السبت 19 آب 2017

منزلة السنة عند علماء المسلمين

الاثنين 03 محرم 1430 / 29 كانون أول 2008

منزلة السنة عند علماء المسلمين

محاضرة  أُلقيت في اتحاد الطلاب الاندونيسيين في الشام                                      الثلاثاء: 31/تموز/2003

بسم الله الرحمن الرحيم   

                                                         
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين..
عرَّف المحدِّثون السنة:
 بأنها أقوال النبي صلى الله عليه و سلم وأفعاله وتقريراته ووصفه الخِلقي والخُلقي.
- فالقول:
كقوله صلى الله عليه و سلم : (( إنما الأعمال بالنيات..)). [البخاري]
- والفعل:
كقول عائشة في صيام رسول الله صلى الله عليه و سلم للتطوع: ((كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم))[ البخاري.]
- والتقرير:
 كحديث ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم لنا لما رجع من الأحزاب ((لا يصليّن أحد العصر إلا في بني قريظة)) فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي، لم يُرِدْ منا ذلك، فذكر للنبي صلى الله عليه و سلم فلم يعنف واحداً منهم))[ البخاري.]
فهذا هو التقرير أو الإقرار، ومعناه أن يُخْبَرَ النبي صلى الله عليه و سلم بأمر أو يَحْدُثَ الأمر أمامه فلا ينكره.
- والوصف الخِلْقي:
 كحديث (( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خُلُقَاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير)) [البخاري.]
- والوصف الخُلُقي:
كحديث(( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان))[البخاري]
هذه هي السنة عند المحدثين:
 أقوال النبي صلى الله عليه و سلم وأفعاله وتقريراته ووصفه الخِلقي والخُلقي.
 أما السنة عند أهل أصول الفقه :
 فهي أقوال النبي صلى الله عليه و سلم وأفعاله وتقريراته، لأن هذه الثلاثة هي مصدر الأحكام الفقهية عندهم، أما الوصف الخِلقي والخُلقي فلا تؤخذ منهما أحكام فقهية.

