُ أحياناً على من يرحم
فلو أنك تركت ولدك يسيء ولم تؤنبه ولم تعاقبه ولم تحاسبه فأنت ظالم تدعوه
الإستمرار في الخطأ، لكنك ـ رحمة به وشفقة عليه ـ تعاقبه صغيراً حتى لا ينحرف كبيراً
فقسى ليزدجروا ومن يكن راحماً فليقسُ أحياناً على من يرحم
أول مبدءٍ من مبادئ العقوبة:الرحمة .
• ثانياً : التدرج : فلا يُلجأ إلى التأديب بالعقوبة إلا بعد التعليم، والتنبيه، والإنذار، والترغيب والترهيب، ثم بعدها تلجأ إلى التأديب بالعقوبة فالعقاب ليس مقصوداً لذاته، بل هو آخر الوسائل إذا استعصت الحلول .
• ثالثاً : العفو : المبدأ الأول: الرحمة، والثاني: التدرج، والثالث: العفو، وذلك إذا حققت بداية العقاب وأوائله الهدف التربوي المطلوب، فإن المربي يعفو عندها عن ولده .
هذه هي مبادئ التأديب بالعقوبة، وأهداف التأديب بالعقوبة .
 أنواع التأديب بالعقوبة :
هي ثلاثة أيضاً هناك
• عقوبة بالنظر .
• وعقوبة بالكلام .
• وعقوبة بالأفعال .
النظر والكلام والأفعال،
تكفي اللبيب أشارة مرموزة وسواه بندب بالصراخ العالي
وسواهما بالزجر ليس بغيره أما العصا فرابع الأحوال

هناك عقوبة بالنظر وعقوبة بالكلام وعقوبة بالفعال
ولعل قائلاً يقول : إن التربية الغربية الحديثة تمنع التأديب بالعقوبة كالضرب ونحوه .
فأقول : إن التربية التي هي أحدث من هذه الحديثة تدعو اليوم إلى العقوبة، وتقول التربية: لا تقُوّم بغير ترهيب، ولا تقوم بغير عقاب ، وإن زيادة أعداد الجرائم في بلاد الغرب، وارتفاع أعداد عصابات السرقة والقتل، والاغتصاب والمخدرات في الشباب والشابات ، وإن تفاقم مشاكل تحصيل الأولاد في مدارسهم وجامعاتهم عاد بالمربين القريبين من القول أدى التطور أخيراً إلى اعتبار العقوبة وسيلة تربوية رادعة ومصِلحَة ، فالأب الذي لا يؤدب أولاده بالعقاب يسيء إليهم، والأم التي لا تؤدب أولادها بالعقاب تسيء إليهم ، التأديب بالنظر كأن تنظر إلى ولدك نظرة عتاب إذا هو أخطأ، أو نظرة غضب، أو أن تُعرِض بوجهك عنه فلا تنظر إليه ، هذه هي التربية بالنظر، إن استطعت أن تربي أولادك بعيونك فأنت أب في أعلى الدرجات التربية والتأهيل التربوي فتربيهم بالنظر .
ولقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه بعيونه، فها هو صلى الله عليه وسلم عندما عاد من غزوة تبوك كان هناك بعض الصحابة قد تخلفوا عن هذه الغزوة، واحد من هؤلاء كعب بن مالك ، يقول كعب: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ذهبت لأسلم عليه، وكعب مخطئ فقد ترك الجيش الإسلامي، وبقي في داره قال ـ كما في البخاري( ) ـ فلما سلمت عليه تبسم لي تبسم المغضب، بسمة لكن فيها شيء يخترق القلب، لماذا فعلت هذا يا كعب، بالعين وبالابتسامة قرأ كعب ما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هذا هو وحشي عندما أسلم يقول له النبي:أنت وحشي، قال نعم، قال: أنت قتلت حمزة، قال: نعم قال: فها تستطيع أن تغيب وجهك عني( ) تربية بالنظر.
في حديث الثلاثة الذين خُلفوا، قال أحد الرواة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف نظره عنهم، يعني: لا ينظر إليهم ، إنها تربية بالنظر، وحسبك من بنك أو من بنتك إن صار يفهم عليك من عينيك .
الدرجة الأخرى من التأديب بالعقاب، والنوع الآخر: التأديب بالكلام ،والمراد به لومك ابنك، ولومك ابنتك إذا هي أخطأت وعتابك وزجرك، وليس المراد عند المربين: السب والشتم والتقبيح ، فهذا هو صلى الله عليه وسلم يزجر الحسين عندما تناول تمرة من تمر الصدقة، الحسين كان طفلاً صغيراً دخل إلى مكان فيه تمر الصدقة، وأخذ تمرة ووضعها في فمه ـ وهو ولد صغير، ولعل البعض يقول: دعه يأكلها ـ يا أخي ـ هل ستخرب الدنيا إذا أكل التمرة، لكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أراد أن يؤدبه بالكلام، فمثل هذا الولد لا يفهم بالنظرات، فقال له: كخ كخ( ) .
