الثلاثاء 26 أيلول 2017

بحث مختصر في حكم الإسلام في الاتجار بالأشخاص

الجمعة 12 شعبان 1436 / 29 أيار 2015

تحميل بحث مختصر في حكم الإسلام في الاتجار بالأشخاص بصيغة بي دي اف pdf

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

إن َّالظلم والجهل منبع كل سوء في الأرض، وتجتمع جهود العقلاء على هذه البسيطة للقضاء عليهما فتنجح حيناً وتكبو حيناً آخر، تعرقلها أهواء النفوس الأمَّارة ومطامع النفوس الجشعة.

ولقد اطَّلعت على كثيرٍ من الإعلانات والمواثيق والاتفاقيات، ومناهج العمل الدولية المعنية بحقوق الإنسان بدءاً من  البيان الفرنسي لحقوق الإنسان سنة 1789م، مروراً بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م، والعهدين الدوليين 1966م، والإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان 1981م، وانتهاءً بآخر الاتفاقيات الدولية؛ فوجدتها جميعاً متفقة على حق الإنسان في الحرية.

ورجعت إلى عشرات المؤلفات التي تتحدث عن حقوق الإنسان في الإسلام، فوجدتها تجعل الحرية الحق الأول للإنسان بعد حقه في الحياة.

نعم.. إنَّ من حق الإنسان أن يكون حراً فلا يُستَعبد، حُرَّاً فلا يُتاجر به، حُرَّاً فلا تُسرق أعضاؤه ولا تُباع ولا تُشرى، حُرَّاً فلا يُغتصب ليصير رقيقاً أبيض.

كيف، وقد قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء:70].

كيف، والإنسان خليفة الله في أرضه، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30].

كيف، وقد أسجد اللهُ تعالى الملائكةَ لهذا المكرَّم: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف:11].

من هنا ذكر بعض الباحثين أنَّ أساس حقوق الإنسان في الدساتير والمواثيق العالمية ترجع إلى مذهبين:

 الأول: يعتبر العدل أساس حقوق الإنسان.

 والثاني: يعتبر الحرية هي الأساس.

 لكن أساس حقوق الإنسان في الإسلام ترجع إلى تكريم الله للإنسان، فحقوق الإنسان في الإسلام إلهية المصدر.

يقول الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه (الخصائص الكبرى لحقوق الإنسان في الإسلام):

(يتطلب حق الحياة حماية الكرامة الإنسانية؛ لأنَّ الكرامة تمثل عِزَّة النَّفس والإحساس المعنوي بالحياة بعد الإحساس المادي بالوجود).

فلا يُباع امرؤ ولا يُشرى، ولا يُهان إنسان ولا تُداس كرامة.

وأحب هنا أن أذكر لكم قصَّة جبلة بن الأيهم مع سيدنا عمر -رضي الله عنه- والرجل الفزاري لتروا كيف راعى الإسلامُ كرامةَ الإنسان وحماها، وحَفِظَ للإنسان – كلَّ الإنسان -حقوقه.

بدا للأمير الغساني جَبَلَة بن الأيهم أن يدخل الإسلامَ هو وذووه، وكتب إلى الفاروق يستأذنه في القُدُوم إلى المدينة، ففرح عمر -رضي الله عنه- بإسلامه وقدومه، فجاء إلى المدينة وأقام بها زمناً والفاروق يرعاه ويرحّب به، ثم بدا له أن يخرج إلى الحج، وفي أثناء طوافه بالبيت الحرام وطئ إزارَه رجلٌ من بني فزارة فحلَّه.

غضب الأمير الغساني لذلك - وهو حديث عهد بالإسلام - فلطمه لطمةً قاسيةً هشَّمت أنفه، وأسرع الفزاري إلى أمير المؤمنين يشكو إليه ما حلّ به، وأرسل الفاروق إلى جَبَلَة يدعوه إليه، ثم سأله فأقرّ بما حدث، فقال له عمر: ماذا دعاك يا جَبَلة لأن تظلم أخاك هذا فتهشِّم أنفه؟

فأجاب: بأنه قد ترفَّق كثيراً بهذا البدوي، (وأنه لولا حرمة البيت الحرام لأخذتُ الذي فيه عيناه).

