السبت 19 آب 2017

بحث مختصر في حكم مصافحة الرجل المرأة الأجنبية

الثلاثاء 16 ربيع الثاني 1434 / 26 شباط 2013

اتفق علماء الأمة من السلف والخلف من أهل التفسير والحديث والفقه وغيرهم على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية، ولم يعرف لهم مخالف على مرّ العصور والأزمان -فيما أعلم- إلَّا ما أحدث في هذا العصر من قول شاذّ يرى صاحبه أن مصافحة المرأة الأجنبية من قبيل المباح كما سيأتي.
وهذه أقوال العلماء في هذه المسألة من أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم، يبيِّنون فيها أن مصافحة المرأة الأجنبية حرام شرعاً للأدلة التي سنذكرها بعد ذلك:
•    أقوال علماء المذاهب الأربعة:
-    أقوال الحنفية:
1)    قال الإمام المرغيناني صاحب كتاب الهداية: "ولا يحلّ له أن يمسَّ وَجْهَهَا -يعني المرأة- ولا كفّيها وإنْ كان يأمَن الشَّهوة".
2)    وقال الإمام السمرقندي: "وأما المسُّ فيحرم سواءٌ عن شهوةٍ أو عن غيرِ شهوةٍ وهذا إن كانت شابة؛ فإن كانت عجوزاً فلا بأس بالمصافحة إن كان غالب رأيه أنَّه لا يَشتهي، ولا تحلُّ المصافحة إن كانت تشتهي وإن كان الرجل يشتهي".
3)    وقال ابن مودود صاحب الاختيار: "ولا يُنظَر إلى المرأة الأجنبية إلا إلى الوجه والكفين إن لم يخَف الشهوة، فإن خاف الشهوة فلا يجوز إلا للحاكم والشاهد، ولا يجوز أن يمسّ ذلك وإنْ أمِن الشهوة".
4)    وقال الحصفكي صاحب الدرّ المختار: "فلا يحلُّ مسُّ وجهها وكفها -يعني المرأة- وإنْ أمِن الشهوة".
5)    وقال الزيلعي: "ولا يجوز له أن يمس وجهها ولا كفيها وإنْ أمِن الشهوة لوجود المحرّم وانعدام الضرورة والبلوى".
6)    وقال الكاساني: "وأمَّا حكم مس هذين العضوين -الوجه والكفين- فلا يحلّ لمسهما".
7)    وقال الكليبولي في مجمَع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: "ولا يجوز مسّ ذلك أي الوجه والكفين وإنْ أمِن الشهوة إن كانت المرأة شابة، ولأن اللمس أغلظ من النظر؛ لأن الشهوة فيه أكثر، ويجوز مسه إن كانت عجوزاً لا تُشتَهى لانعدام خوف الفتنة، أو هو شيخ يأمن على نفسه وعليها، وإن كان لا يأمن نفسه أو عليها لا يحلّ له مصافحتها، لما فيه من التعرض للفتنة".
-    أقوال المالكية:
1)    قال الإمام ابن العربي: "قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا}، عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم  يمتحن إلَّا بهذه الآية {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ..}، قال معمر: فأخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: ما مسَّت يده يدَ امرأة إلا امرأة يملكها. وعن عائشة -رضي الله عنها- أيضاً في الصحيح: ما مسَّت يدُ رسول صلّى الله عليه وسلّم يدَ امرأة، وقال: «إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِيْ لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ». وقد روي أنَّه صافحهنّ على ثوبه. وروي أن عمر صافحهنّ عنه وأنَّه كلف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهنّ، وذلك ضعيف وإنما ينبغي التَّعويل على ما روي في الصحيح".
2)    وقال الإمام ابن العربي أيضاً: "كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يصافح الرجال في البيعة تأكيداً لشدة العقدة بالقول والفعل، فسأل النساءُ ذلك، فقال لهن: «قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِيْ لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» ولم يصافحهنّ لما أوعز إلينا في الشريعة من تحريم المباشرة لهن، إلا مَن يحلّ له ذلك منهن".
