الخميس 15 تشرين ثاني 2018


القدوة الحسنة

السبت 29/03/1429هـ 05/04/2008م - 5577 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 2.01 MB 17:33 mp3 mp3
صوت جيدة rm 108.88 KB - rm rm
القدوة الحسنة
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿ يا آيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليهم ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ [التحريم:6]
نحن أيها الأخوة الكرام في الخطبة العاشرة من سلسلة: الأسرة والتربية ، نحن اليوم أحوج ما نكون إلى أسر تربي أولادها، إلى أب مربٍ ، إلى أم مربية، لذلك كانت هذه السلسلة تحدثنا عن أهمية الأسرة، وعن أهمية التربية، وعن اختيار الزوج، واختيار الزوجة، وعن النفقة الحلال، والدعاء للأبناء، وعن العدل بين الأبناء، وعن المكافأة والعقوبة، وأثر كل ذلك في التربية ، وعنوان خطبة اليوم: القدوة الحسنة وأثرها في التربية .
أنت ـ أيها الأب الكريم ـ قدوة لولدك شئت أم أبيت، رضيت أم لم ترضَ، فعيون أولادك متعلقة بك، إن قمت قاموا، وإن قعدت قعدوا، وإن تحركت تحركوا، وإن سكنت سكنوا ، أنت ـ آيتها الأم قدوة ـ لبناتك أردت أم لم تريدي لو قلت لأولادك: لا تقلدوني، ولا تتبعوني فأنا على خطأ ، إن ما تراه عيونهم أصدق مما تسمعه آذانهم، فهم سيتبعونك، وربك سائلك عن إتباعك وإتباعهم لك، وخطبة اليوم ثلاثة أقول تربوية :
 القول الأول : يقول أهل التربية وعلم النفس والاجتماع إن الإنسان كائناً من كان يحتاج في هذه الحياة إلى خمسة أشياء يبحث عنها :
1- يحتاج إلى عقيدة يعتقدها : لن تجد إنساناً على هذه الأرض إلا وله عقيدة هناك قوم يعبدون القمر، وقوم يعبدون البقر، وقوم عبدوا الحجر، وأناس عبدوا البشر ، لا يوجد إنسان على هذه الأرض بغير عقيدة، ما دام إنسانً فهو يبحث عن عقيدة.
2- إلى هدف يسعى إليه : هذا يريد أن يكون من كبار التجار هذا هدفه ، وآخر يريد أن يصير من أصحاب الجاه العريض هذا يريد أن يصبح أستاذاً جامعياً ، هذا يريد أن يصير ولياً من أولياء الله تعالى، كل إنسان على هذه الأرض له هدف يسعى إليه .
3- إلى قدوة يقتدي بها : فهذا قدوته التاجر الفلاني، وهذا قدوته الشيخ الفلاني، وهذا قدوته اللاعب الفلاني، وهذا قدوته المغني الفلاني، وهذا قدوته السياسي الفلاني ، لن تجد إنساناً ليس له قدوة، فالإنسان يحتاج إلى خمسة أمور: إلى عقيدة يعتقدها، و إلى هدف يسعى إليه، و إلى قدوة يقتدي به و:
4- إلى جماعة ينتمي إليها .
5- وإلى مادة روحية يغذي بها روحه .
وهذه الخمسة إن لم تكن خيرة ستكون شريرة ، إن لم تضع لأبنائك قدوة صالحة سيبحثون عن قدوة طالحة ، إن لم ترسم لأولادك أهدافاً نبيلة سيرسمون لأنفسهم أهدافاً وضيعة. هذه الخمسة إن لم تكن خيرة ستكون شريرة، وإن لم تكن حسنة ستكون سيئة، إن لم تكن صالة ستكون طالحة، فاجتهد أن تكون قدوة صالحة لأولادك، ولاتكن الثانية، وأجتهد أن تربط ولدك بقدوة صالحة من الناس من العلماء، والأدباء والصلحاء، ولاتترك ابنك أو ابنتك يقتدي بالعاطلين، أو البطالين، أو الساخرين، أو المفرطين فتفقد هذا الولد .
 القول التربوي الثاني : يقول أهل التربية يتعلم الناشئ بعينه 60% سيئين وبأذنيه 30% ثلاثين وبباقي حواسه 10% :
ابنك وأبنتك يتعلمان بالعين ستين 60% وبالأذن 30% ثلاثين وبباقي الحواس 10%عشرة بمعنى أن ما يراه أبنك فيك من أعمال وأقوال، وتصرفات يدعوه إلى الإقتداء بك أكثر ما يدعوه منطقك، قد تقول له: يا ولدي لا تكذب، لكن عيناه تريانك تكذب، فهو يتعلم بالعين أكثر ما يتعلم بالأذن، قد تقول له: يا ولدي، كن مع الصالحين، غير أنه لا يرى أباه مع الصالحين، فهو يتعلم بما تراه عيناه أكثر مما يتعلمه بأذنيه، فإذا كان منطق الأب مهذباً ، كان الابن كذلك، إن كان لباس الأم محتشماً كان لباس البنت كذلك، وإن كانت أعمال الأب وفق الشريعة الإسلامية فعل الابن كذلك، وقد قالوا :
بأبه اقتدى عدي بالكرم ومن شابه أباه فما ظلم
وبالمقابل قالوا :
إذا كان رب البيت بالطبل ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
لا يستقيم أن تنه أولادك عن الأمور السيئة، ثم يرونك كفعل تلك الأمور ، جاء في كتاب دراسات نفسية لعبد الرحمن عيسوي يقول: ( لقد أدت المقارنة بين اتجاهات الأطفال واتجاهات أبائهم الدينية إلى أن تلك الاتجاهات مرتبطة إرتباطاً وثيقاً) اتجاه أبنك مرتبط بإتجاهك فأنت قدوة له) هذا المسح في الدراسة النفسية قال ( إن معظم الأولاد يمشون وراء آبائهم في إعتناقاتهم واعتقاداتهم وأفعالهم ) .