قال له عمر: لقد أقررت، فإما أن تُرضي الرجل وإما أن اقتصّ له منك.

وزادت دهشة جَبَلَة بن الأيهم لكل هذا الذي يجري وقال: وكيف ذلك وهو سُوقة وأنا مَلِك؟

فقال عمر: إنَّ الإسلام قد سوّى بينكما.

فقال الأمير الغساني: لقد ظننت يا أمير المؤمنين أن أكون في الإسلام أعزّ مني في الجاهلية.

فقال الفاروق: دَعْ عنك هذا، فإنك إن لم تُرضِ الرجل اقتصصت له منك.

فقال جَبَلَة: إذاً أَخرج من الدِّين.

فقال عمر: إن ارتددت قتلْـتُك، -فأنت لم تُكْرَه على الإسلام أولاً، فلا ندعك تتخذه أُلعوبة-، فاستمهل جَبَلَة سيدنا عمر ليلةً حتى يُبرم أمرَه، وكان أن هرب في تلك الليلة إلى القسطنطينية وارتدّ عن الإسلام.

 ولقد أحسن الشاعر السوري سليمان العيسى لما نَظَمَ هذه القصة في قصيدة عمودية عنونها:

 (الإزار الجريح)

قال عُمر: يا ابنَ أيهَمْ! ليسَ في قبضَتِنا إلاَّ سِلاحْ...،

في يمينِ الله لامعٌ حَدَّاهْ، اسمُهُ الحَقُّ الصُّراحْ..

وهوَ -لو تعلَم- أمضَى...

من سيوفِ الأرضِ، من صَولَتِها، طُولاً وعَرضا

قدْ حَملناهُ رسالَهْ

وسَلَلناه عدالَهْ

فذَوُو التَّـاجِ، وأَبنـاءُ السَّـبيلْ...

تحتَ هذي الدوَّحَةِ السَّمحاءِ أَكفَـاءٌ، سَواءٌ في المَقيلْ

يا ابنَ أيهَمْ! جاءَني هذا الصَّباحْ، مشهَدٌ يبعَثُ في النَّفسِ المرارَهْ...

بَدَويٌ مِنْ فَزارَهْ

بدِماءٍ تتظلَّمْ...

بجراحْ تتكَلَّمْ...

مُقلَـة غـارَتْ، وأَنـفٌ قد تهَشَّمْ

وسألناهُ، فـأَلقـى فـادِحَ الوِزْرِ عليـكْ،

بيديكْ...

قالَ: قـدْ أشبعتَهُ ضربـاً وقَصفـا...

في فناءِ البيتِ قد هشَّمته وجهاً وأنفاَ

أصحيحٌ يا بن أيهَمْ؟ أَصحيحْ

مـا ادَّعَى هـذا الفَزَارِيُّ الجَريـحْ؟!

جَبَلَة: لستُ مَنْ ينكِرُ أوْ يكتُـمُ شيَّــــا...

أنا أدَّبتُ الفتى، أدْركـتُ حقِّي بيدَيَّا

عُمر: أيُّ حقٍّ، يا ابنَ أيهَم؟...

عندَ غيري يُقهَرُ المـُستضعَفُ العافي ويُظلمْ...

عند غيري جبهةٌ بالإثمِ، بالباطلِ، تُـلطَم.

نزَوَاتُ الجاهليَّةْ...،

ورِياحُ العُنجُهِيَّهْ...

قد دَفنَّاها، أقَمنا فوقها صَرحاً جديدا...،

وتساوَى النَّاسُ أحراراً لَدَينا وعَبيدا

يأخُذُ الحقَّ القَضاءْ...

وهوَ - لا أنتَ- الذي يُنفِذُ عندي ما يشاءْ.

