الخميس 19 كانون ثاني 2017

فنون الذوقيات والإتيكيت الإسلامي

الثلاثاء 12 جمادى الأولى 1430 / 05 أيار 2009

 فنون الذوقيات والإتيكيت الإسلامي

محاضرة للدكتور محمد خير الشعال   أُلقيت في مجمع بدر الدين الحسني يوم  الاثنين: 25/8/2008

بسم الله الرحمن الرحيم


مقدمة:
أمر الإسلام بحسن الخلق ورتب عليه أجراً عظيماً ومقاماً كريماً، وعليه التزم الصحابة والتابعون بالخلق الحميد والذوق الرفيع بل سطروا نماذج راقية فيما هو فوق الأخلاق من سمو المشاعر ودقة الأحاسيس وذوقيات قلما تجد لها مثيلاً في التاريخ، ومضت الأيام تلو الأيام حتى وصلت البشرية إلى حالة يرثى لها من سوء الخلق وانعدام الذوق إلا من رحم الله تعالى وقليل ما هم، مما كان له الأثر الكبير في تنافر القلوب وتخاصم النفوس وانتشار الحدة في التعامل وقلة الذوق في السلوك، فرأيت أن أبين كيف ربى الإسلام الأمة على الذوق الرفيع فوق الخلق الحسن. فلعل مع زحمة الحياة أن تهمل هذه الذوقيات ومع النظرة السطحية ألا تستوعب، ومع ما جبلنا عليه من طبائع مختلفة أن يغلب الطبع ومع الخلل في التركيبة السكانية أن تتلاشى حتى نلطف الأجواء بسلوك الروح ونفحات الأخلاق .

أبرز أسباب وجود سلوكيات بعيدة عن الذوق السليم:

الأول: غياب التربية الإسلامية:

إن تغييب التربية الإسلامية عن محاضن الجيل أفضى إلى سلوكيات مخدشة وتصرفات مؤذية واستمراء للبذاءة، ذلك أن تغييب التربية الداعية إلى إخراج آكل الثوم والبصل مع حلهما ونفعهما من أطهر مكان وأعظم عبادة وأرقى صورة للجماعة والتعاون ألا وهي صلاة الجماعة لا لشيء إلا لأنه يؤذي برائحتهما من حوله، ومثل هذه المعاني الذوقية كثير، إن هذا التغييب مقدمة نتائجها واقع الحال.

الثاني: غياب القدوة:

إن الجيل الذي يتقلب في مواقف يرى في أغلبها قلة الذوق في القدوات سيكون أبعد ما يكون عن الخلق بل الذوق، هذا الجيل الضحية كيف بعد هذا نطالبه بترجمة المعاني الذوقية ولم يتشربها بل لم تعرض عليه قط بل رأى عكسها تماماً، بدءاً من والد يتعاطى الدخان، ووالدة ترمي القمامة في الطرقات، ومدرس يتلفظ بقبيح القول وسيء العبارة، وواعظ لا يلتفت إلى ذوقيات الدعاة في مظهره ولا في أسلوبه.

الثالث: سلبية المؤسسات الفاعلة في المجتمع:

الأهلية منها والرسمية الإيجابية منها والسلبية، فانظر إلى بعض مطاراتنا ومدارسنا ودوائرنا سترى دورات المياه فيها مثلاً تدعو إلى قضاء الحاجة واقفاً كاشفاً للعورة، وبعض الوسائل الإعلامية تهون من تداول الكلمة النابية وتشعل الخيال الماجن وتزرع قنابل موقوتة وتثير ما لا يحمد إثارته.

الرابع: عدم تهذيب الطبائع:

تقر التربية الإسلامية اتصاف الناس بطبائع متفاوتة ولأسباب متعددة منها اختلاف البيئات، فالأعرابي غير القروي، غير البحري، غير المدني، ومنها اختلاف الأجواء فأهل البلاد الحارة غير أهل البلاد الباردة غير أهل البلاد الرطبة، ومنها اختلاف الأطعمة، فآكلوا اللحوم غير آكلي الأسماك، غير آكلي الخنازير، ومنها اختلاف المهن، فطبائع السماك غير طبائع النجار غير طبائع الحجام، ومنها اختلاف الأعراف.

