الاثنين 22 أيار 2017

بحث مختصر في الأضحية

الاثنين 05 ذو الحجة 1435 / 29 أيلول 2014

تحميل بحث مختصر في حكم الأضحية بصيغة بي دي اف pdf

تعريف الأضحية:

لغةً: الشّاةُ الّتِي تُذبحُ ضحوةً. أو يوم الأضحى.

شرعاً: ما يُذكّى تقرُّبًا إِلى اللّهِ تعالى في أيّامِ النّحرِ بِشرائِط مخصُوصةٍ.

 

مشرُوعِيّةُ الأضحِيّةِ ودلِيلُها:

الأضحِيّةُ مشرُوعةٌ إِجماعًا بِالكِتابِ والسُّنّةِ: أمّا الكِتابُ فقولُهُ تعالى: {فَصَل لِربِّكَ وانحَرْ} [الكوثر: 2] قِيل في تفسِيرِهِ: صلِّ صلاة العيدِ وانحَرِ البُدن.

وأمّا السُّنّةُ فأحاديث كثيرة منها حدِيثِ أنسِ بنِ مالِكٍ رضِي اللّهُ عنهُ أنّهُ قال: ضحّى النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم بِكبشينِ أملحينِ أقرنينِ، ذبحهُما بيدِهِ، وسمّى وكبّر، ووضع رِجلهُ على صِفاحِهِما. [مسلم]

وقد شُرِعتِ التّضحِيةُ في السّنةِ الثّانِيةِ من الهِجرةِ النّبوِيّةِ، وهي السّنةُ الّتِي شُرِعت فيها صلاةُ العِيدينِ وزكاةُ المال.

 

حكمها:

-ذهب جُمهُورُ الفُقهاءِ، ومنهُمُ الشّافِعِيّةُ والحنابِلةُ، وهُو أرجحُ القولينِ عِند مالِكٍ، وإِحدى رِوايتينِ عن أبِي يُوسُف إِلى أنّ الأضحِيّة سُنّةٌ مُؤكّدةٌ. لأدلة؛ منها قولُهُ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ: «إِذا دخلَ العشرُ، وأرادَ أحدُكُم أن يُضحِّي فلا يَمسَّ من شعرِهِ ولا من بشرِهِ شيئًا» [مسلم].

ووجهُ الدّلالةِ في هذا الحدِيثِ أنّ الرّسُول صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم قال: «وأراد أحدُكُم» فجعلهُ مفوّضًا إِلى إِرادتهِ، ولو كانتِ التّضحيةُ واجبةً لاقتصر على قولِهِ: «فلا يمسّ من شعرِهِ شيئًا حتّى يُضحِّي».

ومنها أيضًا أنّ أبا بكرٍ وعُمر رضِي اللّهُ عنهُما كانا لا يُضحِّيانِ السّنة والسّنتينِ، مخافةَ أن يُرى ذلِك واجِبًا. وهذا الصّنِيعُ منهُما يدُل على أنّهُما علِما من الرّسُول صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم عدمَ الوُجوبِ، ولم يُروَ عن أحدٍ من الصّحابةِ خِلافُ ذلك.

-وذهب أبُو حنِيفة إِلى أنّها واجبةٌ. وهذا المذهبُ هو المروِيُّ عن محمّدٍ وزُفر وإِحدى الرِّوايتينِ عن أبِي يوسف. وبه قال ربِيعةُ واللّيثُ بنُ سعدٍ والأوزاعِيُّ والثّورِيُّ ومالكٌ في أحد قوليه. واستدلُّوا على ذلِك بِقولِهِ تعالى: {فَصَل لِربِّكَ وانحَرْ} [الكوثر: 2] فقد قِيل في تفسِيرِهِ صل صلاةَ العِيدِ وانحرِ البُدنَ، ومُطلقُ الأمرِ لِلوُجُوبِ، ومتى وجبَ على النّبِي صلى اللهُ عليهِ وسلّم وجب على الأمّةِ لأِنهُ قُدوتُها.

