الأحد 26 شباط 2017

شهداء غزة يتكلمون

الاثنين 16 محرم 1430 / 12 كانون ثاني 2009

الجمعة 9/1/2009                     الشيخ الطبيب محمد خير الشعال

شهداء غزة يتكلمون

بسم الله الرحمن الرحيم

 


الحمد لله ، الحمد لله ثم الحمد لله ،الحمد لله نحمده ونستعين به ونستهديه ونسترشد ه ....وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ...... اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم.
 أما بعد:  ......

 قال الله تعالى :
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ *   [البقرة:190-191]
وقال الله تعالى:
وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *  فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ *  [آل عمران:169-170-171]


جاء في صحيح مسلم عن مسروق قال : سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية  وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  قال : أَمَا إنا قد سألنا عن ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم إطِّلاعة ، فقال: هل تشتهون شيئا قالوا: أي شيء نشتهى ؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا )) [مسلم]
قال الإمام النووي في شرح الحديث :
 قوله صلى الله عليه وسلم : ((فقال لهم الله تعالى: هل تشتهون شيئاً ؟ ))
هذا مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم إذ قد أعطاهم الله ما لا يخطر على قلب بشر ، ثم رغَّبهم في سؤال الزيادة ، فلم يجدوا على ما أعطاهم ، فسألوه حين رأَوْه أنه لا بدَّ من سؤالٍ : أن يُرجِع أرواحهم إلى أجسادهم ليجاهدوا ويبذلوا أنفسهم في سبيل الله تعالى ويستلذوا بالقتل في سبيله – والله أعلم- .
 وفي صحيح البخاري ومسلم : عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى             من الكرامة )) [متفق عليه]

عنوان خطبة اليوم:
(( شهداء غزة يتكلمون ))


بدايةً أيها الإخوة :
الشهادة في سبيل الله منزلةٌ رفيعةٌ ورتبةٌ عالية، ولئنْ كان هناك أناسٌ يعيشون في سبيل الله فإن هناك رجالاً ونساءً يموتون في سبيل الله ، وهل يجد المرء أغلى من روحه يُقَدِمها لأغلى محبوباته ،  روحٌ تُقدَّمُ لله .
 بالشهادة في سبيل الله يُطْوَى عن أهلها كلُّ تفريطٍ اقترفوه في حق الله فلا عقاب ولا عتاب وبها يُمنحون الحياة والخلود فلا يموتون كما يموت الناس .
وبها تُفتح لهم أبواب الجنة – والأحياء على الأرض لا يزالون – بينما الشهداء في نعيم الجنة يتقلبون .
ومهما قضينا في تعداد بركات الشهادة على أصحابها فما أعدَّ الله لهم يفوقُ كلَّ تعداد .
وحسبك أن كتاباً جامعاً من كتب الحديث اسمه (( كنز العمال)) ذكر (73) حديثاً عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الشهادة الحقيقية وذكر (74) حديثاً أُخر في الشهادة الحكمية .
ومن هذه الأحاديث:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 (( للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة من دمه ، ويرى مقعده من الجنة ،ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر ، ويحلى حلة الإيمان ، ويزوج من الحور العين ، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه )) [الترمذي حسن صحيح غريب وابن ماجه واللفظ له ]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( ما يجد الشهيد من مسِّ القتل إلا كما يجد أحدكم من مسِّ القرصْة )) [ أحمد والترمذي – حسن صحيح غريب]
والشهيد بالتعريف :
" هو  من مات في المعترك مع الكفار رجلاً كان أو امرأةً ، بالغاً أو غير بالغ ، سواءٌ قتله الكفار أو عاد عليه سلاحه فقتله " [المغني لابن قدامة]
وسمي الشهيد شهيداً لأوجه ٍ سبعة ذكرها الإمام النووي هي :
1-  لأن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم شهدا له بالجنة
2-  لأنه حيٌ شاهد عند ربه .
3-  لأن ملائكة الرحمة تشهده ، فتقبض روحه .
4-  لأنه ممن يشهد يوم القيامة على الأمم .
5- لأنه شُهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله .
6-  لأن له شاهداً بقتله ، وهو دمه .
7-  لأن روحه تشهد دار السلام  أي ( الجنة) وروح غيره لا تشهدها إلا يوم القيامة.
أيها الإخوة :
تعلمون أن عدد شهداء غزة بلغ حتى اليوم (788) شهيداً بينما جاوز عددُ جرحاهم الآلاف الثلاثة رضي الله عنهم وأرضاهم .
وهؤلاء الشهداء قسمان قسمٌ من مقاتلي حماس  والجهاد الإسلامي وفصائل المقاومة وهو قليل .
وقسمٌ ثانٍ من المدنيين نساءً وأطفالاً وشيوخاً ورجالاً عزلاً ، وهو الأكثر .
وكِلا القسمين المقاتلون والمدنيون يتكلمون معكم في هذه الخطبة بكلمتين ، وكلامهم ليس نطقَ لسان ولكنه بيانٌ وتعليمٌ بحال وفعال، والأحوال والأفعال أقوى من الأقوال
الكلمة الأولى : لشهيدٍ من غزة من مقاتلي حماس وهو واحدٌ من إخوانه الكُثر إنه :