ومهما يكن تعريف السنة، فإن علماء المسلمين قاطبة متفقون على أن القرآن وحيٌ متلّو، والسنة وحي غير متلوّ لقوله تعالى:
 وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4] أي السنة.
وعلماء المسلمين متفقون على أن السنة هي المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم لقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ… [النساء:59]
قال الطبري في تفسير هذه الآية:
"هو أمر من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته في اتِّباع سنته"                           
وقوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه .. [النساء:80]
 وقول رسول الله صلى الله عليه و سلم )) :من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله(( وقوله صلى الله عليه و سلم : ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى؟ قالوا: يا رسول الله ومن يأبى، فقال : من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)).[البخاري]
وأخرج السيوطي في كتابه (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة) أن رجلاً قال للصحابي الجليل عمران بن الحصين رضي الله عنه: يا أبا نجيد إنكم تحدّثونا بأحاديث لم نجد لها أصلاً في القرآن، فغضب عمران وقال: قرأتَ القرآن؟ قال: نعم. قال: فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعاً وصلاة المغرب ثلاثاً والغداة ركعتين والظهر أربعاً والعصر أربعاً؟ قال: لا. قال: فممّن أخذتم ذلك؟ ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن النبي صلى الله عليه و سلم ،
ثم ذكر له أشياء أخرى وردت في القرآن مجملة وبيَّنتها السنة النبوية، ثم قال: أما سمعتم قول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ..  [الحشر:7].
وحذَّر القرآن الكريم من تركِ السنة ومخالفةِ رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال:
 فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]    وقال:
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً[الأحزاب:66-67] .
والآيات الآمرةُ  باتباع الرسول وسنته الناهيةُ عن مخالفتها في القرآن الكريم تزيد على الأربعين آية.
من هنا:
 انعقد الإجماع على وجوب اتباع حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم وسنته وتكفير تاركه
وقال ابن حزم:
" لو أن امرأً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن _ أي ولا نأخذ بالسنة _ لكان كافراً بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعةً ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر، لأن ذلك أقلُّ ما يقع عليه اسم الصلاة، ولا حدّ للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال".
لكل ما سبق، نجد الأمة الإسلامية عُنِيَت بالسنة النبوية والحديث الشريف عناية لم يسبق لها مثيل في أمة من الأمم بدءاً من عصر الصحابة الكرام وإلى وقتنا الحاضر، ولئن كان المسلمون يجدون بين أيديهم آلاف الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ،بل يجدون منها المتواترة المقطوع بصحتها فإن سائر الأمم والملل من يهود ونصارى وغيرهم لا يتطاولون إلى تمني وجود حديث صحيح واحد بنقل الثقة عن الثقة إلى نبيٍّ من أنبيائهم، - قال ابن حزم:
 " نقل الثقة عن الثقة مع الاتصال حتى يبلغ النبي ، خصّ الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلّها وأبقاه عندهم غضّاً جديداً على قديم الدهور…"
واعترف في العصر الحديث الباحثون الأجانب للمحدثين وعلماء المسلمين بدقة عملهم في حفظ سنة رسول الله ، بل اتخذّ علماء التاريخ في العالم قاطبة اليوم من قواعد علماء المسلمين في الحديث ومصطلحه، اتخذوا منها أصولاً يتبعونها في تقصي الحقائق التاريخية، ووجدوا فيها خير ميزانٍ توزن به وثائق التاريخ.