3)    وقال الباجي: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنِّيْ لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ» لا أباشر أيديهنّ بيدي. يريد -والله أعلم- الاجتناب، وذلك أن حكم مبايعة الرجال المصافحة، فمنع ذلك في مبايعة النساء لما فيه من مباشرتهن.
-    أقوال الشافعية:
1)    قال الإمام النووي: "... وينبغي أن يحترز من مصافحة الأمرد الحسن الوجه؛ فإنَّ النظر إليه حرام...، وقد قال أصحابنا: كل مَن حَرُمَ النظر إليه حَرُمَ مسُّه، والمس أشدّ؛ فإنه يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها وفي حال البيع والشراء الأخذ والعطاء ونحو ذلك، ولا يجوز مسّها في شيء من ذلك".
2)    وقال الإمام النووي أيضاً بعد أن ذكر حديث عائشة -رضي الله عنها-: «لا والله ما مسَّت يده صلّى الله عليه وسلّم يد امرأة في المبايعة قطّ، ما يبايعهنّ إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك» [رواه البخاري]، قال النووي: "فيه أن بيعة النساء بالكلام، وفيه أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة، وأن صوتها ليس بعورة، وأن لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة كتطبيب وفصد".
3)    وقال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث -حديث عائشة- أن كلام الأجنبية مباح سماعه، وأن صوتها ليس بعورة، ومَنْعَ لمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة لذلك".
4)    وقال الحافظ ابن حجر أيضاً: "ويستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأةُ الأجنبية والأمردُ الحسن".
5)    وقال العلامة الحصني: "واعلم أنه حيث حَرُمَ النظر حَرُمَ المسّ بطريق الأولى؛ لأنه أبلغ لذة".
6)    وقال الحافظ العراقي: "وفيه -حديث عائشة- أنه صلّى الله عليه وسلّم لم تمسّ يدُه قطّ يدَ امرأة غير زوجاته وما ملكت يمينه لا في مبايعة ولا في غيرها، وإذا لم يفعل هو ذلك مع عصمته وانتفاء الريبة في حقه فغيره أولى بذلك، والظاهر أنه كان يمتنع من ذلك لتحريمه عليه...".
7)    وقال الحافظ الحازمي: "ورَدَت في الباب أحاديث ثابتة تصرّح بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يصافح امرأة أجنبية قطّ في المبايعة، وإنما كان يبايعهنّ قولاً...".
8)    وقال الشيخ برهان الدين الجعبري بعد أن ساق حديث «إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ... »: "وهذا صحيح يدلّ على حرمة مصافحة النساء في المبايعة وغيرها".
-    أقوال الحنابلة:
•    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ويَحرُم النظر بشهوة إلى النساء والمردان، ومَن استحلَّه كَفَرَ إجماعاً، ويحرم النظر مع وجود ثوَران الشهوة وهو منصوص الإمام أحمد والشافعي..، وكلّ قسم متى كان معه شهوة كان حراماً بلا ريب سواء كانت شهوة تَـمَتُّع النظر أو كانت شهوة الوطء، واللمس كالنظر وأولى".  
•    ونقل ابن مفلح عن محمد بن عبد الله بن مهران أن أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - سُئل عن الرجل يصافح المرأة قال: "لا، وشدَّد فيه جداً"، قلت: يصافحها بثوبه. قال: "لا".
•    وقال السفاريني: "... الشابة الأجنبية تحرم مصافحتها كما في الفصول والرعاية، وجزم في الإقناع كغيره لأن المصافحة شرٌّ من النظر".
•    وقال صاحب منار السبيل: "ويحرم النظر لشهوة أو مع خوف ثوَرانها إلى أحد ممن ذكرنا. ولمسٌ كنظرٍ وأولى؛ لأنه أبلغ منه فيحرم المسّ حيث يحرم النظر".
-    أقوال العلماء المعاصرين:
1)    قال الدكتور وهبي الزحيلي: "وتحرم مصافحة المرأة لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنِّيْ لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ»".