جَبَلَة: يا أميرَ المؤمنينْ...أفَتُصغي، فأُبينْ؟

كنتُ بالبَيتِ أطوفْ... والـمُلبُّونَ رُفوفْ

بَغتَةً.. ديسَ إزاري... داسَهُ هذا الفَزاري

كِـدْتُ في الكعبةِ أَعرى...كانَ نُكراً ما أتاهُ كانَ نُكرا... عامداً بَيَّتَ لي، للناسِ، للمَوسِمِ شرَّا

قَسماً، لو أنَّنا في غيرِ بيتِ الله، في غيرِ الحرمْ...

لستُ مِمَّنْ حنَثُوا يوماً بِعَهدٍ، بِقسَمْ

لتَوارى بينَ عَينيهِ حُسامي...وكفاني نَصلُه الـمُرهفُ تشقيقَ الكلامِ

الفَزاري: ما تَعمَّدْتُ -ورَبِّ البيتِ- مِمَّا قالَ شيَّا...

هفوَةً كانتْ، وشيئاً طارئاً فوقَ يديَّا

يا أميرَ المؤمنينْ

أنا بالفاروق ِبالعدْلِ، عليهِ أستعينْ

عُمر: أَقرَرْتَ، يا ابْنَ الأَيهَمِ، أَقرَرْتَ لم تَتَحرَّج ِ...

الحقُّ بادٍ كالمَنارَةِ، كالصَّباحِ الأبلَج ِ

سَيرُدُّ للمُتَظلِّمِ ما جاءَ ينشدُهُ عُمَرْ...

هيهـــاتَ نَسكُـــتُ عنْ أذى، هيهـــــاتَ نُغضي عنْ ضَرَرْ

أَرْضِ الفتى، لابُدَّ منْ إرضائِهِ... ما زالَ ظُفرُكَ عالقـاً بدمــائِه

أوْ يُهشَمَنَّ الآن أنفُــــــكْ... وتنـــالَ ما فعَلَـتــــْهُ كَفُّــكْ

جَبَلَة: كيفَ ذاكْ يا أميرَ المُؤمنينْ كيفَ ذاكْ؟ وهوَ سُوقَهْ، وأنا صاحبُ تاجْ

كيفَ أرضَى؟ أنْ يَخِرَّ النَّجمُ أرضَا،

كيفَ ذاكْ هوَ سُوقَهْ، وأنا: عَرْشٌ وتاجْ

عُمَر: نَزَواتُ الجاهليهْ، ورياحُ العُنجُهِيَّهْ،

دَعـكَ من هـذا، وجنِّبني اللَّجـاجَ والجَهالَهَ!

أنتُما نـدَّانِ في ظـلِّ الرِّسالــهْ

سأُقيِدُهْ منكَ، أو تُرضيَه، أَبرَمتُ رأيي، سأُقيِدُهْ!

يا ابنَ أيهَمْ! لستَ خيراً من أحد... في البلد

تفضُلُ النـاسَ لدينـا بالعملْ...،

نَفَلٌ ما تدَّعِي...محضُ نَفَلْ...

وضَلالٌ، وخَطَلْ

أرضِهِ.. أو تذهبَا: أنفٌ بأنفِ...

قبـلَ أنْ آخُـذَ هـذا الحـقَّ، لن يُغمَضَ طرْفي

جَبَلَة: كانَ وَهْماً ما مَشَى في خَلَـدي...أَنَّنـي عنــدَكَ أقوى وأَعَـزُّ،

عُمَر: عالَم نَبنيهْ...وأَعَزُّ الناسِ فيه بالصُّعلوكِ، بالعَبدِ، تسَاوَى

لا تُمَارِ عُدْ إلى الحقِّ وضيئاً كالنَّهارِ

ما حَمَلنا الدِّينَ زِينَهْ، ولِباساً في المدينَهْ، حيثما شئنا.. خَلَعنا..ورَجعنا..

يا ابنَ أيهمْ! سوفَ تَدْري كيفَ نقتَصُّ، نُجازي الـمُـعتدِي ضُراًّ بضُرِّ،

لا تُداوِرْ! إنَّني أبرمتُ أمري

الكَرَامةْ...