 

التربية الذوقية في التعاليم الإسلامية أصيلة غير متكلفة ولا طارئة، بل قامت على أسس ومن أهم هذه الأسس:

أسس التربية الذوقية:


 
أ- الأمر بالخلق الحسن:

إن جملة الأوامر في الكتاب والسنة الداعية إلى حسن الخلق كثيرة جداً، بل في غير ما موضع تقرن النصوص بين الإيمان والخلق فكأنها تقول لا إيمان لمن لا خلق له، متى ما التزمت الأمة بالأخلاق الحميدة ارتقى السلوك بعطر الأخلاق ونفحات الروح.

 ب- النهي عن سوء الخلق:

ببيان أنه من علامات نقص الإيمان بل في غير ما نص غدَ صاحبه من أهل النار فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلاَنَةَ تَذْكُرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاَتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِى جِيرَانَهاَ بِلِسَانِهَا قَالَ « هِيَ فِي النَّارِ » (مسند الإمام أحمد) وبهذا النهي يرقى السلوك أكثر.

ج- التحذير من الأذى:

حرم الإسلام الأذى بكل صوره حتى عد المؤذي للحيوان من أهل النار كما في قول رسول الله r: « دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا - أَوْ هِرٍّ - رَبَطَتْهَا فَلاَ هِي أَطْعَمَتْهَا وَلاَ هِي أَرْسَلَتْهَا تُرَمِّمُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلاً » (رواه مسلم)، هذا التحريم الشديد للإيذاء يدعو المسلم إلى تجنب الإيذاء صغيراً كان أم كبيراً، في حق الناس! كان أم الحيوان أم النبات، حتى الجماد، ومن خلال هذا الأساس التربوي يرقى السلوك أكثر فأكثر.

د- إقرار الأعراف الحميدة:

إن التربية الإسلامية تقر الناس على أعرافهم ما لم تخالف الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة، وعليه فهي تربي المسلم على مراعاة أعراف الناس، وهذا أساس أصيل في بناء التربية الذوقية.

هـ- تميز الشخصية المسلمة:

عمق الإسلام في الشخصية الإسلامية مبدأ التمايز فليس المؤمن بالإمعة ولا التابع بل هو المتبوع ولأجل ذلك حرم الإسلام التشبه باليهود والنصارى وغيرهم بل صرح بالمخالفة لتبقى الذات المسلمة متميزة في سلوكها، وهذا المعنى من شأنه أن يرقى بالسلوك أكثر.

 وعليه فمن المليح جداً بيان جوانب الذوق في التربية الإسلامية في المأكل والمشرب والملبس والمجلس والمعايشة والحديث والمصافحة والضيافة والمنظر والزيارة والمراسلات والمهاتفة وغيرها كثير.

 ذوقيات المظهر العام:


الرائحة الزكية :
إذا شم أحد رائحة غير طيبة من آخر قطب عن جبينه وسد أنفه ويكاد يغمض عيناه، وبتلقائية يصد يمنة أو يسرة، كل هذه النفرة بسبب الرائحة غير الزكية، هذا وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: « كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِىَّ -r- بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ ، حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ » (رواه البخاري)، ولا بد من السعي لإزالة روائح الجسم، فعن عائشة رضي الله عنهـا أنها قالت: إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَسْكُنُونَ الْعَالِيَةَ فَيَحْضُرُونَ الْجُمُعَةَ وَبِهِمْ وَسَخٌ فَإِذَا أَصَابَهُمْ الرَّوْحُ سَطَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ فَيَتَأَذَّى بِهَا النَّاسُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ r فقال: « أَوَ لَا يَغْتَسِلُونَ » ( رواه النسائي ).

إكرام الشعر
المسلم مدعو إلى أن يكرم شعره، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أرجل رأس رسول الله r وأنا حائض " (رواه البخاري)، ورأى الرسول-r رَجُلاً شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ فَقَالَ:

 « أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ »  (رواه أبو داود)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي r:« نَهَى عَنِ الْقَزَعِ »  (رواه البخاري) والقزع هو حلق بعض الرأس وترك بعضه ( المارينز ).

الفطرة :
طول الأظفار مدعاة لتجمع الوسخ تحتها، ومظنة الإيذاء ومخالفة للفطرة، كما بين رسول الله r فيما يرويه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r قال: "من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب (رواه البخاري).
اللحية :

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: « انْهَكُوا الشَّوَارِبَ ، وَأَعْفُوا اللِّحَى » (رواه البخاري)، وكانت سيدتنا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذا أقسمت قالت أحياناً: والذي أكرم الرجال باللحى، فمن جمال الرجولة وحسن الطلعة وهيبة المنظر إعفاء اللحية.