 القول التربوي الثالث والأخير يقول ابن خلدون ( إن الإنسان يأخذ معارفه وأخلاقه وما ينتحله من المذاهب والفضائل تارة علماً وتعليماً ،وتارة محاكاة وتقليداً ) :
يرى شيئاً فيقلده يرى شيئاً فيحاكيه يعني يمشي معه ، إن الإنسان يأخذ معارفه وأخلاقه وما ينتحله من المذاهب والفضائل تارة علماً وتعليماً، وتارة محاكاة وتقليداً، إلا أن حصول الملكات عن طريق المحاكاة والتقليد أشد أستحكاماً ورسوخاً. من هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) لم يقل صلوا كما تسمعوا مني عن الصلاة ، أنا أفعل الأمر وأنتم تقتدون بي ( صلوا كما رأيتموني أصلي )( ) وقد قال أبو هريرة يوماً ( ما رأيت أحداً أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبن أم سليم يعني :أنس أبن مالك، وذلك أن سيدنا أنساً نشأ في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يحاكي ويقلد قدوته سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فصارت صلاته كصلاته ، فالابن يقلد أباه وأمه في ما يفعلان لأنهما قدوة له شاءا أم أبيا .
عن عبد الله ابن عامر قال : دعتني أمي يوماً وكنت صغيراً وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً في بيتنا
فقالت : تعال أعطيك
فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أردت أن تعطيه
قالت : أردت أن أعطيه تمراً ، [الأم تريد أن تقول للولد الصغير تعال تعال خذ أعطيك فالنبي صلى الله عليه وسلم قال : ما أردت أن تعطيه قالت أردت أن أعطيه تمراً ]
فقال : لها أَمَا لو أنك لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة( ) أنت تكذبين على الولد فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن تكذب الأم على ولدها في تمرة حتى لا يقتدي الولد بأمه فيتعلم الكذب
وروي عن عائلة دمشقية مؤلفةٍ من أب وأم وستة عشر ولداً من الإناث والذكور، الأولاد الستة عشر يحفظون القرآن الكريم، وهم ما بين طبيب، وطبيب أسنان، ومهندس ومهندس زراعي، وصيدلاني وخريجات أوائل من كلية الشريعة، يقول لي أحد أبناء هذه الأسرة حفظنا القرآن الكريم كلنا، لأن أبي يحفظ القرآن الكريم ولأن أمي تحفظ القرآن الكريم، وأنا لا أعرف أبي ومنذ وعيي للحياة نام عن صلاة التهجد، الولد يقول : أنا أراقب أبي منذ وعيت الحياةَ لا أعلم أن أبي فاتته صلاة التهجد، يقوم قبل الفجر بساعة أو ساعتين ليقرأ القرآن الكريم في صلاته، منظره هذا حرك فيأولاده التوجهَ نحو القرآن الكريم. إنها القدوة وأثرها في التربية .
أما أب كثير الكذب، وقد شاع كذبه بين أفراد الأسرة، وأشتهر أمره بالكذب فهو يكذب جاداً، ويكذب مازحاً، يكذب سراً، ويكذب علانية، ولديه غلام ونشأ على الإقتداء بأبيه فكان الولد كذاباً، وكان الأب يحذر ولده من الكذب، ويطلب إليه أن لا يكذب، وفي أحد الأيام كذب الولد على أبيه كذبة أزعجت الأب، فما كان من الأب إلا أن قام وضرب الولد ضرباً شديداً، وهو يصرخ فيه: ألم أقل لك مائة مرة أن لا تكذب، فما كان من الولد الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره إلا أن قال لأبيه كلمة أوقفت يد الأب عن ضرب أبنه، قال له الولد: بابا أنت كذّاب ، إنها القدوة وأثرها في التربية
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
أيها الآباء أيتها الأمهات أنتم قدوة لأبنائكم في كلامكم، في معاملاتكم و في لباسكم وفي حركاتكم وفي سكناتكم وفي خوفكم من الله، فاتقوا الله في أنفسكم، وفي أولادكم، لأن الله سائل كلَّ راعٍ عن ما استرعاه أحفظ أم ضيع .
• سيدنا العباس بن عبد المطلب أنجب لنا ولداً أسمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فكان حبرَ هذه الأمة .
• عمر بن الخطاب أنجب عبد الله بن عمر كان من كبار المحبين لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
• علي بن أبي طالب أنجب لنا الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة .
• عمر بن العاص أنجب لنا عبد الله بن عمر بن العاص .
• أبو بكر أنجب لنا عائشة وأسماء وغيرهم وغيرهم كثير .... كثير صنعوا أبناءاً
كراماً لأنهم اقتدوا بآبائهم وأمهاتهم، يوماً سنسأل أين أولادك .
في ختام هذه هذه الخطبة ما المطلوب منا ؟
المطلوب منا أمران اثنان :
• الأمر الأول : كن قدوة صالحة لأولادك .
• الأمر الثاني : صل أولادك بقدوة صالحة من العلماء والصلحاء .


الحمد لله رب العالمين