فوق قُرطيكَ الغَريبينِ، وتاجِكْ ومِزَاجِكْ.. بَشَرٌ مثلُكَ مَنْ عَفَّرْتهُ، روحاً وهامَهْ

تحتَ أقدام انزعاجِكْ... تحتَ مجنونِ هياجِكْ

لا تُمَارِ! عُد إلى الحقِّ مضيئاً كالنَّهارِ

جَبَلَة: أتُمهِلُني ليلَتي هذهِ أُقَلِّـبُ رأيي؟ لعَلَّ الطَّريـقْ...يُضيءُ لعيني، لعينَيْ صَدِيقْ!

عُمَر: إليكَ سُؤالَكَ.. اطوِ الدُّجَى...وجِئني غَدا...سُقُوطَ النَّدى، ودَعني على ما انتَهيتُمْ أُفيقْ!

 

وهنا يخرج جَبَلَة وينتهي به الرأي أن يغادر المدينة فارَّاً من قصاص عمر للكرامة الإنسانية، ولحق الإنسان أن يكون حُرَّاً فلا يُهان.

يُعتبر الاتجار بالبشر أحد أشكال الرق في العصر الحديث، وهو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ومن صوره كما تعلمون على سبيل المثال: الاتِّجار بالنِّساء والأطفال؛ لأغراض الدَّعارة، والاستغلال الجنسيِّ، وبيع الأعضاء البشريَّة، وعمالة السُّخْرة، واستغلال خدَمِ المنازل، وبيع الأطفال؛ لِغَرض التبنِّي، والسِّياحة الجنسيَّة، واستغلال الأطفال في النِّزاعات المُسَلَّحة، واستغلال الأطفال في أعمال التسوُّل، والاستغلال السيِّئ للمهاجرين بصفة غير شرعيَّة.

 

وقد جاء الإسلام بتحريم وتجريم أشكال وظواهر الاتجار في البشر بصوره المختلفة، ومن ذلك:

1-تحريم وتجريم بيع الأحرار: فحرَّم الإسلام أن يُباع الإنسان الحُرُّ أو أن يُشرى، كبيراً كان أم صغيراً، ذكراً أم أنثى، غنياً أم فقيراً.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قَالَ اللَّهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ » [رواه البخاري].

2-تحريم وتجريم بيع أعضاء الإنسان: لم يُجز الإسلامُ للإنسان أن يبيع شيئاً من أعضاء جسمه، فضلاً عن الضغط عليه ترهيباً أو ترغيباً لأخذ هذه الأعضاء.

- وقد صدر عن المجمع الفقهي بمنظمة المؤتمر الإسلامي 1988م قرار جاء فيه:

أولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب أو لإزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً.

ثانياً: يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائياً، كالدم والجلد، ويُرَاعَى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأَهْلِيَّةِ، وتحقق الشروط الشرعية المُعْتَبَرَة.

ثالثاً: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية.

رابعاً: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.

خامساً: يَحْرُم نقل عضو من إنسان حي يُعَطِّلُ زواله وظيفة أساسية في حياته - وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها - كنقل قَرَنيَّةِ العينين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية؛ فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة.

سادساً: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك، بشرط أن يأذن الميت أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة ولي المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له.

سابعاً: وينبغي ملاحظة أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بألا يتم ذلك بواسطة بيع العضو؛ إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما.

أما بذل المال من المستفيد - ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة، أو مكافأة وتكريماً فمحل اجتهاد ونظر.

إذاً: فلا يجوز بيع الأعضاء البشرية مطلقاً، لأنَّ الإنسان ليس محلاً للبيع، فأعضاء الإنسان ليست ملكاً للإنسان، وكذلك ليست ملكاً لورثته حتى يعاوضوا عليها بعد وفاته.

3-تحريم وتجريم الفاحشة والاستغلال الجنسي للنساء: فقد حرم الإسلام الزنا وجرَّم فاعله، فما بَالُكم بالمتكسِّبين به ومنه.