الثياب الطاهرة :
إن حال الثوب دليل على صاحبه، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ورأى- أي الرسول r - رجلا آخر وعليه ثياب وسخة، فقال: " أما كان هذا يجد ماءاً يغسل به ثوبه ! ، وعن عوف بن مالك t أنه قال: أتيت النبي-r : في ثوب فقال: " ألك مال، قال نعم، قال: من أي المال، قال، قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: فإذا أتاك الله مالاً فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته ! ، وروى وكيل عن ابن مسعود t أنه "كان يعجبه إذا قام إلى الصلاة الريح الطيبة والثياب النقية" وقال الميموني: "ما رأيت أحداً أنظف ثوباً ولا أشد تعاهداً لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ولا أنقى ثوباً وأشد بياضاً من أحمد بن حنبل، وقال محمد الغزالي رحمه الله: "وبعض حديثي التدين يحسبون فوضى الملابس واتساخها ضرباً من العبادة وربما تعودوا ارتداء المرقعات والتزين بالثياب المهملة ليظهروا زهدهم في الدنيا وحبهم للآخرة، وهذا من الجهل الفاضح بالدين والافتراء على تعاليمه ".

الأبيض :
يا حبذا الأبيض من الثياب، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال، قال رسول الله r:

" البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم" ، هذا وقد ثبت أن الرسول r لبس الأبيض وغيره، والعرف هنا يلتفت إليه ما لم يخالف السنة، قال ابن حجر: قال الطبري: " الذي أراه، جواز لبس الثياب المصبغة بكل لون إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعاً بالحمرة ولا لبس الأحمر مطلقاً فوق الثياب لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا فإن مراعاة زي الزمان من المروءة ما لم يكن إثماً وفي مخالفة الزي ضرب من الشهرة" .

النعل الحسنة :
يا حبذا المحافظة على النعل نظيفاً واختياره جميلاً بعيداً عما يخدش الرجولة من رسومات أو ألوان غير لائقة أو كعب مخل، واحذر إصدار أصوات عند المشي تصف صاحبها بالسفه والحماقه، هذا ولقد صرح صحابي ووافقه الرسول r بحب الإنسان أن يكون نعله حسنة، فعن أبي مسعود t عن النبي r قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنه ، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس)) ".

غطاء الرأس :
ومن حسن المظهر تغطية الرأس إلا إذا كان مخالفاً للعرف، قال ابن مفلح: "ويكره له كشف رأسه بين الناس وما ليس بعورة مما جرت العادة بستره ".

الجيب :
ومن حسن المظهر أن يرتب المرء، ما في جيبه لا أن يجعل الجيب منتفخاً بحمله حاجيات هو في الحقيقة غير محتاج لأكثرها ثم لعله لسوء ترتيبه أن يبحث عن شيء عنده فلا يجده، وإذا غضب أصدر عبارات أو تصرفات غير لائقة.

الترتيب :
إن الانتباه إلى وضعية الثياب أمر مهم جداً وعكس ذلك مخدش جداً، فكما هو مشاهد أن البعض ينسى ربط أكمامه فيبدو كالمهرج وغيره لا ينتبه إلى أزرار سرواله وآخر يؤخر عقاله وغيره يميله جهة اليمين أو الشمال.

الحقيبة :
البعض يحمل أوراقه بطريقة مزعجة له ومخدشة بمظهره وموحية بالفوضى والحماقة، وقد تسقط ولمرات كثيرة وفي كل مرة يقف ليتناولها من الأرض وهكذا يضجر ويتبع الضجر خروج عن الرزانة إلى الخفة، كان الأجدى بهذا أن يقتني حقيبة يضع فيها ما يريد وبذلك يحقق أكثر من هدف، ولكن انتبه يرحمك الله ألا تكون الحقيبة غير مناسبة لعمرك ولوضعك الاجتماعي أو عليها رسومات مخلة أو دعاية لحرام، ومن جمال المظهر ما قاله النووي رحمه الله: "التأني في الحركات، واجتناب العبث هو السكينة المحمودة، أما غض البصر وغض الصوت وعدم الالتفات فهو الوقار" ، ولكن احذر هداك الله من الثقل والورع المتكلف والحركة وكأنك رجل آلي، فإن هذا مما ينفر الناس.

