الخميس 15 تشرين ثاني 2018


النصيحة بالخطاب المباشر

السبت 29/03/1429هـ 05/04/2008م - 1960 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت جيدة mp3 2.19 MB 19:08 mp3 mp3
صوت جيدة rm 1.35 MB - rm rm
النصيحة بالخطاب المباشر
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل ( يا أيها الذين آمنوا – [والنداء لنا الله ينادينا] - قوا أنفسكم و أهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) [التحريم:6]
نحن في الخطبة الثالثة عشر من سلسلة الأسرة والتربية ، تحدثنا عن أهمية الأسرة، و أهمية التربية، وعن اختيار الزوج والزوجة، وعن النفقة الحلال، وعن الدعاء للأبناء، وعن العدل بينهم، وأثر كل ذلك في التربية ،تكلمنا عن المكافأة، والعقوبة، وعن القدوة الحسنة وأثرها في التربية، ومنذ أسبوعين نحن نتحدث عن نصح الأبناء وأثره في التربية ، أولادكم يحتاجون إلى نصائحكم، وخطبة اليوم في نصح الأبناء وأثره في التربية .
فطرق نصح الأولاد ثلاثة
• النصيحة بالقصة .
• النصيحة بالحوار .
• النصيحة بالخطاب المباشر .
تحدثنا عن النصيحة بالقصة والحوار، واليوم نتحدث عن النصيحة بالخطاب المباشر ، أيها الأخوة الكرام إن أحدنا قد يهدي ولده داراً واسعة، أو سيارة فارهة، أو مزرعة عامرة. إن أحدنا قد يترك لأولاده من بعده مالاً كثيراً، وعزاً كبيراً، وجاهاً عريضاً، لكن أفضل ما خلف أب لإبنه، وخير ما ورّث والدٌ ولده دين قويم، وخلق مستقيم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما نحل والدٌ ولداً أفضل من أدب حسن )( ) إذ ما قيمة المال الكثير إذا وقع عند ولد سيء الأخلاق إلا أن يستعين بهذا المال على الرذائل، وما قيمة الجاه العريض إذا بقي عند ولد منصرف عن دينه إلا أن يستعين بهذا الجاه على الفجور، فيكون هذا الأب معيناً لولده على الرذيلة والفجور، ولأن كان ابنك يُسر بدار واسعة، أو سيارة حديثة مهداة له من أبيه، فإنه يُسر أكثر إذا اقترنت هذه الدار، وهذه السيارة بأخلاق حسنة ورثها عنك، ولإن كانت ابنتك تفرح برصيد كبير ترثه عن أبيها، فإنك تفرح فيها في الدنيا والآخرة إذا اقترن هذا الرصيد بخلق نبيل، وإنك ـ أيها الأب ـ تملك وحدك سِحراً في إيصال الخير إلى قلوب أولادك ، الله جعل في صوتك خاصيةً مؤثرةً يستقبلها قلب ابنك عندما تنصحه لا يملكها أحد آخرَ في هذا الكون، وأولادك ينتظرون منك إذا خرجت من هذا المسجد أن تبدأ بنصائحهم، وها أنا أسوق لكم نماذج من النصيحة بالخطاب المباشر من القرآن، ومن السنة، ومن سير العلماء والأدباء، وكبار القوم حولت هذه النصائح أبناء هؤلاء الكبار إلى كبار، وجعلت أولاد هؤلاء العظماء عظماء، لعل نصائحك تجعل من أبنائك أتقياء كتقاك بل أتقى، ولعل نصائحك تجعل من أبنائك أنقياء مثلك بل أنقى، ولعل نصائحك أن تجعل أبناءك راقين كرُقِيُّك بل أرقى، ففي الحديث عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان ينصح من حوله بالخطاب المباشر، وفي يوم من الأيام كان قد أردف خلفه على راحلته عبد الله بن عباس وكان عبد الله يومها لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره، ونصحه نصيحة كثير منا يحفظها، يقول ابن عباس ( كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال لي: يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وان الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) الحديث عند الإمام الترمذي .( )
هذا هو صلوات الله وسلامه عليه ينصح بالخطاب المباشر، فعن أنس ابن مالك وكان يومها انسٌ فتىً يخدم في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له: يا بني إذا قدرت أن تصبح وتمسي، ليس في قلبك غشٌ لأحد فافعل ، يا بني فإن ذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحياني ومن أحياني كان معي في الجنة والحديث عند الترمذي( ) .
هذه نصائح من السنة بالخطاب المباشر يا ولدي، يا بني، يا غلام أفعل كذا وكذا، أما القرآن سورةً الكريم فقد سمى الله تعالى في القرآن بسورة لقمان، عندما أراد الله أن يتحدث عن لقمان هذا الرجل الصالح في القرآن الكريم لم يحدثنا عن صلاته، ولا عن صيامه، ولا عن زكاته، ولم يصف لنا القرآن الكريم داره الواسعة، ولا ثوبه الأنيق، ولا بشرته اللامعة، ولكن الله تعالى أراد أن يثني على لقمان فاختار أن يثني على لقمان الأب عندما ينصح ولده نصيحة مباشرة ، حياة لقمان كلها لم أُخِرِجِ الله لنا منها إلاّ لقمان الأب عندما ينصح ابنه واسمعوا مني هذه الآيات :
﴿ وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان:13] أب ينصح ولده نصحاً مباشراً، وفي الكلام روحانية الأب، فضلاً عن روحانية القرآن الكريم، وبعد آيتين
﴿ يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأتِ بها الله إن الله لطيف خبير ، يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف ونه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ﴾ [لقمان:16، 17] ويتابع الأب نصيحته: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور ﴾ [لقمان:18] أيها الآباء أولادكم ينتظرون نصائحكم، واللهِ إن صلاح أولادكم وبناتكم في أيديكم، يتابع لقمان: ﴿ واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ﴾ [لقمان:19] هذا الأب الذي ينصح أولاده خلد الله اسمه في القرآن الكريم اسم لقمان، لأنه أب كان ينصح أولاده، فإذا أردت أن يخلد الله اسمك واسم أولادك فاخرج إليهم الآن، وأبدأ بنصائحهم هذه ، نصائح من السنة، و نصائح من القرآن أما من أخبار العلماء والأدباء، فقد كتب الأديب الشاعر الحسين بن علي الظفراني وهو من أدباء القرن السادس الهجري كتاب كاملاً سماه الإرشاد للأولاد، وذكر قصةً فيها: أن رجلاً شعر بدنو أجله فجمع أولاده حوله وأعطاهم حزمة حطب وقال لكل واحد من الأولاد ليحاول كل واحد منكم أن يكسر حزمة حطب، فأخذها الابن الأول، وحاول فلم يستطع، ثم أخذها الثاني وحاول ولم يستطع، وهكذا الثالث، والرابع، ثم إن الأب أخذ الحزمة، وفرقها إلى أعوادٍ، ثم وزّع الأعواد على الأولاد، وطلب منهم أن يكسروها فكسرت الأعواد جميعها، فأنشدهم يقول :
كونوا يا بني جميعاً إذا اعترى وإذا افترقن تكسرت أفرادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً خطب ولا تتفرقوا آحادا