ويشير المفسرون إلى لفتة بيانية في قول الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء:32]. عندما قال: {لا تقربوا الزنا} ولم يقل: (لا تزنوا)، في دعوةٍ لإبعاد المسلم وكل عاقل عن مقدمات الزنا من إطلاق بصر وملامسة وخلوة وتبرج وإظهار مفاتن واختلاط غير مشروع.

قال أبو السعود في تفسيره: (لا تقربوا الزنا بمباشرة مباديه القريبةِ أو البعيدة فضلاً عن مباشرته، وإنما نهى عن قُربانه للمبالغةِ في النَّهيِ عنه، ولأن قربانه داعٍ إلى مباشرته).

ومن هنا سدَّت الشريعة الإسلامية كل المنافذ المؤدية إلى المتاجرة بأجساد النساء، وذلك حينما طالبت المرأة بالعفة والاحتشام في الملبس: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب:59].

وأمرت الرجال بغض البصر: {قل  لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل للمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...}[النور:30-31].

وتُجرِّم الشريعةُ الزناةَ، وتُوقع بهم إذا ثبتت جريمتهم بالرجم إن كانوا متزوجين، والجلد إن كانوا غير ذلك، عقوبتان مؤلمتان قاسيتان رادعتان.

فقسا ليزدجروا ومن يَكُ راحماً

 

فليقسو أحياناً على مَنْ يرحم

وفي النهي المباشر عن استخدام النساء والأطفال في البِغَاء، نقرأ قول الله تعالى في سورة النور: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

قال ابن كثير في تفسيره: (كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ أَمَةٌ، أَرْسَلَهَا تَزْنِي، وَجَعَلَ عَلَيْهَا ضَرِيبَةً يَأْخُذُهَا مِنْهَا كُلَّ وَقْتٍ. فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ).

وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ -فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ -فِي شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ الْمُنَافِقِ، كانت له جاريتان، وكان يكرههما على الزنا، ويضربهما عليه ابتغاء المال وكسب الولد، فجاءت الجاريتان تشتكيان للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله سبحانه: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم}[ سورة النور:33].

ومعنى: (لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) أي الشيء الذي تكسبه الأَمة بفرجها، والولد ليسترق فيباع.

(ومن يكرههن) أي يقهرهن (فإن الله من بعد إكراههن غفور) لهن (رحيم) بهن.

وبناء على ما سبق فلا سياحة جنسية في الإسلام، ولو درَّت من الأموال والقطع الأجنبي ما تدّر لأنها من المال الحرام الذي يَهلك ويُهلك أهله معه.

4-تحريم العمل القسري والخدمة قسراً واستغلال العامل وخدم المنازل: فنصوص الشريعة الداعية إلى رعاية حق الأجير ورعاية الخدم، والترهيب من ظلمهم نصوص كثيرة.

ويكفي في الترهيب من تضييع حق الأجير، الحديث الذي أخرجه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: « قَالَ اللَّهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ ».

 وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» [رواه ابن ماجه].

قام عثمان بن عفان رضي الله عنه ليلةً ليقضي بعض أمره فقيل له: لو أمرت بعض الخدم فكفوك، فقال‏:‏ لا، الليل لهم يستريحون فيه.

وأخرج البخاري بسنده عن المَعْرُورَ بْنَ سُويْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الغِفَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: قال النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ».

وفي كل هذه الأحاديث تأكيد على رعاية الأجير وعلى حرمة ظلمه، فما بالكم بالاتجار به للسُّخرة واستغلال عمله.

5-تحريم الاعتداء على الأطفال والمتاجرة بهم بهدف التبني وغيره من الأفعال الشنيعة: فمعلوم لديكم حرمة التبني أصلاً في الإسلام، خلافاً لاتفاقية حقوق الطفل وبعض القوانين الوضعية في الشرق والغرب، وأعتقد أنكم تحفظون الكثير من الشواهد والحوادث التي تدل على اهتمام الإسلام بالطفل في كل مراحل حياته: جنينًا، ورضيعًا، وصبيًّا، ويافعًا، ثم شابًّا، إلى أن يصل إلى مرحلة الرجولة، بل اهتم الإسلام بالطفل قبل أن يظهر إلى الحياة فأعطاه حقاً وهو جنين في بطن أمه، وجعل على الاعتداء عليه وقتله في بطن أمه ديَّة جنين، وجرَّم إجهاضه بعد نفخ الروح فيه، وهذا مالم تصل إليه كلُّ الاتفاقيات والإعلانات العالمية والمواثيق حتى اليوم.