2)    وقال الدكتور محمد عبد العزيز عمرو: "وانعقد الإجماع كذلك على حرمة مصافحة المرأة الأجنبية الشابة".
3)    وقال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: "علمتُ مما ذكرناه من كيفية بيعة النبي صلّى الله عليه وسلّم للنساء أن بيعتهنَّ إنما تكون بالكلام فقط من غير أخذِ الكفِّ، وذلك على بيعة الرجال، فدلَّ ذلك على أنه لا يجوز ملامسة الرجل بشرة امرأة أجنبية عنه، ولا أعلم خلافاً في ذلك عند علماء المسلمين؛ اللهم إلا أن تدعو إلى ذلك حاجة كتطبيب وفصد وقلع ضرس ونحو ذلك".
4)    وقال الشيخ محمد أحمد إسماعيل: "اعلموا أيها المسلمون -رحمنا الله وإياكم- أنه لا يجوز للرجل أن يصافح امرأة أجنبية منه، ولا يجوز له أن يلمس شيءٌ من بدنه شيئاً من بدنها".
5)    وقال العلاَّمة المحدث فضل الله الجيداني: "فالمصافحة سُنَّةٌ مجمَع عليها عند التلاقي، ويستثنى من عموم الأمر المرأة الأجنبية والأمرد".
6)    وقال المحدّث شمس الحق العظيم أبادي: "كان شيخنا العلامة القاضي مولانا بشير الدين بن كريم الدين القنوجي -رحمه الله تعالى- من أشدِّ المنكرين على ذلك -يعني: مصافحة النساء-، وله في ذلك رسالة، وبَسَطَ الكلام في عدم جواز مصافحة النساء، وهو الحق".
7)    وقال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنَّا الشهير بالساعاتي: "وأحاديث الباب تدل على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية ولمس بشرتها بغير حائل".
8)    وقال الشيخ محمد سلطان المعصومي: "إن مصافحة النساء الأجنبيات لا تجوز ولا تحلّ سواء مع الشهوة أو لا، وسواء أكانت شابة أم لا...، وذلك مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء رحمهم الله".
9)    وقال الشيخ محمد علي الصابوني: "وقد كانت بيعة الرجال أن يضع يده في يد الرسول صلّى الله عليه وسلّم ويبايعه على الإسلام والجهاد والسّمع والطاعة، وأما النساء فلم يثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه صافح امرأة ولا أنه وضع يده في يدها، إنما كانت البيعة بالكلام فقط".
ثم قال: "... ولم يثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه صافح النساء في بيعة أوغيرها".
10)    وأجابت اللجنة العامة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية على السؤال التالي: هل يجوز لي أن أسلّم على زوجة خالي -أخي والدتي- مع العلم أنني رضعت مع خالي من جدتي، أم يَحرُم لكون أنها غير محرم لي؟
الجواب: لا يجوز لك أن تمس يدُك يدَ زوجة خالك سواء ثبت رضاعك من جدتك أم لم يثبت لأنك أجنبي، أي لست محرماً، أما سلام السنة الذي باللسان فيجوز، قالت عائشة رضي الله عنها في تفسير آية مبايعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للنساء: «لا والله ما مسَّت يدُه صلّى الله عليه وسلّم يدَ امرأة في المبايعة قط، ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك» [رواه البخاري].
وعن أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها قالت: أتيتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في نساء لنبايعه، قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا، قال: «إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِيْ لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» [رواه أحمد بسند صحيح].
11)    وقد قال بحرمة مصافحة النساء الأجنبيات العلامة الشيخ محمد الحامد، وله رسالة في ذلك بعنوان: "حكم الإسلام في مصافحة المرأة الأجنبية".