** ويقول المستشرق الدكتور اسبرنجر كما في مقدمة كتاب الإصابة لابن حجر، متحدثاً عن علم الجرح والتعديل وهو أحد علوم مصطلح الحديث، الذي أُنشئ لحفظ السنة النبوية الشريفة خاصة،وحفظ علوم الشريعة عامة، يقول هذا المستشرق: " يحق للمسلمين أن يفتخروا بعلم الرجال علم الجرح والتعديل كما شاؤوا، فلم توجد أمة في الماضي ولا في الحاضر دَوَّنَتْ تراجم وسير العلماء خلال اثني عشر قرناً، كما فعل المسلمون فبإمكاننا الحصول على تراجم خمسمائة ألف عالم من المشهورين في كتبهم ".
هذا، وقد أفرز لنا اعتناء علماء المسلمين بالحديث الشريف والسنة النبوية حفّاظاً وعلماء اعتُبِروا على مرّ التاريخ معجزات في الحفظ والعلم والاجتهاد.
 فها هو الإمام يحيى بن معين أحد رجالات الحديث يقول:
" كتبتُ بيدي هذه ستمائة ألف حديث"
 وهاهو الإمام البخاري يقول:
" احفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح "
 والإمام الحاكم صاحب المستدرك يقول:
" كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث"
 وأبو زُرعة الرازي يقول لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل:
" كان أبوك يحفظ ألف ألفِ حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول عبد الله له: وما أدراك؟ فيقول أبو زرعة: ذاكرته فيها"
 ورحل علماء الحديث والسنة النبوية في سبيل تحصيل حديث رسول صلى الله عليه و سلم وطافوا أرجاء المعمورة وكان مَنْ لا يرحل يعاب عليه الأمر، وألّف الحافظ البغدادي كتاباً أسماه         ( الرحلة في طلب الحديث)  ذكر فيه أخبار بعض العلماء الذين رحلوا في طلب حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وعجائب من رحلاتهم هذه، وتُعَدُّ البعثات العلمية اليوم، التي ترسلها وزارات التعليم العالي مدينة لرجالات الحديث في تأصيلهم لهذه البعثات.
ومن أندر ما وقع تحت يدي وقرأته في هذه الرحلات، القصة التالية:
قال الحافظ الذهبي في كتابه العظيم سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام أبي الوقت السِّجزي:
 (الشيخُ الإمام الزاهد الخيِّرُ الصوفي، شيخ الإسلام، مسنِد الآفاق، أبو الوقت عبد الأول بن الشيخ المعَمَّر أبي عبد الله عيسى بن شعيب بن إبراهيم السجزي ثم الهروي الماليني، ولد سنة 458هـ.. حدث بخراسان وأصبهان وكِرمان وهمذان وبغداد، وتكاثر عليه الطلبة واشتُهِر حديثه وبَعُدَ صيته وانتهى إليه علو الإسناد.
وقال ابن الجوزي تلميذه:
 كان صبوراً على القراءة وكان صالحاً كثير الذكر والتهجد والبكاء على سمت السلف، وعزم عام موته على الحج وهيأ ما يحتاج إليه، فمات.
وقال يوسف بن أحمد الشيرازي تلميذه في كتابه أربعين البلدان:
لما رحلت إلى شيخنا رُحلةِ الدنيا ومُسنِدِ العصر أبي الوقت، قدَّر الله لي الوصول إليه في أخر بلاد كرمان فسلّمت عليه وقبَّلته وجلست بين يديه، فقال لي: ما أقدمك هذه البلاد؟ قلت: كان قصدي إليك ومعوَّلي بعد الله عليك، وقد كتبتُ ما وقع إليّ من حديثك بقلمي، وسعيتُ إليك بقدمي، لأدرك بركة أنفاسك وأحظى بعلو إسنادك.
فقال: وفَّقك الله وإيانا لمرضاته وجعل سعينا له وقصدنا إليه، لو كنت عرفتني حقَّ معرفتي لما سلَّمتَ عليَّ ولا جلست بين يدي، ثم بكى بكاء طويلاً وأبكى من حضره ثم قال: اللهم استرنا بِسترِك الجميل واجعل تحت السَّتر ما ترضى به عنا.
يا ولدي، تعلم أني رحلتُ أيضاً لسماع "الصحيح" ماشياً مع والدي من هَرَاة إلى الداووديِّ ببُوشَنْج، ولي من العمر دون عشر سنين، فكان والدي يضع على يَدَيَّ حجرين، ويقول: احملهما، فكنت من خوفه احفظهما بيديَّ، وأمشي وهو يتأمَّلني فإذا رآني قد عييتُ أمرني أن أُلقي حجراً واحداً، فأُلقي، ويَخِفُّ عني، فأمشي إلى أن يتبيّن له تعبي، فيقول لي: هل عييت؟ فأخافه وأقول لا، فيقول: لِمَ تُقَصِّر في المشي؟ فأُسرِعُ بين يديه ساعة، ثم أعجِزُ فيأخذ الحجر فيُلقيه فأمشي حتى أعطب، فحينئذ كان يأخذني ويحملني.
وكنا نلتقي جماعةَ الفلاحين وغيرَهم فيقولون:
 يا شيخ عيسى، ادفع إلينا هذا الطفل نُركبه وإياك إلى بُوْشَنْج، فيقول والدي: معاذ الله أن نركب في طلب حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم، بل نمشي وإذا عجز أركبته على رأسي إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم ورجاء ثوابه، فكان ثمرة ذلك من حُسْنِ نيتّه أني انتفعت بسماع هذا الكتاب وغيره، ولم يبق من أقراني أحد سواي، حتى صارت الوفود ترحل إليّ من الأمصار.