فهل يحمي الإسلام حقوقهم أجنَّة ثم يسمح بالاعتداء عليهم أطفالاً، بأي صورة من صور الاعتداء الجنسي أو العمالة أو الاستغلال في النزاعات المسلحة.؟ الأمر أبعد من المستحيل.

 

هذا طرف من حكم الإسلام في الاتجار بالأشخاص، وبقي سؤال هنا: لماذا لم يُحرم الإسلام الرق ويقضي عليه؟

الجواب: جاء الإسلام والرق نظام عالمي، منذ اليونان فالرومان فالفرس فالعرب، فأقام عليه ثورة هادئة بأن ضيق مصادره ووسع مصارفه.

ففي تضييق المصادر: فقد كانوا يسترقون المرء في الحروب، وفيمن عجز عن سداد دينه، ومن افتقر باع أولاده أو أخذوا منه عنوة واسترقوا ويسترق اللقطاء، ويأخذ قطاع الطريق من سلبوهم عبيداً...

فألغى الإسلام كل هذه المصادر ولم يبق إلا استرقاق الحرب معاملة بالمثل، وحتى هؤلاء فيمكن لولي الأمر أن يفدي الأسرى أو يمن عليهم أو يبقيهم.

وأما توسيع المصارف فقد أكثر الإسلام جداً من طرق العتق وتحرير العبيد، فجعل مصرفاً من مصارف أموال الدولة – مصرف الزكاة – في عتق الرقاب، وجعل عدداً من الكفارات الشرعية عتقاً للرقاب، ككفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة القتل الخطأ، وحكم الإسلام بأن هزل السيد وتلفظه بعتق الرقيق خطأ أو هزلاً، ينتج أثره في تحرر الرقيق، وبأن من ملك ذا رحم فهو عتق له، وبأن من تزوج أمته وأنجبت منه فقد أعتقها، وبأن أولاده منها أحرار، ومن أعتق رقيقاً أعتق الله بكل عضو منه عضواً من أعضاء معتقه من عذاب النار، وشرع الإسلام المكاتبة والتدبير، وحمى الإسلام الناس من الوقوع في براثن الرق بسياج التكافل الاجتماعي، وكلما ورد في القرآن حديث عن الرقاب اقترن بإعتاقها وتحريرها، وكلما بَوَّبت كتب الفقه الإسلامي لمبحث العبيد عنونته بباب العتق، ولم تعنونه بباب الرق.

ولما توافقت دول العالم على إلغاء الرق العالمي كانت الدول الإسلامية مبادرة إليه لأنه يلتقي مع مقاصد الشريعة ومبادئها، فلا يجوز شرعاً الآن استرقاق أي إنسان على وجه البسيطة بإجماع علماء المسلمين.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13].

وسجَّل التاريخ لعمر بن الخطاب قولته الشهيرة:

(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).

 

ختاماً:

جاء في كتاب (حقوق الإنسان في الإسلام) للأستاذ الدكتور محمد الزحيلي، وهو الكتاب الحائز على جائزة أفضل كتاب باللغة العربية في حقوق الإنسان في الإسلام:

(حق الحرية أكثر الحقوق التصاقاً بحق الحياة، والحرية حق من حقوق الإنسان الفرد، كما أنها حق من حقوق الشعب في التحرر من الاستعمار والاستعباد والاحتلال.

فالإنسان يولد حراً، وليس لأحد أن يستعبده أو يذله أو يقهره أو يستغله، وأن العبودية الحقة لله تعالى).

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } [الذاريات: 56 - 58].  

والحمد لله رب العالمين