يقول الإمام النووي : هي كلمة زجر للصبي عن المستقذرات ، لا بد لولدك الصغير الذي لا يفهم الكلام الآن أن تؤدبه بكلامك، ولا تقول: إنه صغير دعه فلعله يقسو معك فلا يستقيم ولا يتأدب
وها هو صلوات الله وسلامه عليه أرسل جارية صغيرة لبعض حاجته، فأطالت المكث خارج البيت، فخرج يبحث عنها، فشاهدها تلعب مع الأولاد، فأراد أن يؤدبها بالعقوبة بالكلام، فقال لها: وقد أخرج سواكاً قال. لها: لولا خشية القصاص يوم القيامة لأوجعتك ضرباً، إنه تأديب بالعقوبة بالكلام بالكلام ولابد لك أيها الأب أن تستخدم لوماً أو زجراً أو عتاباً لولدك، أو أبنتك إذا هو أخطأ أو هي أخطأت .
أما أخر الأنواع، فهو: التأديب بالأفعال، كالهجر والضرب، وإليكم بعض الأصول التربوية في الضرب، وأرجو أن ننتبه إلى هذا الأمر :
• أولاً :أنذر أولادك السوط : لأن الكثير من الأولاد يرهبهم ويؤدبهم رؤية السوط، أو الحديث عنه جاء في الآثار (علقوا السوط حيث يراه أهل البيت ) هناك كثير من الأولاد ينزجرون إذا علموا أن هناك عقوبة جسدية ستلحق بهم.
• ثانياً : الصغير الذي لا يعقل لا يضرب : لأنه لا يفهم معنى الضرب وفائدته .
• ثالثاً : ضربات التأديب ثلاثة ومهما بلغت لا تتجاوز العشرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا عقوبة فوق عشرة أسواط إلا أن يكون في حد من حدود الله )( )
• رابعاً : لا يجوز ضرب الأعضاء الحساسة :كالوجه والرأس والصدر والبطن والأعضاء التناسلية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه)( ) لا يجوز شرعاً ضرب الوجه ولا الرأس، ولا الصدر ولا البطن، ولا الأعضاء التناسلية .
• خامساً : لا ضرب مع الغضب : إذا كنت غضباناً إياك أن تضرب ولدك، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان( ) .
ضابطاً ذو رتبة عالية، جاء إلى أولاده أو إلى بيته بطقم من الكنبايات المنجد تنجيداً حديثاً، وهو مسرور به ، وفي اليوم الثاني خرج من البيت وكانت الأم مشغولة، وعنده ولد صغير، وكان مع الولد مشرط فدخل هذا الولد إلى تلك الغرفة، وأمَرّ بالمشرط على مقعد هذه الكنبايات فهمدت فأعجبته، فمضى بالمشرط على كل طقم الكنبايات، ولا أحد يراه ، وعندما جاء الأب مساءاً وشاهد هذا المنظر غضب وأخذه الغضب الشديد ، وقال : من فعل هذا، قالوا ولدك فلان، فجاء بالصغير وجاء بعصاه وأمسك بيدي الصغير وضربه بالعصا على ظهر كفيه، لكنه كان مغضباً ولا يعي شدة الضربة، وعدد الضربات، صار الولد يصرخ ويبكي، بعد وقت وبعد أن هدأ من غضبه تركه، ومضى الولد إلى سريره في غرفته، ونام، وفي الصباح جاءت الأم، ونظرت إلى الولد فشاهدت اليدين منتفختين ولونهما أزرق فذهبا به إلى المشفى قال الطبيب في المشفى: لقد حصل تموت في يدي الولد ويحتاج إلى بتر للكفين وبالفعل بترت الكفان من جراء الضرب في أثناء الغضب، وبعد أن خرج الولد من المشفى ، قال لأبيه : بابا كيف سأكتب بعد الآن !!.. ، لا ضرب مع الغضب .
• سادساً : أرفع يدك عن الضرب إذا ذكر ابنك الله تعالى واستجار به : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله فارفعوا أيديكم )( ) يعني لا تضربوهم .
أيها الأخوة الكرام هذا هو التأديب بالعقوبة، هذه هي مبادئه وأهدافه وأنواعه ، يقول الإمام الغزالي (إذا أُهمِل الصبي في ابتداء نشوءه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذاباً حسوداً نماماً طماعاً) أُهمل لأنه الولد ذا فضول وضحك وإنما يُحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب) .



الحمد لله رب العالمين