لمتابعة الخطبة على قناة اليوتيوب (وبأكثر من دقة) عبر الرابط التالي:

https://youtu.be/UyZZ0_ONtUc

 

 

مختصر خطبة صلاة الجمعة 6/ 8/ 2021 للشَّيخ الطَّبيب محمَّد خير الشَّعَّال, في جامع أنس بن مالك، دمشق - المالكي

(درس من الهجرة (حفظ الأمانة))

- استوقفني أن قريشاً مع عدائها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومع كيدها له ولأصحابه كانت تضع أماناتها عنده لعلمها أنه الصادق الأمين، وليقينها أن أصحاب الرسالة أصحاب مبادئ وقيم، واستوقفني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رؤيته لصناديد قريش يقفون على بابه يريدون قتله وتفريقَ دمه في القبائل لم يرض إلا أن يترك وراءه من يرد الأمانة إلى أصحابها ويعيد الودائع إلى أهلها...! ففهمت من هذا الموقف أن حفظ الأمانة أساس في هذا الدين ومعتنقيه، في عسرهم ويسرهم.

- نعم؛ من أبرز علامات المؤمن أنه يؤدِّي الحقوق والأمانات إلى أهلها في أزمانها وأماكنها، فيعيش أمْنَاً حقيقياً.

- أما من فقد الإيمان أو اعتدى على الحقوق وخان فإنه يعيش خوفاً حقيقياً، يخاف وقوعه بيد العدالة حيناً، ويخاف وقوعه بيد من اعتدى عليهم حيناً آخر، ويخاف وقوعه بيد الله حيناً ثالثاً {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النِّساء:58].

- جاء في تاريخ ابن عساكر عن يزيد بن جابر قال: (رأيت سِواراً من ذهب، وزنه ثلاثون مثقالاً، معلَّقاً في قنديل من قناديل مسجد دمشق أكثر من شهر، لا يأتيه أحد فيأخذه)، كان رجل قد التقطه فعلقه في قنديل المسجد ليعود صاحبه بعد أكثر من شهر ليأخذه. إنها الأمانة التي لم تمتد لها يدُ أحدٍ من المؤمنين بل حفظوها لصاحبها، إذ فهم الجميع فهم قيمَ دينهم ودروسَ الهجرة.

- أرسلت طالبة جامعية كريمة سؤالاً تقول فيه: إنها تُدرِّسُ طلاباً في المرحلة الابتدائية دروساً خصوصية وتتقاضى أجراً مناسباً على كل ساعة تدريس، بعدما تعطي الطالب فقرةً في الدرس تختبره بسؤال تطلب منه كتابة جوابه على دفتره، وبينما يجيب الطالب على السؤال خلال دقيقتين أو ثلاثة تلتفت هي إلى كتابها الجامعي لتقرأ فيه شيئاً، سألتني: أيحلُّ لي أن أقرأ في كتابي الجامعي لمصلحتي الخاصة في أثناء هذه الدقائق أو إنها من حق الطالب وأنا أتقاضى أجرَها من ذويه! إنها الأمانة التي شعرت هذه الفتاة بوجوب حفظها ففهمت قيم دينها ودروس الهجرة.

- الطَّالب أمانة في عنق المعلِّم، والمريض أمانة في عنق الطَّبيب، والجريح أمانة في عنق الممرض، والمنشآت العامَّة أمانة بيد النَّاس، والمشتري أمانة في عنق البائع، والمراجع أمانة في عنق الموظف، والموكِّل أمانة في عنق المحامي، والخبر أمانة في عنق النَّاقل والمحرر والمذيع.

- وهكذا تدخل الأمانة في العبادات والمعاملات والعلاقات الأسرية وفي القضاء وفي الولايات العامَّة والخاصة، ومظهر الإيمان برعاية الأمانة، وقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبقى سيدنا علياً رضي الله عنه وراءه في مكة وأمره يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، ليقول للناس كافة: إن المؤمن أمين في الأزمة وفي الدعة، في العسر وفي اليسر، ولا إيمان لمن لا أمانة له.

- أخرج ابن ماجه عن فَضَالَةَ بْن عُبَيْدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ»

- وأخرج الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْهِجْرَةُ أَنْ تَهْجُرَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَتُقِيمَ الصَّلاة، وَتُؤْتِيَ الزَّكاة، ثمَّ أَنْتَ مُهَاجِرٌ، وَإِنْ مُتَّ بِالْحَضَرِ».

والحمد لله رب العالمين