ذوقيات الالتقاء:


البشاشة :
من الأهمية بمكان أن تعلوك البشاشة وهي من بش يبش وبشاشة والبشاشة طلاقة الوجه والإقبال على الرجل قيل هو أن يضحك له وقيل فرح الصديق بالصديق ولقاؤه لقاء جميلاً وبشاشة اللقاء الفرح بالمرء والانبساط إليه والأنس به، وهكذا كان رسول الله r أكثر الناس تبسماً وضحكاً في وجوه أصحابه وهذا ما يشهد به جرير t حيث قال: "وكان لا يراني بعد ذلك إلا تبسم في وجهي- يعني الرسول r- "، وبه أمر كما في قول رسول الله r: "أن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك"، وقال r: "إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وقال r: تبسمك في وجه أخيك لك صدقة "، قال بعض الشعراء:

أزور خليلي ما بدا لي هشـه                  وقابلني منـه البشاشـة والبشر

فإن لم يكن هش وبش تركته                  ولو كان في اللقيا الولاية والبشر

ولكن انتبه من دوام البشاشة فإن فاعل ذلك ينسب إلى الحمق إلا أن تكون خلقة جبل صاحبها عليها قال رسول الله r: " لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ".

من جاء إليك فرح إليه:
ومن الذوق بعد البشاشة أن لا أصد عن مقبل إلي قاله ابن عباس رضي الله عنهما: "لجليسي علي ثلاث: ".. أن أرمقه بطرفي إذا أقبل "، ومن الذوق إذا خطا نحوك أن تخطو نحوه لا أن تقف تريد منه ما لا ترضاه منك فإن هذا من علامات الغرور والعجب، قال الشافعي رحمه الله: "من جاء إليك فرح إليه ".

إفشاء السلام :
ومن الذوق عند اللقاء إفشاء السلام لقول رسول الله r:" إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه" ، والمبادرة بالسلام لها أجرها عند الله تعالى لقوله r: "إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام "، ولا تشترط المعرفة حتى تسلم فهذا رجل يسأل رسول الله r أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف "، والسلام مما يزيد في الوئام، قال الفاروق عمر بن الخطاب t:"ثلاث يصفين لك ود أخيك، أن تسلم عليه إذا لقيته".

المصافحة :
ومن الذوق أن يصافح المسلم أخاه، لقول النبي r: "إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر". وقال r: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا كفر لهما قبل أن يفترقا"، وقال الحسن البصري: "المصافحة تزيد في الود" .

لا ينزع يده :
يلفت رسول الله r أنظارنا إلى مسائل مهمة عند المصافحة من شأنها أن تعمق المودة، فقد كان رسول الله r: "إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه ".

المناداة بأحب الأسماء :
ومن الذوق المناداة بأحب الأسماء أو بما هو من دواعي سرور الطرف الآخر أو تفاخره، عن حنظلة بن حزيم قال: "كان رسول الله r يعجبه أن يدعو الرجل بأحب أسمائه إليه وأحب كناه "، وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا حيا ابن جعفر t قال: "السلام عليك يا ابن ذي الجناحين ".

السؤال عن الحال :
ومن الذوق عند اللقاء السؤال عن الحال، عن جابر بن عبد الله t قال: "كيف أصبحت يا رسول الله r قال: "بخير"، ولكن الإطالة والإكثار في السؤال عن الأحوال والأخبار خروج عن الذوق كما في ذلك تدخل فيما لا يعنيه، وقد قال r: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، أو مضيعة للوقت، قال سفيان الثوري لرجل قال له: "السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته، كيف أنت وكيف حالك، فقال سفيان: عافانا لله وإياك لسنا أصحاب تطويل ".

مراعاة الحال :
ومن اللطافة واللباقة أن يراعي المسلم عند الالتقاء ظرف وشعور الآخر، بمعنى إذا التقى بمن تزوج حديثاً أظهر له السرور والطرفة والدعابة وإذا التقى بمن توفي له قريب أظهر له التأثر والحزن والمواساة، وهكذا وعكس هذا قادح في المروءة.

