الاثنين 22 أيار 2017

صور من صبر العلماء على تحصيل العلم

الاثنين 03 محرم 1430 / 29 كانون أول 2008

صورٌ من صبر العلماء على تحصيل العلم

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى على أحد أن العلم وتحصيلَه محتاجٌ إلى صبرٍ وجَلَدٍ وبذل، وقد قال سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام للخَضِر:
?هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ..?  فقال الخضر ?إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً?
في تنصيص من الذكر الحكيم أن العلم محتاجٌ إلى صبر، ومحاضرة اليوم حديث عن صور من صبر العلماء
وحكايات من بذلهم الغالي والرخيصَ في سبيل العلم طلباً لمرضاة الله تعالى ، والحكايات كما قال السلف جندٌ من جنود الله تعالى يثبتُ بها قلوبَ أوليائه، تصديقاً لقول الله تعالى:   ? وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ.. ? [هود120]


وقال الإمام أبو حنيفة النعمان :
"الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحبُّ إليّ من كثير من الفقه لأنها آداب القومِ وأخلاقهم"
 وروى سفيان بن عيينه أنه عند ذكر الصالحين تتنـزل الرحمة، وعلماء الأمة – لاشك- هم أصلحُ صلحائها.

وهدف المحاضرة الأول:

شحذ همم طلاب العلم للسير على ما سار عليه آباؤهم


وقد قال ابن الجوزي في كتابه النافع (صيد الخاطر):
 "من علامة كمال العقل: علوُ الهمة، والراضي بالدون دَني … وما ابتلي الإنسان قطُّ بأعظمَ من علوِّ همته ، فإن مَنْ عَلَت همتُه يختار المعالي، وربما لا يساعدُ الزمان وقد تضعفُ الآلة فيبقى في عذاب،.. ومَنْ رُزِقَ همةً عالية يُعَذَّبُ بمقدار عُلوِّها كما قال الشاعر:
وإذا كانت النفوسُ كبارا                                       تعبتْ في مرادها الأجسام

والهدف الثاني للمحاضرة:

إبراز صورٍ من عَظَمةِ سلفنا علماء هذه الأمة في تحصيلهم ومادتهم العلمية


حتى لا يتطاول عليهم متطاولٌ ولا يتمادى فيهم متمادٍ من متعالمي هذا الزمان.
وأول من صبر في تحصيل العلم الشرعي صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم  رضوان الله عليهم، وابن عباس رضي الله عنه نموذج عنهم.
روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين:
"عن عكرمة قال: قال ابن عباس: لما قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه و سلم  وأنا شاب، قلت لشاب من الأنصار: هلُمَّ فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم  ولنـتعلم منهم، فإنهم اليوم كثير. فقال: يا عجباً لك يا ابن عباس؟ أتُرى الناسَ يحتاجون إليك ، وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم  منْ فيهم؟ قال: فترك ذاك وأقبلتُ أنا على المسألةِ وتتبُّعِ أصحابِ رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فإنْ كنتُ لآتي الرجلَ في الحديث يبلغني أنه سمعه مـن رسول الله صلى الله عليه و سلم  فأجده قائلاً، أي نائماً منتصف النهار ، فأتوسدُ ردائي على بابه تسفي الريحُ على وجهي التراب حتى يخرج، فإذا خرج قال: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم  ما جاء بك؟ هلاّ أرسلت إليّ فأتيك؟ فأقول: لا أنا أحق أن آتيك، بلغني حديث عنك أنك تحـدثّه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم  فأحببتُ أن أسمعه منك.
فكان الرجل يراني بعد ذلك – وقد ذهب أصحابُ رسول الله صلى الله عليه و سلم  واجتمع حولي الناس يسألوني - فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني"
قال الحاكم عقبَ هذا الخير "هذا الحديث أصل في طلب الحديث وتوقير المحدث".
ثم تبعَ الصحابةَ التابعون ، وعطاء بن أبي رباح من وفيات (115) هـ وهو من سادات التابعين فقهاً وعلماً وورعاً وفضلاً وإتقاناً، نموذجٌ عنهم.
*  جاء في (تاريخ الإسلام) للحافظ الذهبي في ترجمته:
 "قال ابن جريح: كان المسجد فراشَ عطاءٍ عشرين سنة.. وكان أسودَ أعورَ أفطس أشلَّ أعرجَ ثم عمي" .
وجاء في (تذكرة الحفاظ) في ترجمة الإمام عبد الله بن المبارك ت (181)
 " قال علي بن الحسن بن شقيق : قمتُ مع عبد الله بن المبارك في ليلة باردة ليخرج من المسجد، فذاكرني عند الباب بحديث وذاكرته، فمازال يذاكرني حتى جاء المؤذن فأذّن للفجر".
ثم جاءت عصور تابعي التابعين ومَنْ بَعْدَهُم لتنشر لنا عجباً في طلب العلماء للعلم وصبرهم له ، وارتحالهم من أجله من بلد إلى بلد حتى شاع في كتب التراجم قولهم: الإمام الرحالة..، الإمام الجوّال..، الطوّاف.. إشارة إلى طوافه في الأرض بحثاً عن العلم، طاف الأرض أربع مرات..، دَوّخ الدنيا في طلب العلم، طاف الدنيا من مشرقها إلى مغربها على قدميه…
قال الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي إمام فن الجرح والتعديل ت (277)هـ:
"أول ما خرجتُ في طلب الحديث أقمتُ سبع سنين، أحصيتُ ما مشيتُ على قدمي زيادة على ألف فرسخ، لم أزل أحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته"
 علماً أن الفرسخ بمشي القدم نحو ساعة ونصف وهو خمسة كيلومترات تقريباً، وقد سار أبو حاتم من الكوفة إلى بغداد أكثر من مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، ومن مدينة سلا في المغرب الأقصى إلى مصر، ومن مصر إلى الرملة، إلى بيت القدس، إلى طبرية، إلى دمشق، إلى حمص، إلى أنطاكية، إلى طَرَطوس ثم رجع من طرطوس إلى حمص إلى بيسان إلى الرقة.
هذه الرحلات والصبر على مشاقها في طلب العلم ابتغاء وجه الله تعالى جعلت الخطيب البغدادي يصنف كتاباً سمّاه (الرحلة في طلب الحديث) ذكر فيه طرفاً من أخبار هؤلاء العلماء الأجلاء.
وتُعْتَبَرُ البعثاتُ العلمية اليوم التي ترسلها وزارات التعليم العالي في دول العالم مَدْنيَة لرحلات علمائنا في تأصيلهم لهذه البعثات.

•   ومن أعجب ما وقع تحت يدي وقرأته في هذه الرحلات ما قاله الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام أبي الوقت السِّجْري:
 "الشيخُ الإمام الزاهد الخيِّرُ الصوفي، شيخ الإسلام، مسند الآفاق، أبو الوقت عبد الأول بن الشيخ المعمَّر أبي عبد الله عيسى بن شعيب بن إبراهيم السجزي ثم الهروي المالييني، ولد سنة 458هـ.. حدَّث بخراسان وأصبهان وكرمان وهمذان وبغداد وتكاثر عليه الطلبة واشتهر حديثه و بَعُدَ صِيْتُه وانتهى إليه علو الإسناد.
وقال ابن الجوزي تلميذه: كان صبوراً على القراءة وكان صالحاً كثير الذكر والتهجد والبكاء على سمت السلف ، وعزم عام موته على الحج وهيأ ما يحتاج إليه فمات.
وقال يوسف بن أحمد الشيرازي تلميذه في كتابه (أربعين البلدان):
 لما رحلت إلى شيخنا رحلة الدنيا ومسند العصر أبي الوقت، قدَّر الله لي الوصول إليه في أخر بلاد كرمان فسلمت عليه وقبلته وجلست بين يديه، فقال لي: ما أقدمك هذه البلاد؟ قلت: كان قصدي إليك ومعوَّلي بعد الله عليك، وقد كتبت ما وقع إليّ من حديثك بقلمي، وسعيت إليك بقدمي، لأدرك بركة أنفاسك وأحظى بعلو إسنادك.
فقال: وفقك الله وإيانا لمرضاته وجعل سعينا له وقصدنا إليه، لو كنتَ عرفتني حقَّ معرفتي لما سلّمتَ عليَّ ولا جلستَ بين يدي، ثم بكى بكاء طويلاً وأبكى من حضره ثم قال: اللهم استرنا بسترك الجميل واجعل تحت الستر ما ترضى به عنا.
يا ولدي، تعلم أني رحلت أيضاً لسماع "الصحيح" ماشياً مع والدي من هراة إلى الداووديِّ بـبوشنج ، ولي من العمر دون عشر سنين، فكان والدي يضع على يدي حجرين ، و يقول: احملهما، فكنت من خوفه احفظهما بيدي، وأمشي وهو يتأملني فإذا رآني قد عييت أمرني أن ألقي حجراً واحداً، فألقي، ويخف عني، فأمشي إلى أن يتبين له تعبي، فيقول لي: هل عييت؟ فأخافه وأقول لا، فيقول: لِمَ تُقَصِّر في المشي؟ فأسرع بين يديه ساعة، ثم أعجز فيأخذ الحجر فيلقيه فأمشي حتى أعطب، فحينئذ كان يأخذني ويحملني.
وكنا نلتقي جماعة الفلاحين وغيرهم فيقولون: يا شيخ عيسى، ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك إلى بوشنج، فيقول والدي: معاذ الله أن نركب في طلب أحاديث رسول اللهصلى الله عليه و سلم ، بل نمشي وإذا عجز أركبته على رأسي إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم  ورجاء ثوابه فكان ، ثمرة ذلك من حسن نيتّه أني انتفعت بسماع هذا الكتاب وغيره، ولم يبق من أقراني أحد سواي، حتى صارت الوفود ترحل إليّ من الأمصار)).