12)    وقال الدكتور عبد الكريم زيدان: ومِن عَرضِ أقوال الفقهاء وأدلَّتهم وذِكرِ ما جاء في السنة النبوية الشريفة بشأن المسّ والمصافحة بين الرجل والمرأة الأجنبية يترجح عندي عدم جواز المصافحة بين الرجل والمرأة الأجنبية، سواء بدأ بالمصافحة الرجل أو بدأت بها المرأة، سواء شابين أو عجوزين، أو كان أحدهما شاباً والآخر عجوزاً؛ لأنّ الأحاديث التي ذكرنا وأفادت حظر المصافحة بين الرجل والمرأة الأجنبية جاءت مُطلَقة دون أن يَرِدَ فيها ما يقيد عدم الجواز بالشاب والشابة وجوازها للعجوز.
•    أدلة العلماء على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية
أوَّلاً: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم يمتحنهن بقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ...} الآية. قالت: مَن أقرَّ بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقرَّ بالمحنة، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أقرَرْنَ بذلك من قولهنَّ قال لهن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «انطلقن فقد بايعتُكن». لا والله ما مسَّت يد رسول الله يد امرأة قط، غير أنه يبايعهن بالكلام) [رواه البخاري ومسلم].
وفي رواية للبخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (فمن أقرَّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قد بايعتك» كلاماً، لا والله ما مسَّت يدُه يدَ امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله: «قد بايعتكِ على ذلك»).
وفي رواية أخرى عند ابن ماجه: (ولا مسَّت كفُّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كفَّ امرأةٍ قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهنّ: «قد بايعتكُن» كلاماً).
قال الحافظ ابن حجر: "قوله: «قَدْ بَايَعْتُكِ كَلَامَاً» أن يقول ذلك كلاماً فقط لا مصافحة باليد كما جَرَت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة.
وقال الإمام النووي: "قولها: (والله ما مسَّت يدُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يد امرأة قط، غير أنه يبايعهن بالكلام) فيه أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كفٍّ، وفيه أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام، وفيه أن كلام الأجنبية يباح سماعه، وأن صوتها ليس بعورة، وأنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة كتطبيب وفصد).
ثانياً: عن أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها قالت: (أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في نسوة نبايعه فقلنَ: نبايعك يا رسول الله على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فيما استطعتُنَّ وأَطَقْتُنَّ»، قالت: فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلمَّ نبايعك يا رسول الله. فقال: «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة» [رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد وابن حبان والدار قطني، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحافظ ابن كثير: هذا إسناد صحيح]..
وفي رواية أخرى عند الترمذي: (فقلت: يا رسول الله، بايِعنا -قال سفيان تعني صافِحنا-، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة».
وفي رواية أخرى عند عبد الرزاق: قالت: فقلنا: ألا نصافحك يا رسول الله؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة كقولي لمئة امرأة».
وفي رواية أخرى: (قالت: ولم يصافح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منَّا امرأة) [رواه احمد والحاكم بسند حسن].
وهذا الحديث يبين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يصافح النساء في البيعة، وهو نصٌّ صريح في ذلك، وإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يصافح النساء في البيعة، فمن باب أولى أنه لم يصافح النساء في غير البيعة.
ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كان لا يصافح النساء في البيعة» [رواه الإمام أحمد في المسند، ونقل المناوي قول الهيثمي: إسناده حسن، وقال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي: "وحسَّنه الحافظ والسيوطي"].
رابعاً: روى الإمام الترمذي عن معمر قوله: فأخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: «ما مسَّت يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلاَّ يدَ امرأة يملكها».
وفي رواية عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يأخذ عليهن ويقول: «لا أصافح النساء» [رواه عبد الرزاق].
 خامساً: روى أبو نعيم في المعرفة من حديث نهية بنت عبد الله البكرية قالت: وفَدتُ مع أبي على النبي صلّى الله عليه وسلّم فبايع الرجالَ وصافحهم، وبايعَ النساءَ ولم يصافحهنَّ.
 سادساً: عن عقيله بنت عبيد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا أمسّ أيدي النساء» [رواه الطبراني في الأوسط].
وهذه الرواية وما قبلها تشهد لحديث عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يصافح النساء في البيعة، وهي تؤكد أن عائشة رضي الله عنها لم تنفرد بروايتها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يصافح النساء وأن ذلك مَبلَغ عِلمِ عائشة كما زعم بعض الناس.