-- أيها الأخوة:
إن منزلة السنة النبوية الشريفة عند علماء المسلمين أورثتهم عناية فائقة بها من حفظ وكتابة ورحلات ونقد –كما مر-، وإن هذه العناية بدأت من عصر الصحابة الكرام ولا تزال إلى وقتنا الحاضر، وقد عقد الأستاذ الدكتور نور الدين عتر في كتابه منهج النقد في علوم الحديث مبحثاً تاريخياً لتطور علوم الحديث والسنة اختصره لكم فأقول:
مرَّت علوم الحديث بأدوار تاريخية سبعة هي:

الدور الأول: وهو دور النشوء:

 

الدور الثاني: وهو دور التكامل:

 

الدور الثالث: وهو دور التدوين لعلوم الحديث مفرقة:

 

 

الدور الرابع: عصر التأليف الجامعة وانبثاق فن علوم الحديث مدوناً:


يمتد من منتصف القرن الرابع إلى أوائل القرن السابع، ومن أشهر رجال هذا الدور الخطيب البغدادي والقاضي عياض.
الدور الخامس: دور النضج والاكتمال في تدوين فن علوم الحديث:
يمتد من القرن السابع إلى القرن العاشر، ومن أشهر رجاله ابن الصلاح صاحب كتاب علوم الحديث المشهور بمقدمة ابن الصلاح، والإمام النووي، والحافظ العراقي، والحافظ ابن حجر..
الدور السادس وهو عصر الركود والجمود:
من القرن العاشر إلى أواخر القرن الرابع عشر:
 توقف فيه الاجتهاد في مسائل هذا العلم والابتكار في التصنيف، وشغل الكاتبون بمناقشات لفظية لعبارات المؤلفين دون الدخول في عمق الموضوع تحقيقاً واجتهاداً ،لكن الله تعالى أقام نهضة للحديث في ديار الهند خلال هذه الفترة كانت على مستوى عال في البحث والعلم وذلك على يد العالم العلامة الإمام المحدث شاه ولي الله الدهلوي المتوفي سنة 1176هـ ثم على يد أولاده وأحفاده وتلامذته.
الدور السابع دور اليقظة والتنبه في العصر الحديث:
 من أواخر القرن الرابع عشر الهجري تنبهت الأمة الإسلامية للأخطار المحدقة بها من الشرق والغرب، نتيجة الصدام العسكري والغزو الثقافي والاستعمار الفكري وإطلاق الشبهات والدسائس حول السنة الشريفة على يد المستشرقين والمستغربين، فقام العلماء بصحوة جديدة للدفاع عن السنة وعلومها والحديث الشريف وفنونه، إذ علموا منزلة السنة الشريفة وأن الهجوم عليها وإبعادَها عن الأجيال هدم للدين بمعاول أعدائه فأخرجت المطابع الكثير من المؤلفات المبتكرة النافعة منها:
قواعد التحديث للشيخ جمال الدين القاسمي،
 ومفتاح السنة لعبد العزيز الخولي وهو أول محاولة في دراسة تاريخ الحديث وتاريخ فنونه.
والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي وهو كتاب جليل تحدث عن المستشرقين ومواقفهم العدائية للسنة والإسلامِ وعِنادِهم في ذلك وبَحَثَ في الرد على مزاعمهم،
وكتاب الحديث والمحدثون للدكتور محمد محمد أبو زهو عني بدراسة الأعصر الأولى عصر الصحابة والتابعين في جهودهم في خدمة السنة،
وكتاب منهج النقد في علوم الحديث لأستاذنا الدكتور نور الدين عتر صاغ فيه نظرية متكاملة لمنهج النقد عن المحدثين في علوم الحديث.
وصدق الله تعالى إذ يقول:  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .
 