•        ومن نوادر ما قرأتُ في الانصراف إلى طلب العلم والانشغال به عما سواه أنّ الفقيه المالكي الإمام المحدث (محمد بن سحنون القيرواني) المتوفى سنة (256)كانت له سُرِّيَّة يقال لها : أمُّ مُدَام ، فكان عندها يوماً وقد شُغِلَ في تأليف كتاب إلى الليل، فحضر الطعامُ فاستأذنْتَهُ ليأكُلَ فقال لها: أنا مشغول الساعة فلما طال عليها، جعلت تُلَقِّمُهُ الطعام حتى أتت عليه، وتمادى هو فيما هو فيه إلى أن أُذِّن لصلاة الصبح. فقال: شُغِلْنَا عنكِ الليلةَ يا أمَّ مُدَام ، هاتِ الطعام فقالت: قد والله يا سيدي ألقمتُه لك فقال لها: ما شعرتُ بذلك.

•        وحَدَّثت كتب تراجم الرجال أن محمود بن عمر الزمخشري إمامَ العربية وعلومها ت (538) هـ  سقطت رجله وهو في رحلته في طلب العلم في بلاد خوارزم لشدة البرد وطول الطريق وكثافة الثلج، وأن صديقَه أبا الفتيان عمر بن عبد الكريم الرَّوَّاسي الحافظَ الجوَّال ت (503) هـ سقطت أصابع يده، وأن الحافظ محمد بن طاهر المقدسي الحافظ المحدث الجوال ت(448)هـ  بال الدمَ في طلب الحديث مرتين مرة ببغداد ومرة بمكة قال:
 "وذلك أني كنتُ أمشي حافياً في حَرّ الهواجر فلحقني ذلك، وما ركبتُ دابةً قط في طلـب حـديث رسول الله صلى الله عليه و سلم  إلا مرة"،