ذوقيات الحديث:


لا تزكوا أنفسكم :
مما يستهجن أن يمدح المتحدث نفسه ويكثر من ذكر إنجازاته ولقائه بعلية القوم وكثرة ارتباطاته وعظيم فضله وحبه لخدمة الناس وقضائه لحاجات العشرات، قال سبحانه وتعالى:

 { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى }.

تعميم النظر :
توزيع النظر وتعميمه على وجوه من تحدث مهم حتى لا يشعر فريق بالاهتمام الكامل وآخر بالإهمال المطلق، ثم قد تحرج حياء من تركز عليه دون الآخرين خاصة إذا كان أصغرهم، عن حبيب بن أبي ثابت قال: "كانوا يحبون إذا حدث الرجل ألا يقبل على الرجل الواحد ولكن ليعمهم ".

واغضض من صوتك:
في رفع الصوت رعونة وإيذاء إلا ما دعت إليه الحاجة،قال سبحانه: ) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير(، والتكلف في ذلك مذموم، قال الفاروق عمر t لمؤذن تكلف رفع الآذان بأكثر من طاقته: "لقد خشيت أن ينشق
 مريطاؤك "- المريطاء ما بين السرة إلى العانة-.

طيب رائحة الفم:
المحافظة على رائحة الفم طيبة من دواعي تركيز المستمع وقبوله، وإلا فرائحة الفم غير الزكية مدعاة للانقباض والانزعاج والرغبة في إنهاء الموقف، وإن كان الكلام أحلى من العسل، ولتحقيق ذلك أعني الرائحة الزكية، حث الرسول r على السواك ونهى عن أكل ما فيه رائحة نفاثة ثم الاجتماع بالناس كما في قوله r: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو قال: فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته".

تجنب الجشاء:
وليحذر المتحدث الانبساط في جشائه فصوته مزعج مخدش ورائحته غير مقبولة البتة، قال الإمام أحمد: "إذا تجشأ الرجل ينبغي أن يرفع وجهه إلى فوقه لكيلا يخرج من فيه رائحة يؤذي بها الناس ".

عدم احتكار الحديث :
مما لا يليق أن يحتكر امرئ الحديث عن الآخرين، فإن الكلام إذا احتكر يرفض في الغالب، قال الماوردي: "واعلم أن للكلام شروطاً أربعة: متى أخل المتكلم بشرط منها فقد أوهن فضيلة باقيها، فالشرط الأول: أن يكون الكلام لداع يدعو إليه إما في اجتلاب نفع أو دفع ضر، والشرط الثاني: أن يأتي في موضعه، والشرط الثالث: أن يقتصر منه على قدر حاجته، والشرط الرابع: أن يتخذ اللفظ الذي يتكلم به ".

عدم المبالغة حركة الأيدي :
إن كثرة حركة الأيدي والأطراف عند الحديث مؤشر على الخفة والتهريج إلا أن تكون خلقة، إلا أنا ندعو المجبول عليها مدافعتها ما أمكن، ولا أعني بقولي هذا ألا يعزز المتحدث كلامه بالمعقول من حركة الأيدي والأطراف، فلقد وصلتنا أحاديث صحيحة تبين أن رسول الله r شبك بين أصابعه وأشار بالسبابة وغيرها.

حسن اختيار الموضوع:
حسن اختيار الموضوع منجاة، قال كرم الله وجهه علي بن أبي طالب t: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله "، فللأطفال ما يناسبهم وللكبار ما يلائمهم وللنساء مقال يختلف في بعضه عن مقال الرجال وللأعراب طرح غير طرح المدنيين وهكذا....

كلنا ذوو خطأ :
اقبل تصحيح خطأ وقع في حديثك إذا نبهك أحد إليه فإن رفضك دليل غرور وعجب، وتقبل النقاش بصدر رحب.

تجنب المجادلة :
لا تطل الحديث مع مجادل فإنها مدعاة للاستخفاف بك واستغضابك وتمكين الأحمق والظن بعلمك.

الإشارة :
لا تؤشر إلى الجلوس في حديثك حتى لا يظن ظان أنك تقصد من أشرت إليه بمنقصة أو تهمة.

تجنب الزبد :
انتبه ألا ترغي وتزبد ويتطاير لعابك في وجوه القوم، فرذاذ الفم وسخ مستقذر، فإن صاحبه رائحة غير مقبولة أدى إلى الانزعاج والانقباض وهما سبب عدم التركيز وبالتالي انعدام الفائدة.