(( الشيخ الشهيد الدكتور نزار ريان أبو بلال ))


• هو أستاذٌ دكتور ورئيس قسم الحديث الشريف في الجامعة الإسلامية بغزة.
• من مواليد قرى عسقلان بفلسطين سنة ( 1959) ولما اغتصب اليهود قريته أُسكنَ مع أهله في معسكر جباليا في غزة في جوار مسجد الخلفاء الراشدين .
• متزوج من أربع سيدات وله ست أولادٍ ذكور وستُ بناتٍ وحفيدان .
• عمل إماماً وخطيباً متطوعاً لمسجد الخلفاء بمعسكر جباليا منذ عام ( 1985- وحتى عام 1996)
• نشأ في أحضان الدعوة الإسلامية في فلسطين ، أُعتقل مراتٍ عديدة من اليهود المغتصبين نحو أربع سنوات وعُذَّب  في السجون عذاباً شديداً .
• شارك بكتابة المقالات والفتاوى في عدة صحف وفي بعض المواقع الإسلامية
• كان عضواً مؤسساً ثم رئيساً للجنة إصلاح ذات البين ولمِّ الشمل وهي جمعية خيرية في غزة .
• حاصلٌ على شهادة البكالوريوس في أصول الدين من الرياض ، وعمل معيداً في الجامعة مدة ست سنوات ، ثم حصل على الماجستير من كلية الشريعة بالجامعة الأردنية عام (1990) وكان عنوان رسالته في الماجستير (( الشهادة والشهيد ))
ومنها استقيتُ عنوان خطبة اليوم ، نال بها الماجستير بدرجة ممتاز
• ثم نال درجة الدكتوراه من السودان بجامعة القرآن الكريم عام ( 1994) في رسالة عنوانها : (( مستقبل الإسلام دراسة تحليلية موضوعية )) أيضاً بدرجة ممتاز ، ثم حصل على رتبة الأستاذية عام ( 2004) .
• عمل رئيس قسم الحديث الشريف في الجامعة الإسلامية بغزة ، مدرساً في مرحلة البكالوريوس والماجستير ومشرفاً على الرسائل العلمية ومناقشاً.
• درَّس كتاب صحيح البخاري وشرحه شرحاً تحليلياً في مسجد الجامعة ، وكتب شرحاً لمقدمة صحيح مسلم تجاوز ثلاثمائة صحيفة، وله كتبٌ وأبحاث علمية تخصصية دقيقة منشورة جاوزت الثلاثين .
• والشيخ الشهيد يخطب أساساً في جامع الخلفاء ولكنه يتجول للخطابة فيما يمكن أن يصل إليه من مساجد القطاع، ويشرف على عشرات المساجد ومئات حلقات القرآن ، ويجلس الشيخ المجاهد للإفتاء كلَّ يوم بعد العصر عدا الجمعة، ويدرس كلَّ يوم بعد الفجر في شرح صحيح مسلم ، ويدور بعد العشاء على مجموعات الشباب المجاهد يعظهم ويذكرهم بالله ويجيبُ على فتاواهم ويتوقفُ عند أخر مجموعة من المجاهدين يمرُّ عليهم ليصلي معهم ركعات من قيام الليل أو ليرابط على حدود عزة جزءاً ولو يسيراً من الليل .
• أرسل الشيخ المجاهد نزار ريان ابنه إبراهيم إلى عملية استشهادية نادرة ، اقتحم فيها مستوطنة وقتل ثمانية من اليهود ، وكذلك أُصيب ابنه الأكبر بلال برجله من اعتداء إسرائيلي وهو الآن يعرج في مشيه.
• والشيخ المجاهد الدكتور الشهيد نزار ريان محبوب من الجميع حتى من جيرانه النصارى ، فقد تُوفي أحدهم فوجد أبناؤه وصيتَه أنه لا يقبل بأن يُوزع أحدٌ تركته إلا الشيخ نزار .
أيها الإخوة :
هل علمتم الآن لماذا قنصت إسرائيل الشيخ المجاهد البطل بصاروخ هو وأهل بيته مع أن رصاصة كانت تكفِ لقتله ، لكنها مليئةٌ غيظاً وخوفاً ورعباً منه ومن أمثاله ، لذلك أرادت أن لا تبقي له ولعقبه أثراً.
إن الذي يخيف أعداءنا إنما هم الرجال  العظماء الذين يجمعون علماً وعملاً وصلاحاً وتقوى.
لا يخيف عدوَنا رجلٌ يعيش لهواه وشهواته
لا يرعب إسرائيل رجالٌ همهم من الدنيا طعامٌ فاخر ولباسٌ حسن ، وأثاثٌ وثير .
يا شباب هذه الأمة  .....يا رجال هذه الأمة ....  يا نساء هذه الأمة
اللهو لا ينفعنا ، والترف لا يرفعنا، وكسب الملذات والشهوات نحو الأسفل يدفعنا
يا شباب هذه الأمة ...  ويا رجالها.... و يا نساءها
العلم النافع والعقل الحصيف والعمل المتقن والصلاح والتقوى هي التي تعلي قدرنا وترفع ذكرنا .
يا شباب هذه الأمة ...  ويا رجالها.... و يا نساءها
من دعاكم إلى معصية دعاكم إلى خنوع ومن دلكم على أَثَرةٍ وأنانية دلكم على خضوع ومن ساقكم إلى الانغماس في الشهوات وتحصيل المكاسب الفردية على حساب مكاسب الجماعة ساقكم إلى ذلٍ واستسلام وركوع .