•   وأن المحدث الحافظ الجوّال يعقوب بن سفيان النسوي فقد بصره قال يعقوب:
"أقمتُ في الرحلة ثلاثين سنةً، وكنتُ في رحلتي فقلَّت نفقتي، فكنتُ أدُمِنُ الكتابة ليلاً وأقرأ نهاراً، فلما كان ذات ليلةٍ كنتُ جالساً أنسخُ في السراج وكان شتاء، فنزل الماء في عينيّي
فلم أُبصر شيئاً، فبكيت على نفسي لانقطاعي عن بلدي وعلى ما فاتني من العلم.
فغلبتني عيناي، فرأيتُ النبي صلى الله عليه و سلم  في النوم، فناداني، يا يعقوب لِمَ أنت بكَيْت؟ فقلت يا رسول الله، ذهب بصري فتحسرتُ على ما فاتني فقال لي ادنُ مني، فدنوت منه. فأَمَرَّ يده على عينيَّ كأنه يقرأ عليهما، ثم استيقظتُ فأبصرتُ، فأخذتُ نُسختي وقعدتُ أكتب"
وتوفي سنة (277)رحمه الله تعالى.
هذا ، وقد جعل هذا البذل والصبر من علمائنا آيات في القراءة والكتابة والحفظ :
*  فقد حدّثوا عن المحدث الكبير الرحال عباس بن الوليد الفارسي تلميذ سفيان بن عيينة والفضيل بن عياض أنهم ربما وجدوا في آخر بعض كتبه ما نصه:
"درسته ألف مرة" وذُكِرَ عن إمام الفقهاء المعروف بابن التَّبَّان ت371 أنه درس المُدَوَّنة نحو الألف مرة.
*  وقال الفقيه المحدث المالكي محمد بن عبد الله صالح التميمي البغدادي: (( قرأتُ مختصر ابنِ عبد الحكم خمس مئة مرة، والأسدية خمساً وسبعين مرة، والموطأ خمساً وأربعين مرة، ومختصر البرقي سبعين مرة والمبسوط ثلاثين مرة )).
*  وقرأ الحافظُ الحسن السمرقندي صحيح مسلم نيفاً وثلاثين مرة ، وقرأ الفيروز أبادي البخاري أزيد من خمسين مرة ، على حين أن المحدث أبا بكر غالب بن عبد الرحمن الأندلسي قرأ البخاري سبع مئة مرة.
هذا في القراءة، أما الكتابة
فقد قال المتقدمون: "كنا لا نُعِدُّ صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء "
*  وكتب الحافظ الدمشقي ابن عساكر كتابه الموسوم (تاريخ دمشق) وهو في ثمانين مجلدة بيده، وكذا كتب سائر كتبه التي جاوزت الخمسين، على حين أن الشيخ ابن عبد الدائم المقدسي كتب (تاريخ دمشق) ذا الثمانين المجلدة مرتين وكتب (المغني) لشيخه الموفق بن قدامه المقدسي وهو عشر مجلدات كبار مراتٍ،
*  وقال الإمام أحمد: "مع المحبرة إلى المقبرة"، وكان قد سئل: إذا كتب الرجل ثلاثين ألف حديث لم يكفه؟ فسكت قيل: ستين ألفاً؟ فسكت، قيل مئة ألف فقال: حينئذ يعرف شيئاً، وكان يـحيى بن معين يقـول: كتبتُ بيدي هذه ستمـائة ألـف حـديث عن رسول اللهصلى الله عليه و سلم   .
*  أما الحفظ
 فقد كان حراسُ العلم الشرعي معجزاتٍ في الحفظ للقرآن ولسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وكان الإمام البخاري يحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح، وكان الإمام مسلم انتخب كتابه الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث على حين أن الإمام أبا داود انتخب كتابه السنن من خمسمائة ألف حديث، وقال الإمام أبو زرعــة الـرازي لعبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبوك يحفظ ألفَ ألفِ حديثٍ عن رسـول الله صلى الله عليه و سلم  قال عبد الله: وما يدريك قال: ذَاكَرْتُه فيها ، وكذا حفظوا كتب الفقه ومعاجم اللغة ودواوين الشعر..!
وبعد:
فهذه نبذة لسيرة من حياة علمائنا السابقين وآبائنا المتقدمين وهي باقةٌ من مكارم الآباء تُهْدَى إلى كرام الأبناء لتحدوهم على السير على طريق أسلافهم، ومن أراد الزيادة فعليه بكتاب (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) يجد فيه غُنْيَة بما يزيد على الخمس مئة صحيفة .
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
  إذا جَمَعَتْنَا يا جرير المجامع

أنشد الزمخشري يقول:

سهري لتنقيح العلوم ألذُّ لي                    مِنْ وصلِ غانية و طِيْبِ عِنَاقِ

وتمايُلي طَرَبَاً لحلّ عويصةٍ                      أشهى وأحلى من مُدامة ساق

وصَريرُ أقلامي على أوراقها                         أحلى من الدُّوكاة والعُشَّاق

وألذُّ مِنْ نَقْرِ الفتاة لدُفِّها                         نقري لأُلْقِي الرَّمْلَ عن أوراقي

يا مَنْ يحاول بالأماني رُتْبَتي                        كم بين مُستَفِلٍ وآخرَ راقي

أَأَبيتُ سهرانَ الدُّجى و تبيتُه                       نوماً وتبغي بعد ذاك لَحَاقي

 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله والحمد لله رب العالمين

الثلاثاء: 14/10/2003