سابعاً: عن معقل بن يسار أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لئن يُطعَن في رأس أحدكم بمِخيط من حديد خيرٌ له من أن يمسَّ امرأةً لا تحلُّ له» [رواه الطبراني والبيهقي، وقال المنذري: رجال الطبراني ثقات رجال الصحيح، ورواه الروياني في مسنده، وهذا سند جيد رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين غير شداد بن سعيد فمن رجال مسلم وحده، وفيه كلام يسير لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن...].
والمِخْيَط -بكسر الميم وفتح الياء-: ما يخاط به كالإبرة والمِسَلّة ونحوهما، وفي الحديث وعيد شديد لمن مسَّ امرأة لا تحلّ له، ففيه دليل على تحريم مصافحة النساء؛ لأن ذلك مما يشمله المسّ دون شك.
ثامناً: روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ? أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مُدرِك ذلك لا محالة، فالعينان تزني وزناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدِّق ذلك الفرجُ ويكذِّبه».
 قال الإمام النووي: "معنى الحديث أن ابن آدم قُدِّر عليه نصيب من الزنا، فمنهم من يكون زناه حقيقياً بإدخال الفرج بالفرج الحرام. ومنهم من يكون زناه مجازاً بالنظر الحرام، أو الاستماع إلى الزنى وما يتعلق بتحصيله، أو بالمسِّ بأن يمسَّ بيده أجنبية أو يقبِّلها، أو بالمشي بالرجل إلى الزنى أو النظر أو اللمس أو الحديث الحرام مع أجنبية ونحو ذلك".
تاسعاً: إن الإسلام حرَّم النظر إلى الأجنبية بغير سبب مشروع بل إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد حثَّ المسلم على أن يصرف بصره إذا وقع على امرأة أجنبية، فقد ثبت في الحديث عن جرير بن عبد الله ? قال: (سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن نظر الفجأة فأمرني أن اصرف بصري).
وعن بريده ? قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا عليّ، لا تُتبِع النظرةَ النظرةَ، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة» [رواه أحمد وأبو داوود والترمذي والطبراني والحاكم، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي].
 قال الشوكاني: "وحديث بريدة فيه دليل على أن النظر الواقع فجأة من دون قصد وتعمد لا يوجب إثم الناظر لأن التكليف به خراج عن الاستطاعة، وإنما الممنوع منه النظر الواقع على طريقة التعمُّد، أو ترك صرف البصر بعد نظر الفجأة".
 والأدلة على تحريم النظر إلى الأجنبية بغير سبب مشروع كثيرة، وإذا كان النظر محرَّماً فمن باب أولى اللمس، لأن اللمس أعظم أثراً في النفس من مجرد النظر؛ حيث أن اللمس أكثر إثارة للشهوة وأقوى دايعاً إلى الفتنة من النظر بالعين، وكل مُنصِف يعلم ذلك كما قال العلامة الشنقيطي.
هذه أهمّ الأدلة على حرمة مصافحة المرأة الأجنبية وإن الناظر في هذه الأدلة ليطمئن إلى صحتها وقوّتها في إثبات هذا الحكم الشرعي، ويدفعه ذلك إلى العمل به اقتداءً بسيد الخلق محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأما من كان صاحب هوى أو عصبية ويدعو إلى التحلّل والتنصّل من أحكام الشرع فلا تعجبه هذه الأدلة، وقد جئناه بها ساطعة واضحة كالشمس في رابعة النهار، وسيحاول بشتى الطرق والوسائل أن يتحلل من هذا الحكم الشرعي الثابت تارة بالتأويل الفاسد, وأخرى بالاستدلال الباطل، وثالثة باسم الضرورة أو المصلحة أو نحو ذلك من التعليلات الفاسدة والتخريجات الساقطة.
[المصدر: الأدلة الشرعية على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية للدكتور حسان الدين عفانة، نائب عميد كلية أصول الدين بجامعة القدس]

والحمد لله رب العالمين