أهمية الأسرة
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ [التحريم:6].
أيها الأخوة الكرام هذه سلسلة خطب جديدة، عنوانها: الأسرة والتربية، وسبب اختياري لهذا الموضوع: أننا اليوم أحوج ما نكون إلى أسر صالحة، وإلى تربية صالحة ولأن أعدائنا ـ اليوم وهم يحاربوننا ـ يوجهون سهامهم إلى أسرنا لتفكيكها، وإلى تربيتنا الإسلامية لتقويضها، ولأنني أرى كما ترون عدداً من أسرنا تركت واجب التربية، واكتفت بواجب التغذية، ولأن المجتمع كما تعلمون هو مجموعة أسر، والأسرة مجموعة أفراد، وإذا صلح الفرد صلحت الأسرة، وصلح المجتمع، والعكس صحيح ، يقول بن خلدون في مقدمته الشهيرة: ( إن الدول ترقى وتنحط بقدر ما تكون الأسر فيها قوية أو ضعيفة ) لكل هذا اخترت لكم هذه السلسلة: الأسرة والتربية، ولئن كانت السلسلة الماضية: كيف تصبح ولياً معنية بصلاح الفرد، فهذه السلسلة الأسرة والتربية معنية بصلاح الأسرة، وأول ما نتحدث في هذه السلسلة مستعينين بالله تعالى، أن أحدثكم عن أهمية الأسرة فعنوان خطبة اليوم: أهمية الأسرة .
الأسرة نظام فطري تنشأ فيه أول خلية اجتماعية، تبدأ بالزوجين، وتمتد حتى تشمل الأبناء والبنات، والآباء والأمهات، والأخوة والأخوات والأقارب جميعاً ، ولقد عني الأسلام أشد العناية بتنظيم الأسرة، وببيان أحكامها، دعماً لوجودها، وحفظاً عليها، ففي القرآن الكريم مئة وستٌ وأربعونَ آية تتحدث عن الأسرة، في آيات النكاح والصداق، والحمل والإرضاع والأولاد، والطلاق والعدد، وحقوق الوالدين، وصلة ذوي القربى والأرحام، والفقه الإسلامي يعطي فقه الأسرة: ربع المادة الفقهية الإسلامية، فتتحدث كتب الفقه عن الأسرة، والزواج وحقوق الزوجين، وحقوق الأولاد، وأحكام انحلال الزواج، وأحكام أموال الأسرة من نفقات، وميراث ووصايا، وأ وقاف، أما الحديث النبوي الشريف فلكثرة مادة الأسرة فيه، لم أستطع أن أضبط رقماً فيه عدد الأحاديث التي تتحدث عن الأسرة، وحتى أنني لم أستطع أن أقدر حجم المادة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تتحدث عن الأسرة ، إن الأسرة مهمة جداً لقد دعا الإسلام كما تعلمون إلى الزواج وحض عليه، لأنه يعرف أهمية الأسر في صلاح المجتمعات ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج )( ) وبارك الإسلام في من يدعم زواج الشباب والشابات ( إذا جائكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )( ) وعنف أولئك الذين يرغبون عن الزواج، عنف الشباب الذين يقولون: لا نريد الزواج، وعنف البنات اللواتي يقلن: لا نريد الزواج، وشدد على الآباء والأمهات الذين لايعينون أولادهم أو بناتهم على الزواج ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أن ثلاثة نفر جاؤوا إلى بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فسألوا وأجيبوا، فكأنهم تقالُّوها ،[ قالوا : هذه عبادة قليلة] ثم قالوا وما عليه فقد غفر الله له ماتقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أولهم: أما أنا فسوف أصوم ولاأفطر، وقال الثاني أما أنا فسوف أقوم الليل فلا أنام، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء ، بلغت مقالتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعنف عليهم، وقال:" ما بال أقوام يقولون: كذا وكذا، أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"( ) ، ولقد حض الاسلام الزوج على الإحسان إلى زوجته، حتى تبقى الأسرة متماسكة ( لا يكرمهن إلا كريم )( )، ( خياركم خياركم لنسائهم )( ) وأمر الاسلام الزوجة بإكرام زوجها، ورعايته حفاظاً على تماسك الأسرة ( لاينظر الله تبارك تعالى إلى امرأة لا تشكر زوجها )( ) وكره الاسلام الطلاق
( وأبغض الحلال إلى الله الطلاق )( ) وأوعد المرأة التي تسأل زوجها الطلاق من غير حاجة، أوعدها بالنار ( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة )( ) ذلك أن الطلاق هدم للأسرة، وقد حث الإسلام على رعاية الأولاد، والإنفاق عليهم، ففي الحديث: ( دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبه لعتق رقبه، ودينار أنفقته صدقةً على مسكين،
ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك، واللقمة يرفعها الرجل إلى فم زوجته له بها أجراً )( )وكذلك دعا الاسلام إلى رعاية الوالدين وبرهما، فأحب الأعمال إلى الله تعالى الصلاة على وقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله تعالى)( ) ، وعزز الإسلام صلة الأرحام من أعمام وعمات، وأخوال وخالات، وأخوة وأخوات ( إن الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله )( ) .
