مختصر خطبة صلاة الجمعة 1/ 1/ 2021 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(مقدمة ومدخل)

- قال الله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 11، 12] الأذن الواعية هي أُذُنٌ سَمِعَتْ وَعَقَلَتْ مَا سَمِعَتْ، أو هي أُذُنٌ تحفظُ ما سمعَتْ، وتفكر فيه وتعمل بموجبه.

- وقال أذن واعية بالتوحيد والتنكير، ولم يقل وتعيها الآذان الواعية، للإيذان بأن الوعاة قلة، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله فهي السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواه لا يلتفت إليهم، وإن امتلأ العالم منهم. كما قاله الرازي في تفسيره.

- الوعي في اللغة يدل على فهم الشيء وحفظه وفقهه والإحاطة به، ويحب الإسلام أن يتحلى أبناؤه بالعلم ويتزينوا بالفهم ويتجملوا بالحكمة ويتمسكوا بالتعقل والتدبر والتذكر والوعي {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269].

- وعلى الطرف الآخر لا يحب الإسلام مخالطة الجاهلين {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55] ولا صحبة السفهاء والمغفلين، بل إن القرآن يجعل السفه صفة المنافقين والكافرين {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142].

- بينما يصف رسول الله ﷺ المؤمنين بالعلم والحكمة والفهم والوعي – فيما رواه أبو نعيم في الحلية- يقول: «علماء حكماء فقهاء... كادوا أن يكونوا أنبياء» فالمسلم مطالب بتفهم الأمور والتفكير بها وبعواقبها، ومطلوب منه توعيةُ غيره وتعليمه.

- اتصل رجل بشاب صالح يطلب لقاءه لأمر مهم، فواعده في مكان معين، فلما اجتمعا أخبره أنه قادم إليه بأمر مهم جداً وخاص جداً وذي حساسية عالية، أخبره أن شيخه الذي يحبه هذا الشاب ويتتلمذ عليه في ضائقة مالية وأنه محتاج لمبلغ مالي يسدد به فاتورة عملية جراحيةٍ لزوجته الموجودة الآن في مشفى خاص، وأن الشيخ لا يستطيع البوح لطلابه بحاجته وأن هذا الرجل علم بالأمر بطريق غير مباشر، وأنه يجمع للشيخ ليقضي حاجته ويبرئ ذمته... فما كان من هذا الشاب المحب لشيخه إلا أن بادر - محبةً في الشيخ وطلباً للثواب من الله - فعاد إلى بيته واقترض من أهله وأرحامه ما يستطيع وذهب لهذا الرجل ليعطيه المبلغ، منتظراً خبراً ساراً عن قضاء حاجة الشيخ وشفاء مريضه، لكنه تفاجأ بعد أيام عندما علم بطريقة غير مباشرة أن زوجة شيخه متوفاةٌ منذ أعوام عديدة وأن الشيخ كان الأسبوع الماضي في سفر خارج البلد... هنا علم أن الرجل خدعه واختلس ماله!! كان يفيد هذا الشاب أن يتمهل الرجل يوماً أو أكثر ليسأل أناساً مقربين من الشيخ عن المسألة أو أن يسأل الشيخ نفسه، أو كان يفيده أن يأخذ من الرجل اسم المشفى ليراجع قسم المحاسبة ويستبين الأمر، أو كان يفيده أن يسأل الرجل عن علاقته بالشيخ وعن سبب تواصله مع هذا الشاب بعينه دون غيره وعن طريقة حصوله عن رقم الشاب.

- أيها الإخوة: إليكم أربع طرق يزيد بها المرء وعيه أختم بها الخطبة: القراءة والتجربة واليقظة والصحبة.

- أما القراءة: فإنها تفيدك عقلاً وتطلعك على تجارب الآخرين وأفكارهم وعلومهم.

- وأما التجربة: فالعقل محتاج إلى التجربة ولا حكيم إلا ذو تجربة، ولكن لا ينبغي تجربة المجرب، فمن جرب المجرب فعقله مخرب.

- وأما اليقظة: فالمراد بها والتنبه والتفطن لما يجري معك أو مع غيرك ومقايسة الأمور بعضهاببعض وربط النتائج بأسبابها والنظائر بأشباهها.

- وأما الصحبة: فالمراد صحبة الحكماء أهل الوعي لتأخذ عنهم وتتدرب على أيديهم، قال المنصور للمهدي: يا أبا عبد الله لا تجلس مجلساً إلا ومعك فيه رجل من أهل العلم يحدثك.   

والحمد لله رب العالمين