وبِقول النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم: «مَن كان لهُ سعةٌ ولم يُضحِّ فلا يقربنَّ مُصلاّنا» [ابن ماجه والحاكم ووافقه الذهبي] وهذا كالوعيدِ على تركِ التّضحيةِ، والوعِيدُ إِنّما يكونُ على تركِ الواجبِ.


هل تجب التضحية أو تسن على كل شخص؟

 -الحنفيةُ القائلون بِالوجوبِ يقولون: إِنّها واجِبةٌ عينًا على كل من وُجِدت فيهِ شرائِطُ الوجوبِ.

فالأضحيّةُ الواحدةُ كالشّاةِ وسُبعِ البقرةِ وسُبعِ البدنةِ إِنّما تُجزِئُ عن شخصٍ واحِدٍ.

-وأمّا القائِلُون بِالسُّنِّيّةِ فمنهُم من يقول: إِنّها سنّةُ عينٍ أيضًا، كالقول المروِيِّ عن أبِي يُوسف فعِندهُ لا يجزِئُ الأضحيّةُ الواحدةُ عن الشّخصِ وأهل بيتهِ أو غيرهِم.

ومنهُم من يقول: إِنّها سُنّةُ عينٍ ولو حُكمًا، بمعنى أنّ كُل واحِدٍ مُطالبٌ بِها، وإِذا فعلها واحدٌ بِنِيّةِ نفسهِ وحدهُ لم تقع إِلاّ عنه، وإِذا فعلها بِنِيّةِ إِشراكِ غيره في الثّوابِ، أو بِنِيّةِ كونِها لِغيرِهِ أسقطتِ الطّلب عمّن أشركهُم أو أوقعها عنهُم. وهذا رأيُ المالِكِيّةِ، وإِيضاحُهُ أنّ الشّخص إِذا ضحّى ناوِيًا نفسهُ فقط سقط الطّلبُ عنه، وإِذا ضحّى ناوِيًا نفسهُ وأبويهِ الفقِيرينِ وأولادهُ الصِّغار، وقعتِ التّضحِيةُ عنهم، ويجوزُ لهُ أن يُشرِك غيرهُ في الثّوابِ -قبل الذّبحِ- ولو كانُوا أكثر من سبعةٍ بِثلاثِ شرائِط:

الأولى- أن يسكُن معهُ.

الثّانِيةُ- أن يكُون قرِيبًا لهُ وإِن بعُدتِ القرابةُ، أو زوجةً.

الثّالِثةُ- أن يُنفِق على مَن يُشرِكُهُ وجوبًا كأبويهِ وصِغارِ ولدِهِ الفقراءِ، أو تبرُّعًا كالأغنِياءِ منهم وكعمٍّ وأخٍ وخالٍ. فإِذا وُجِدت هذِهِ الشّرائِطُ سقط الطّلبُ عمّن أشركهُم.

ومن القائِلِين بِالسُّنِّيّةِ مَن يجعلُها سُنّة عينٍ في حقِّ الـمُنفرِدِ، وسُنّة كِفايةٍ في حقِّ أهل البيتِ الواحِدِ، وهذا رأيُ الشّافِعِيّةِ والحنابِلةِ. فقد قالُوا: إِنّ الشّخص يُضحِّي بِالأضحِيّةِ الواحدةِ -ولو كانت شاةً- عن نفسهِ وأهل بيتِهِ.

 

الأضحِيّةُ المنذُورةُ:

اتّفق الفقهاءُ على أنّ نذر التّضحِيةِ يوجِبُها، سواءٌ أكان النّاذِرُ غنِيًّا أم فقِيرًا..

ودلِيل وُجُوبِ الأضحِيّةِ بِالنّذرِ: أنّ التّضحِية قُربةٌ لِلّهِ تعالى من جِنسها واجبٌ كهديِ التّمتُّعِ، فتلزمُ بِالنّذرِ كسائِرِ القُربِ، والوُجُوبُ بسببِ النّذرِ يستوِي فيه الفقِيرُ والغنِيُّ.

 

شروط وجوبها أو سنيتها:

الشّرطُ الأوّل- الإسلامُ، فلا تجبُ على الكافر.