 يمتد من القرن الثالث إلى منتصف القرن الرابع وهو عصر السنة الذهبي ،حيث دُوِّنَت فيه السنة وعلومها تدويناً كاملاً ونشأت فيه كتب المسانيد كمسند أحمد بن حنبل، والجوامع كجامع الترمذي والبخاري ومسلم، والسنن كسنن أبي داود والنسائي، ودّوِّنت كتب في تاريخ الرجال كطبقات ابن سعد، وفي العلل ككتاب العلل ومعرفة الرجل لأحمد بن حنبل.. وغيرها كثير.
 يمتد من مطلع القرن الثاني إلى أول الثالث، اكتملت فيه علوم الحديث إذ وجدت كلها واحداً واحداً وخضعت لقواعد يتداولها العلماء، وتمَّ التدوين الرسمي من قبل الدولة لحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم عندما أصدر أمراً بذلك الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فجُمِعَت الأحاديث وظهر جامع معمر بن راشد ومصنف عبد الرزاق وموطأ الإمام مالك وغيرها.
وذلك في عصر الصحابة الممتد إلى نهاية القرن الأول الهجري، حيث حفظ الصحابة الكرام كثير منهم كثيراً من كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم وأفعاله وتقريراته وأوصافه الخِلقية والخُلقية وكتب بعضهم عدداً لا بأس به من هذه الأحاديث، وبدؤوا يُحَدِّثون بها التابعين، ويتحرّون في تحديثهم الضبط والإتقان، واشتهر منهم سبعة مكثرون في التحديث هم: (أبو هريرة، عائشة، عبد الله بن عمر، أنس بن مالك، عبد الله بن عباس، جابر بن عبد الله، أبو سعيد الخدري).
-  وعندما برز قرن الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم مقتل الإمام الحسين ظهرت الفرق المنحرفة، وراح المبتدعة يبحثون عن مستندات من النصوص يعتمدون عليها في كسب أعوان لهم، فعمدوا إلى وضع الحديث واختلقوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم ما لم يقل فكان مبدأ ظهور الوضع في الحديث، وقد شَمَّر الصحابة الكرام للمحافظة على الحديث واجتهدوا في ذلك متبعين أقصى وأحكم ما يمكن من وسائل البحث والفحص الصحيحة، فعُنوا بالبحث في إسناد الحديث وفحص أحوال الرواة، وحثّوا الناس على الاحتياط في حمل الحديث عن الرواة وألّا يأخذوا إلا حديث من يوثق به دينا وورعا وحفظاً وضبطاً حتى شاعت في عرف الناس هذه القاعدة:
" إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمّن تأخذونها "
 وبذلك نشأ علم الرجال (الجرح والتعديل) الذي هو عمود أصول الحديث، فقد تكلم في الرجال من الصحابة عبد الله بن عباس وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك، ومن التابعين:
سعيد بن المسيب وعامر الشعبي وابن سيرين، وكان من جملة كشف الوضع ومحاربته أن رحل الصحابة والتابعون في طلب الحديث لأجل سماعه من الراوي الأصل، خاصة بعد تفرق الصحابة في الأمصار واتساع الدولة الإسلامية، فقد رحل أبو أيوب الأنصاري  إلى عقبة بن عامر ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس وغيرهما، ورحل من التابعين سعيد بن الحسيب، ومن طرقهم رضوان الله عليهم في محاربة الوضع والضعف عرض حديث الراوي على رواية غيره من أهل الثقة والحفظ والإتقان فحيث لم يجدوا له موافقاً على أحاديثه أو كان الأغلب على حديثه المخالفة ردوا أحاديثه وتركوها وهكذا لم يَنْقَضِ القرن الأول إلا وقد وُجِدَتْ أنواع من علوم الحديث منها:
الحديث المرفوع، والحديث المقطوع، والحديث المرسل، والمدلس، والموقوف، والمتصل، والمنقطع، والحديث المقبول وهو الذي سمي فيما بعد بالصحيح والحسن، والحديث المردود وسمي بعد ذلك الضعيف وأقسامه كثيرة.

أيها الإخوة الكرام:
أختم محاضرتي بالقول:
إن حبّ المسلمين لرسولهم سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ووعيهم لمنزلة سنته الشريفة جعلهم يبذلون الغالي والرخيص ليحافظوا عليها وينشروها ويعلموها أولادهم وأحفادهم وتلامذتهم.
وإن هذه الأمانة أعني سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم قد وصلت إلينا غضَّة طريّة، وهي اليوم في أيدينا لنوصلها إلى أولادنا وأحفادنا وتلامذتنا وأجيالنا القادمة، في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وإنه لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أمر أولها.
كتب عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد إلى وُلاته في الأمصار يقول:
(أصلحوا الناس بالسنَّة، فإذا لم تصلحهم السنة فلا أصلحهم الله)
الشكر كلّ الشكر لاتحاد الطلاب الاندونيسيين في الشام، والشكر لكم لحسن إصغائكم.  
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


كتبه محمد خير بن محي الدين الشعال   

دمشق الشام 

 الخميس 3/جمادى الآخرة/1424هـ  الموافق لـ 31/ تــمـوز / 2003م