مختصر خطبة صلاة الجمعة 28/ 6/ 2019 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)

- إليكم مجموعةً من آداب المسلم مع رسول الله، حري بمن أراد رفعة الدارين والقربَ من رسول الله التمسكُ بها، واذكروا أن من زاد عليك في الأدب زاد عليك في الدين، وأن الأدب يرفع المملوك حتى يجلسه في مجالس الملوك.

1- رأس الأدب مع النبي: كمال التسليم له والانقياد لأمره وتلقي خبرَه بالقبول والتصديق.

  روى البخاري ومسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قال: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ"، زاد ابن حبان:" فكان جرير إذا اشترى شيئا أو باع يقول لصاحبه: اعلم أنّ ما أخذنا منك أحبُّ إلينا ممّا أعطيناكه فاختر!" وروى الطبراني في ترجمة جرير:" أنّ غلامه اشترى له فرسا بثلثمائة، فلمّا رآه جاء إلى صاحبه فقال: إنّ فرسك خير من ثلثمائة، فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة ".

 فكمال الأدب مع رسول الله الانقياد لأمره والتسليم لسنته وحُكْمِه.

2- ومن الأدب مع الرسول: أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف. حتى يأمر هو، وينهى ويأذن، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1]، وهذا باق إلى يوم القيامة. فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته، كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم. قال أبو عبيدة: تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب؛ أي لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه. وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى.

3- ومن الأدب معه: أن لا تُرفَع الأصوات فوق صوته. فإنه سبب لحبوط الأعمال، فما الظن برفع الآراء، ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به؟! قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2]، روى البخاري والترمذي: كان عمر إذا تكلم عند النبي لم يَسمع كلامَه حتى يستفهمه. وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره.

4- ومن الأدب معه: أن لا يجعل دعاءه كدعاء غيره. قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63]. وفيه قولان للمفسرين: أحدهما: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضا. إن شاء أجاب، وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته، ولم يسعكم التخلف عنها ألبتة. الثاني: أنكم لا تدعونه باسمه، كما يدعو بعضكم بعضا، بل قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله.

5- ومن الأدب معه: أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع - من خطبة، أو جهاد، أو رباط - لم يذهب أحد منهم مذهبا في حاجته حتى يستأذنه. كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور: 62]، فإذا كان هذا مذهبا مقيدا بحاجة عارضة، ولم يوسع لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين: أصوله، وفروعه، دقيقه، وجليله؟ هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

والحمد لله رب العالمين