ترك الهذر :
لا يدعك حسن استماع الناس إليك إلى انبساطك في الحديث واسترسالك فيه، قال أبو عثمان الجاحظ: "للكلام غاية ولنشاط السامعين نهاية وما فضل عن الاحتمال دعا إلى الاستثقال وذلك الفاضل هو الهذر"، واحذر التشدق فإنه واضح وصاحبه مفضوح مرفوض.

اللهجة :
من غير المناسب تكلف لهجة غير اللهجة الأصلية للمتحدث فقد ورد ذم التكلف والنهي عنه كما في قوله تعالى: {.. وما أنا من المتكلفين}، إلا إذا دعت الضرورة إليها.

المؤثرات الصوتية :
اجعل صوتك منسجماً مع حديثك، فارفعه واخفضه على ما يقتضيه الموقف وسرعه وبطئه على ذلك.

احذر البذاءة :
احذر الكلمات المستهجنة والسوقية البذيئة

قال الإمام الغزالي مبيناً معنى البذاءة: "هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة وأكثر ذلك يجري في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه وأهل الصلاح يتحاشون عنها بل يكنون عنها ويدلون عليها بالرمز، وليس يختص هذا بالوقاع بل بالكناية بقضاء الحاجة، وكذلك من به عيوب يستحيا منها فلا ينبغي أن يعبر عنها بصريح لفظها.

ترك الثرثرة :
البعض يكثر من الكلام فيما لا يضر الجهل به ويدخل بذلك في دائرة الثرثرة، وقد نهينا عنها والذي يكثر كلامه سيكثر خطأه لا محالة، وقد يتمادى إذا وجد استئناساً من البعض فيلج باب الغيبة والنميمة والسخرية، عن أبي هريرة t قال: "لا خير في فضول الكلام ".

عدم المداخلة – لا تقطع حديث جليسك :
قال ابن الجوزي: "وإذا روى المحدث حديثاً قد عرفه السامع فلا ينبغي أن يداخله فيه،

قال عطاء بن أبي رباح:"إن الشاب ليحدثني بحديث فأستمع له كأني لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد".

الصمت :
الصمت في مواقف كثيرة خير من الكلام، فانتبه- يرحمك الله-:

        انطق مصـيباً لا تـكن هـذرا               عـيابة نـاطقاً بالفحش والريب

       وكن رزيناً طويل الصمت ذا فكر               فإن نطقت فلا تكثر من الخطب

وقال شاعر آخر:     

الصمت أجمل بالفتى                    من منطق في غير حينه

 ذوقيات المجاملة الشرعية:


إن المجاملة اللطيفة تضفي على الحياة جو المحبة والأنس واللطافة بشرط تجنب التملق والنفاق والثقل وفي إحياء هذه المجاملات تربية على حس ذوقي رائع، وفي إهمالها جفاء لا يليق، وهذا ما أشار إليه الماوردي، قال رحمه الله:

"البر هو المعروف ويتنوع نوعين قولاً وعملاً، فأما القول فهو طيب الكلام وحسن البشر والتودد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق ورقة الطبع ويجب أن يكون محدوداً كالسخاء، فإن أسرف فيه كان ملقاً مذموماً، وإن توسط واقتصد فيه كان معروفاً محموداً".

وإليك هذه النماذج من أدب المجاملات:

فدَيتك :
قولك لأخ لك فداك أبي وأمي، كما قال الرسول r لسعد يوم أحد: « ارْمِ فِدَاكَ أَبِي
 وَأُمِّي » (البخاري ومسلم).

مرحباً :
قولك مرحباً: فقد بوب البخاري فقال: باب قول الرجل مرحباً، وفيه قالت عائشة رضي الله عنها قال النبي r لفاطمة: « مَرْحَبًا بِابْنَتِى » (البخاري ومسلم)

 أستودعك الله :
ومن الذوق أن تودع من يفارقك، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان النبي r إذا ودع الرجل أخذ بيده فلا يدعها حتى يكون الرجل هو الذي يدع يد النبي r ويقول:
 « أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دَيْنَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ » ( مسند أحمد )، ويرد الآخر قائلاً:
 « أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لاَ تَضِيعُ وَدَائِعُهُ » ( سنن ابن ماجه ).

 يرحمك الله :
ومن المجاملة إذا عطس عاطس أن يقال له:يرحمك الله وأن يرد عليهم بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم، فعن أبي هريرة t عن النبي r قال: « إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ . وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ . فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ . فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ » (البخاري).