الشّرطُ الثّانِي- الإقامةُ، فلا تجبُ على الـمسافر، وهذا مذهبُ الحنفيةِ القائلين بالوُجوبِ، وأمّا مَن قال بِالسُّنِّيّةِ فلا يُشترطُ هذا الشّرطُ.

الشّرطُ الثّالِثُ- الغِنى -ويُعبّرُ عنه باليسارِ- لحديثِ «مَن كان لهُ سعةٌ ولم يُضحِّ فلا يقربنَّ مُصلاّنا» [ابن ماجه والحاكم ووافقه الذهبي] والسّعةُ هي الغِنى، ويتحقّقُ عِند الحنفيةِ بِأن يكُون في مِلكِ الإنسانِ مِائتا دِرهمٍ أو عشرُون دينارًا، أو شيءٌ تبلُغُ قيمتُهُ ذلك، سوى مسكنهِ وحوائجهِ الأصليّةِ وديونهِ.

وقال المالكِيّةُ: يتحقّقُ الغنى بِألَّا تُجحِف الأضحِيّةُ بِالمضحِّي، بألاّ يحتاج لِثمنِها في ضرورياتهِ في عامِهِ.

وقال الشّافِعِيّةُ: إِنّما تُسنُّ لِلقادِرِ عليها، وهُو من ملك ما يحصُل بِهِ الأضحِيّةُ، فاضِلاً عمّا يحتاجُ إِليهِ في يومِ العيدِ وليلتهِ وأيّامِ التّشرِيقِ الثّلاثةِ وليالِيها.

الشّرطانِ الرّابِعُ والخامِسُ- البلوغُ والعقل، وهذانِ الشّرطانِ اشترطهُما مُحمّدٌ وزُفرُ، ولم يشترِطهُما أبُو حنِيفة وأبو يُوسُف، فعندهُما تجِبُ التّضحِيةُ في مال الصّبِيِّ والمجنُونِ إِذا كانا مُوسِرينِ.

 

شروط صحتها:

شرائطها ثلاثةُ أنواعٍ: نوعٌ يرجِعُ إِلى الأضحِيّةِ، ونوعٌ يرجِعُ إِلى المضحِّي، ونوعٌ يرجِعُ إِلى وقتِ التّضحِيةِ.

النّوعُ الأوّل: شُرُوطُ الأضحِيّةِ في ذاتِها:

الشّرطُ الأوّل- وهُو مُتّفقٌ عليهِ بين المذاهِبِ: أن تكُون من الأنعامِ، وهي الإبِل، والبقرةُ الأهلِيّةُ ومنها الجوامِيسُ، والغنمُ ضأنًا كانت أو معزًا، ويُجزِئُ من كل ذلِك الذُّكورُ والإناثُ.

فمن ضحّى بِحيوانٍ مأكُولٍ غيرِ الأنعامِ، سواءٌ أكان من الدّوابِّ أمِ الطُّيُورِ، لم تصِحّ تضحِيتُهُ بِهِ، لِقولِهِ تعالى: {ولِكُل أُمّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيذكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَى ما رزقهُم مِنْ بهيمةِ الأنعَامِ} [الحج: 34] ولأِنّهُ لم تُنقَل التّضحِيةُ بِغيرِ الأنعامِ عنِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم ولو ذبح دجاجةً أو دِيكًا بِنِيّةِ التّضحِيةِ لم يُجزِئ.

الشّرطُ الثّانِي- أن تبلُغ سِنّ التّضحِيةِ، بِأن تكُون ثنِيّةً أو فوق الثّنِيّةِ من الإبِل والبقرِ والمعزِ، وجذعةً أو فوق الجذعةِ من الضّأنِ، فلا تُجزِئُ التّضحِيةُ بِما دُون الثّنِيّةِ من غيرِ الضّأنِ، ولا بِما دُون الجذعةِ من الضّأنِ، لِقول النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم: «لا تذبحُوا إِلاّ مُسِنّةً، إِلاّ أن يعسُر عليكُم، فتذبحُوا جذعةً من الضّأنِ» [مسلم]. والمسنةُ من كل الأنعامِ هي الثّنِيّةُ فما فوقها. حكاهُ النّووِيُّ عن أهل اللُّغةِ.

ولِقولِهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم: «نِعمتِ الأضحِيّةُ الجذعُ من الضّأنِ». [الترمذي]

الشّرطُ الثّالِثُ- سلامتُها من العُيُوبِ الفاحِشةِ، وهي العُيُوبُ الّتِي من شأنِها أن تُنقِص الشّحم أوِ اللّحم إِلاّ ما استُثنِي.

فلا تُقبل العمياءُ، ولا العوراءُ البيِّنُ عورُها، ولا مقطُوعةُ اللِّسانِ بِالكُلِّيّةِ، ولا الجدعاءُ وهي مقطُوعةُ الأنفِ، ولا مقطُوعةُ الأذُنينِ أو إِحداهُما، ولا المرِيضةُ البيِّنُ مرضُها، أي التِي يظهرُ مرضُها لِمن يراها. وما شابه ذلك من العيوب الفاحشة.

الشّرطُ الرّابِعُ- أن تكُون مملُوكةً لِلذّابِحِ، أو مأذُونًا لهُ فيها صراحةً أو دلالةً، فإِن لم تكُن كذلِك لم تُجزِئِ التّضحِيةُ بِها عنِ الذّابِحِ.

 

النّوعُ الثّانِي: شرائِطُ ترجِعُ إِلى المُضحِّي:

يُشترطُ في المضحِّي لصحّةِ التّضحِيةِ ثلاثةُ شُرُوطٍ:

الشّرطُ الأوّل- نِيّةُ التّضحِيةِ: لأِنّ الذّبح قد يكُونُ لِلّحمِ، وقد يكُونُ لِلقُربةِ، والفِعل لا يقعُ قُربةً إِلاّ بِالنِّيّةِ، قال رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم: «إِنّما الأعمال بِالنِّيّاتِ، وإِنّما لِكُل امرِئٍ ما نوى» [البخاري ومسلم]

الشّرطُ الثّانِي- أن تكون النيةُ مُقارِنةً للذّبحِ أو مقارنةً للتّعيِينِ السّابِقِ على الذّبحِ، سواءٌ أكان هذا التّعيِينُ بِشِراءِ الشّاةِ أم بِإِفرازِها مِمّا يملِكُهُ، وسواءٌ أكان ذلِك لِلتّطوُّعِ أم لِنذرٍ في الذِّمّةِ.

الشّرطُ الثّالِثُ- ألاّ يُشارِك المُضحِّي فيما يحتمِل الشّرِكة مَن لا يُرِيدُ القُربة رأسًا، فإِن شارك لم يصِحّ عنِ الأضحِيّةِ. وإِيضاحُ هذا، أنّ البدنة والبقرة كلٌّ منهما يُجزِئُ عن سبعةٍ عند الجمهورِ كما مرّ.

فإِذا اشترك فيها سبعةٌ، فلا بُدّ أن يكون كل واحدٍ منهُم مُريدًا لِلقُربةِ، وإِنِ اختلف نوعُها. فلوِ اشترى سبعةٌ أو أقل بدنةً، أوِ اشتراها واحِدٌ بِنِيّةِ التّشرِيكِ فيها، ثُمّ شرِك فيها سِتّةً أو أقل، وأراد واحِدٌ منهُمُ التّضحِية، وآخرُ هدي المُتعةِ، وثالِثٌ هدي القرانِ، ورابِعٌ كفّارة الحلِفِ، وخامِسٌ كفّارة الدّمِ عن تركِ المِيقاتِ، وسادِسٌ هدي التّطوُّعِ، وسابِعٌ العقِيقة عن ولدِهِ أجزأتهُم البدنةُ. بِخِلافِ ما لو كان أحدُهُم يُرِيدُ سُبعها لِيأكُلهُ، أو لِيُطعِم أهلهُ، أو لِيبِيعهُ، فلا تُجزِئُ عنِ الآخرِين الّذِين أرادُوا القُربة.

هذا قول أبِي حنِيفة وأبِي يُوسف ومحمّدٍ.

