مختصر خطبة صلاة الجمعة 22/ 11/ 2019 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(سَفَر الدعوة)

- لما اشتد على رسول الله وأصحابِه كيدُ قريش وأذاها دعا رسول الله أصحابَه إلى السفر إلى مكان يأمنون فيه على دينهم وينشرون فيه دعوة ربهم، فكانت هجرة الحبشة الأولى ثم الثانية، وكان خروجه إلى الطائف، وكانت فيما بعد الهجرة إلى المدينة. وسافرت رسلُه إلى الملوك تضرب في الأرض شرقاً وغرباً يبلغون رسالة ربهم ...إنه سفر الدعوة.

- قال النبي الله لأصحابه: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه» [فتح الباري وسيرة ابن هشام]، وسافر أحد عشر رجلاً وأربعُ نسوة من المسلمين في هجرة الحبشة الأولى وكان أميرَهم سيدُنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وسافر في هجرة الحبشة الثانية ثلاثةٌ وثمانون رجلاً وسبعَ عشْرة امرأة، أميرهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، واستطاع مسافرو الدعوة أن يأمنوا على أنفسهم وأن يبلّغوا رسالة ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة؛ الأمر الذي أثمر إسلامَ عدد من أهل الحبشة ومن رهبانها، بل لقد أسلم النجاشي ملكُ الحبشة نفسُه وولده.

- لقد نجح مسافرو الدعوة في عرض الإسلام على من جالسوه وخالطوه، وحسبي أن تذكروا جواب سيدنا جعفر بن أبي طالب للنجاشي عندما دعاه ليسمع منه بعد أن حاولت قريش تأليبه على المسلمين المهاجرين إليه... فبكى النجاشيُّ حتىِ أخْضَلَ لحيته، وبكتْ أساقفته حتى أَخْضَلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلاَ عليهم، ثم قال النجاشي: إنّ هذا والله والذي جاء به موسى لَيَخرُج من مشكاة واحدة. اذهبوا فأنتم الآمنون بأرضي، من سبَّكم غُرِّم، من سبَّكم غُرِّم، من سبَّكم غُرِّم.

- فيما سبق من حديث سفر الدعوة دروس وفوائد يحتاجها كلٌّ منّا، وقد علمتني السيرة النبوية فيها أمرين:

- أولاً: في سفرك وحضرك ادع إلى سبيل ربك: من أكثر من مائة ألف صحابي حضروا حجة الوداع مع النبي، لم يدفن في المدينة إلا عشرة آلاف منهم، فأين ذهب الباقون؟! لقد فهموا معنى الشهادة {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، ومعنى تبليغ الرسالة «بلغوا عني ولو آية» [أبو داود]، ومعنى الأمر الإلهي {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل: 125]، فسافروا في الآفاق ينشرون دعوة الله ويبلغونها للعالمين... أكثر من ثمانين بالمئة من المسلمين اليوم ليسوا عرباً، فَمَن الذي حمل لهؤلاء الدين من مكة والمدينة وطار به إلى اندونيسيا والصين والهند وروسيا وفرنسا وبريطانيا وكندا وبروناي؟؟!... ألا فليعلم كلُّ من سافر من المسلمين أنّه إنْ لم يكنْ مصدراً لدعوة فإنه مستهدَف لدعوة، وأنّ المأمول منه أن يحمل بين جنبيه همَّ الدعوة إلى الله، ويبذل له المستطاع ليكون كمهاجري الحبشة ويكون على خطا الحبيب في الطائف.

- ثانياً: لا تحزن فعندما تُغْلَق دون المسلم دروب الأرض تفتح لهم أبواب السماء: ففي غمرة الآلام المضنية التي عاشها رسول الله وفي لجة الصدّ وفقد المعين يفتح الله تعالى له بابَ سماواته وتستقبله ملائكتُها (مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ)، ويلتقي بالأنبياء حساً ومعنى، ويُرفعُ سدرة المنتهى ويكلمه ربه جل جلاله... ليقرأ المسلمون عامة والدعاة خاصة من هذا الدرس أن الله تعالى لا يتخلى عنهم، وربما منعك ليعطيك، وربما قطعك ليصلك، وربما أوحشك ليؤنسك، وربما حرمك ليرحمك، وربما حرمك من شهواتك ليرحمك بتجلياته وهباته، فتذوقَ حلاوةَ قولِه: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} قال تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 48، 49].

والحمد لله رب العالمين