ولك مثله :
إذا طعمت عند أخ لك قلت: « أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ » (الترمذي) ويرد عليه صاحب المنزل بقوله: "ولك مثله ".

 شكراً :
إذا قدم أحدهم لك خدمة فاشكره، فعن أبي هريرة t عن النبي r قال: « لا يشكر الله من لا يشكر الناس » (الأدب المفرد وسنن البيهقي ومسند أحمد)، و عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِىِّ -r- قَالَ « مَنْ أُعْطِىَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ » (سنن أبي داود والترمذي)

 ذوقيات الاستئذان و الزيارة:


- ألا يرسل المستأذن نظره إلى داخل البيت .

- ألا يبقى في الاستئذان طويلا يطرق الباب ساعة أو يضغط على الجرس عدة مرات.

- ألا يقف المستأذن مستقبلا الباب لئلا يرى أسرار البيت وعوراته.

- أن يكون الطرق على الباب معقولا.

- إذا سُئل عن هويته يبين بما يزيل الغموض فلا يرد ب "أنا"مثلا.

- الاستئذان إذا أراد الدخول على محارمه.

- أن يقدم المستأذن السلام قبل أي شيء يقوله.

- ألا يرد على الاتصالات الواردة على رب البيت من غير طلب الأخير من ذلك.

- حبذا لو يحمل الزائر معه هدية لمن يزور"تهادوا تحابوا".

- غض بصرك فلا تتفقد البيت تفقد الفاحص أو أن تفتح المغلق.

- يكره الاتكاء الذي يخرج به عن مستوى الجلوس إلا مع العذر.

- لا تجلس بين اثنين بغير إذنهما.

- إذا تكشف لك بغير عمد عورات البيت أو مشاكله فاستر ولا تنشر.

- لا يدعك ارتياح أهل البيت إلى طول المكث .

- إذا زرت مريضا فارفع من معنوياته .

- من الذوق اختيار الوقت المناسب للزيارة.

- إذا كانت الزيارة في مرافق عامة فعلى الزائر مراعاة القوانين الخاصة بالمرفق.

ذوقيات الموائد:


- من غير اللائق الأكل من وسط الطعام أو من يمين أو يسار.

- ليس من المروءة أن يعيب الإنسان طعام لا يستسيغه أو يجهله أو لا يتقبل رائحته أو مظهره.

- لا تسأل صاحبك عن شئ وهو يمضغ الطعام وإنما انتظره حتى ينتهي ، ولا يتكلم أثناء الطعام عما يحزن أو ما يضحك.

- عدم النظر إلى الآكلين.

- إذا دعيت إلى مائدة فأت في والوقت المحدد فلا تبكر ولا تتأخر.

- لا مصافحة على الطعام.

- إذا دعيت إلى مائدة وتعذر ذهابك إليها فاعتذر إلى المضيف قبل فترة كافية.

- يجب حسن مناداة الخادم أو الجرسون والتعامل معه.

- إذا دعوت قوما إلى مطعم فحاول هدك لا يعلم القوم قيمة الفاتورة كي لا يحسوا بالإحراج إذا كانت باهضة.

ذوقيات الأسواق و الطريق:
- إلقاء السلام على من تلقى من الناس.

- أن يكون المشتري سمحا رفيقا رحيما.

- من غير اللائق تعييب بضاعة البائع والاستخفاف بها ،فاشتر أو انصرف.

- التواعد للالتقاء في محلات وهذا مخدش ومزعج.

- من غير اللائق اتخاذ الطرقات مجالس.

- من غير اللائق الذهاب إلى المحلات قبل إغلاقها بقليل فيسبب ذلك إزعاج إلى صاحب المحل.

ذوقيات البيئة:


الركائز الإسلامية لرعاية البيئة :

التشجير والتخضير :

يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من نصب شجرة ، فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر ، فإن له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة عند الله عزّ وجل " ( رواه أحمد)

 العمارة والتثمير :

ويأتي في مقدمتها إحياء الأرض الموات وتثمير الثروات وتنمية الموارد ، ولذلك اعتبر الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه الذريعة إلى مكارم الشريعة أن عمارة الأرض احد مقاصد خلق الإنسان ، ولذا كان الحديث النبوي " من أحيا أرض ميتة فهي له "  ( رواه أبو داود )