وخالفهُمُ الشّافعيّةُ والحنابِلةُ فأجازُوا أن يشترِك مُرِيدُ التّضحِيةِ أو غيرِها من القُرُباتِ مع مُرِيدِ اللّحمِ، لأِنّ الفِعل إِنّما يصِيرُ قُربةً من كُل واحِدٍ بِنِيّتِهِ لا بِنِيّةِ شرِيكِهِ، فعدمُ النِّيّةِ من أحدِهِم لا يقدحُ في قُربةِ الباقِين.

وقال المالِكِيّةُ: لا يجوزُ الاِشتِراكُ في الثّمنِ أوِ اللّحمِ، فإِنِ اشترك جماعةٌ في الثّمنِ، بِأن دفع كُل واحدٍ منهُم جُزءًا منهُ، أوِ اشتركُوا في اللّحمِ، بِأن كانتِ الشّاةُ أوِ البدنةُ مُشتركةً بينهُم لم تُجزِئ عن واحِدٍ منهُم، بِخِلافِ إِشراكِهِم في الثّوابِ مِمّن ضحّى بِها قبل الذّبحِ كما مرّ.


وقتُ التّضحِية:

بدايةُ الوقتِ:

-قال الحنفيةُ: يدخُل وقتُ التّضحيةِ عند طلوعِ فجرِ يومِ النّحرِ، وهو يومُ العيدِ. لكنهمُ اشترطُوا في صِحّتِها لِمن يُضحِّي أن يكون الذّبحُ بعد صلاةِ العيدِ، ولو قبل الخُطبةِ، إِلاّ أنّ الأفضل تأخيرُهُ إِلى ما بعد الخُطبةِ.

-وقال الشّافعيةُ، وهُو أحدُ أقوالٍ لِلحنابلةِ: يدخُل وقتُ التّضحيةِ بعد طلُوعِ الشّمسِ يوم عِيدِ النّحرِ بِمِقدارِ ما يسعُ ركعتينِ خفيفتينِ وخُطبتينِ خفيفتينِ.

نِهايةُ وقتِ التّضحِيةِ:

ذهب الحنفيةُ والمالِكِيّةُ والحنابِلةُ إِلى أنّ أيّام التّضحِيةِ ثلاثةٌ، وهي يومُ العِيدِ، واليومانِ الأوّلانِ من أيّامِ التّشريقِ، فينتهي وقتُ التّضحيةِ بِغروبِ شمسِ اليومِ الأخِيرِ من الأيّامِ المذكُورةِ، وهو ثاني أيّامِ التّشرِيقِ.

واحتجُّوا بِأنّ عُمر وعلِيًّا وأبا هُريرة وأنسًا وابن عبّاسٍ رضِي اللّهُ عنهُم أخبرُوا أنّ أيّام النّحرِ ثلاثةٌ.

وقال الشّافِعِيّةُ: وهُو القول الآخرُ لِلحنابِلةِ أيّامُ التّضحِيةِ أربعةٌ، تنتهي بِغُرُوبِ شمسِ اليومِ الثّالِثِ من أيّامِ التّشرِيقِ، وحجتهم قولُهُ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ: «كُل أيّامِ التّشرِيقِ ذبحٌ» [ابن حبان وأحمد].

 

التّضحِيةُ في ليالِي أيّامِ النّحرِ:

أمّا ليلةُ عيدِ الأضحى فليست وقتًا لِلتّضحِيةِ بِلا خِلافٍ، وكذلِك اللّيلةُ الـمُتأخِّرةُ من أيّامِ النّحرِ، وإِنّما الخِلافُ في اللّيلتينِ أوِ اللّيالِي الـمُتوسِّطةِ بين أيّامِ النّحرِ.

فالمالِكِيّةُ يقُولُون: لا تُجزِئُ التّضحِيةُ فيها. وقال الحنابِلةُ والشّافعيةُ: إِنّ التّضحية في اللّياليِ الـمُتوسِّطةِ تُجزِئُ مع الكراهةِ، واستثنى الشّافعيّةُ من كراهيةِ التّضحِيةِ ليلاً ما لو كان ذلك لحاجةٍ، كاشتغالهِ نهارًا بِما يمنعُهُ من التّضحِيةِ، أو مصلحةٍ كتيسُّرِ الفُقراءِ ليلاً، أو سُهُولةِ حُضُورِهِم.