شباب الجيل للإسلام عودوا                فأنتم روحه وبكم يسودُ

 وأنتم سر نهضته قديماً                     وأنتم فجره الزاهي الجديد

حذارِ حذارِ من كلِّ اختلافٍ                به الشحنا والبغضا تعودُ

أفيقوا من سباتِ الجهل وامضوا           على سنن الرشاد ولا تحيدوا

ودرب الصاعدين كما علمتم                به الأشواك تكثر لا الورود

نهوضاً يا بني قومي نهوضاً                  فقد عادت إلى الدنيا ثمودُ

وأنتم خير من يسعى لمجدٍ                 فأحبوا مجد أمتنا وشيدوا

وإن وجوهكم بالحق بيضُ                 تشع وأوجه الباغين سودُ

عليكم حملُ رايتنا فكونوا                 ذوي بأسٍ كما كان الجدودُ

وكيف يقوم مجتمع سليمٌ                      ترفُ عليه بالعزِّ البنود

إذا لم يتخذ نهجاً سديداً                       ينص عليه قرآنٌ مجيدُ

شباب الجيل لي معكم حديثٌ              عليه ينطوي القلب العميدُ

نظرت إلى الحياة فلم أجدها                  سوى حلمٍ يمرُ ولا يعود

ولستُ أرى السعادة جمع مالٍ                 ولكن التقيَّ هو السعيد

أفادتنا الحوادث وهي شر                     وكل حوادث الدنيا تفيد

عليكم بالعقيدة فهي درعٌ                       تصون به كرامتنا حديد

خذوا بالعزم فالدنيا صراع                      يفوز به القوي، ولا أزيدُ

الكلمة الثانية : فيتكلم بها حال الشهداء في غزة من القسم الثاني وهم :

المدنيون العزل


إن حالهم يقول لا تصدقوا أيها الناس خدعةً اسمها هيئة الأمم ، لا تصدقوا أيها الناس خِدعةً اسمها هيئة الأمم، لا تصدقوا أيها المسلمون كِذْبة اسمها مجلس الأمن .
لا تؤمنوا أيها الناس بأن هناك قانوناً دولياً يحكم بين الناس بالحكم والعدل.
أكثر من ربع الشهداء من الأطفال ، وأكثر من نصف الجرحى والمصابين من الأطفال والنساء ، أين منظمات حقوق الإنسان ..؟ أين مؤسسات الطفولة والأمومة والإنسانية..؟
والله  لا ينصفنا إلا الله ، ولا يعدل بيننا إلا شرع الله ولا يحكم بالحق بين البشر إلا قرآن وسنة ، فسفينة نجاتنا أيها الإخوة ، بل سفينة نجاة الكوكب الأرضي ، كتابُ الله وسنةُ رسوله .
وهما أمانةٌ في أعناقنا فلئن حملناها وأديناها : علماً وعملاً وتعليماً فقد أدينا الأمانة ونصحنا الأمة ، وإلا فقد تحقق قول الله تعالى:
  ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  [الروم:41]
  أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.
خطبة الجمعة 9/1/2009