إنها نصيحة مباشرة بالخطاب المباشر، وكتب أحد الشعراء المعاصرين قصيدة عنوانها: (كتبت إليك) فيها نصائح لولده أقرأها عليكم كما هي للطفها وحُنوها ،يقول: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يصلي وابنه نائم، فنظر الأب إلى ابنه النائم، وقال من أجلك يا بني ثم بكا، وقرأ قوله تعالى: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ [الكهف:82] يعني هذا كل الاجتهاد مني في العبادة يا ولدي لأجلك، ولأجل أخوتك لأن ببركة صلاح الأبُ ستُصلح الأسرة، وتصلح الذرية
كتبت اليك يا ولدي على قلبي على كبدي فأنت عصارة العمر ونعم الواحد الاحد
كتبت بدمع أشواقي وروحي فوق أوراقي لأسقيك وتسقيني فأنت الظامئ الساقي
أيا ولدي فلا تسجد سوى لله مولاك وغير الله لا تعبد وحاذر من خطاياك
أيا ولدي وكن قلبا لتسلك في الدرى الحب وكن ينبوع خيرات لتسقي بالهدى الصحب
أيا ولدي وكن رجلاً وللأهوال محتملاً وكن نسراً وعصفوراً وكن سهلاً وكن جبلا
كتبت إليك لا أدري فوزري آه من وزري وأنت براءة الطهر فنور بالدعا قبري
إنها كلمات تخرج من قلبه لينصح ولده، أنا لا أستطيع أبداً أن أقولها لإبنك لكنك تستطيع، أنا ً لا أستطيع أبدا أن أقرأها لإبنكِ لكنك أيتها الأم تستطيعين ، أيها الأباء هذه نماذج من القرآن والسنة، والعلماء والأدباء عن النصيحة بالخطاب المباشر للأولاد، وأرجوكم أن نخرج من الخطبة لنبدأ بنصح أولادنا قبل الطعام، وقبل الغداء، وقبل الكساء. أبناؤنا محتاجون إلى آباء ينصحون .
أختم خطبتي بخمس قواعد للنصيحة بالخطاب المباشر، حتى تكون نصيحتك أكثر جدوى مع أولادك :
أولاً : أبدأ نصيحتك لإبنك بقولك يا بني، يا ولدي، يا قطعة مني، يا ابنتي، ونحو هذه الكلمات فهذه الكلمات لها أثر روحي في الولد .
ثانياً : اقتصد بالنصيحة مخافة السأمة .
ثالثاً : اختر الوقت المناسب للنصيحة ، والنصيحة في وقت السرور خير من النصيحة في وقت الغضب والنصيحة والأسرة مجتمعة مع بعضها البعض، خير من وقت انشغال كل فرد من أفراد الأسرة في عمله .
رابعاً : امزج نصيحتك بمداعبة وملاطفة لتحريك الذهن، وتشويق النفس، وإذهاب الملل، فإن القلوب إذا كلَّت عميت .
خامساً : وأخيراً: كرر النصيحة بين الحين والآخر، فولدك كسائر الأولاد لا يستجيب من أول مرة، لذلك هو بحاجة إلى تكرار النصيحة .
أيها الإخوة الكرام بهذا أكون قد أنهيت الحديث عن النصيحة بطرقها الثلاثة: القصة، والحوار، والخطاب المباشر .

الحمد لله رب العالمين