الأكل من الأضحية:

قال صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم: «إِذا ضحّى أحدُكُم فليأكُل من أُضحِيّتِهِ». [أحمد]

والأفضل أن يتصدّق بِالثُّلثِ، ويتّخِذ الثُّلث ضِيافةً لأِقاربهِ وأصدِقائِهِ، ويدّخِر الثُّلث، ولهُ أن يهب الفقِير والغنِيّ، وقد صحّ عن ابنِ عبّاسٍ رضِي اللّهُ عنهُما في صفةِ أُضحيّةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم قال: ويُطعِمُ أهل بيتهِ الثُّلُث، ويُطعِمُ فُقراء جِيرانهِ الثُّلُث، ويتصدّقُ على السُّؤال بِالثُّلثِ.

وهاهُنا تنبِيهٌ مُهِمٌّ وهُو أنّ أكل الـمُضحِّي من الأضحِيّةِ وإِطعام الأغنِياءِ والاِدِّخار لِعِيالِهِ تمتنِعُ كُلُّها عِند الحنفيةِ في الأضحِيّةُ المنذُورةُ، وهُو مذهبُ الشّافِعِيّةِ أيضًا. وذهب المالِكِيّةُ والحنابِلةُ إِلى أنّ المنذُورة كغيرِها في جوازِ الأكل.

وقال المالِكِيّةُ: يُندبُ لِلمُضحِّي الجمعُ بين الأكل من أُضحِيّتِهِ والتّصدُّقِ والإهداءِ بِلا حدٍّ في ذلِك بِثُلثٍ ولا غيرِهِ ولم يُفرِّقُوا بين منذُورةٍ وغيرِها.


التّضحِيةُ عنِ الميِّتِ:

-إِذا أوصى الميِّتُ بِالتّضحِيةِ عنهُ، أو وقف وقفًا لِذلِك جاز بِالاِتِّفاقِ.

فإِن كانت واجِبةً بِالنّذرِ وغيرِهِ وجب على الوارِثِ إِنفاذُ ذلِك.

-أمّا إِذا لم يُوصِ بِها فأراد الوارِثُ أو غيرُهُ أن يُضحِّي عنهُ من مال نفسِهِ، فذهب الحنفيةُ والمالِكِيّةُ والحنابِلةُ إِلى جوازِ التّضحِيةِ عنهُ، إِلاّ أنّ المالِكِيّة أجازُوا ذلِك مع الكراهةِ. وإِنّما أجازُوهُ لأِنّ الموت لا يمنعُ التّقرُّب عنِ الميِّتِ كما في الصّدقةِ والحجِّ.

وقد صحّ أنّ رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم ضحّى بِكبشينِ أحدُهُما عن نفسِهِ، والآخرُ عمّن لم يُضحِّ من أُمّتِهِ. وذهب الشّافِعِيّةُ إِلى أنّ الذّبح عنِ الميِّتِ لا يجُوزُ بِغيرِ وصِيّةٍ أو وقفٍ.

 

هل يقُومُ غيرُ الأضحِيّةِ من الصّدقاتِ مقامها؟

لا يقومُ غيرُ الأضحِيّةِ من الصّدقاتِ مقامها حتّى لو تصدّق إنسانٌ بشاةٍ حيّةٍ أو بقيمتِها في أيّامِ النّحرِ لم يكُن ذلِك مُغنِيًا لهُ عنِ الأضحيّةِ، لا سِيّما إِذا كانت واجِبةً، وذلِك أنّ الوُجوب تعلّق بِإِراقةِ الدّمِ، والأصل أنّ الوُجوب إِذا تعلّق بِفعلٍ مُعيّنٍ لا يقومُ غيرُهُ مقامهُ كالصّلاةِ والصّومِ.

 

[مرجع البحث: الموسوعة الفقهية الكويتية]

والحمد لله رب العالمين