أيها الإخوة الكرام هكذا اهتم الإسلام بالأسرة، وهكذا دعا إليها، وهكذا شجع على إنشائها لأنها أساس بناء مجتمع قويم، وإذا سلم الأساس سلم البناء، أما المجتمعات غير الإسلامية شرقية كانت أو غربية، فإنها أهملت الأسرة واهتمت بوسائل الإنتاج، إنها أهملت الزوجة، وشجعت الصاحبة والخليلة، أهملت الزوج واهتمت بالصديق و[البوي فرند]، أهملت الأم والأب، واهتمت بدور العجزة ، أهملت الأولاد واهتمت بدور اللقطاء، نددت بالعفة والستر والإحتشام، وشجعت التبرج والزنا والفاحشة، عابت على المرأة المسلمة زواجها، والتزامها ببيتها وحملها ورعايتها لأولادها، وأقرَّت الإجهاض والرحم المستعار، وعارضات الجسد، نشرت نواد للشذوذ، ونواد لتبادل الزوجات، وشركات لإدارة بيوت الدعارة، وتجارة الَّرق الأبيض، وكانت النتيجه : أن هُدمت الأسرة عندهم، وضاع البناء الإجتماعي يقول مفكروهم اليوم: ( إن العالم الغربي يحتضر ) نشرت مجلة نيوزويك الغربية، النسخة العربية منها تحت عنوان عريض: غير متزوجات ولديهن أطفال، يقول التقرير: تُظهر الأرقام التي نشرها قبل أسبوعين من الإحصاء السكاني أن عدد العائلات في أميركا التي ترأسها أمهات غير متزوجات قد ازداد بمعدل 25% ،لتصل إلى ما يربو على سبعة ملايين ونصف مليون أسرة من امرأة عندها أولاد وليست متزوجة، وخلال 10سنوات مضت كان عدد الأطفال الذين ولدوا في أسرة غير المتزوجات نحو ثلث إجمالي المواليد، كلما رأيتُ ثلاثة من الأمريكان، فأعلم أن واحداً منهم ليس أبناً لي، كما أن عدد الآباء غير المتزوجين الذين ينجبون أطفالاً لوحدهم يزيد على مليوني عائلة، بينما الأسر التقليدية التي تربي أطفالها فإنها تشكل أقل من ربع إجمالي عدد الأسر، لذلك قالت المؤرخة والمؤلفة، والباحثة الأميريكية (ستيفا نيكولتن) وهي مدرَّسة تاريخ العائلة في إحدى جامعات ولاية واشنطن قالت يجب: علينا أن نشجع ونحض ونقدم الحوافز، ونضغط على الشباب حتى يتزوجوا، ويشكلوا أسراً وإلا فإن المجتمع الأميركي ذاهب نحو الهاوية، وتنشر صحائف مواقع الإنترنيت، وبشكل دوري: أرقاماً سوداءً تتحدث عن الأسر، وعن وضع النساء والرجال والأطفال عندهم ، واخترت لكم من هذه الأرقام ما يلي:
• ازدادت نسبة المواليد غير الشرعيين في بعض مناطق انكلترا عن 50% أما في روسيا فإن ربع المواليد غير شرعيين .
• 75% من الأميريكيات يشعرن بالقلق لإنهيار القيم، وتفسخ العائلة .
• 80% من نساء السويد، يرتكبن الزنا .
• في أميريكا مليون طفل يولد سنوياً من السفاح، و اثنا عشر مليون طفلٍ مشردٍ في ظروف غير صحية، ومليونَ حالةٍ إجهاض سنوياً .
• 75% من الغربيات يتعاطين المخدرات، و نسبة التدخين بين النساء ارتفعت إلى 95% .
وغيرها من الأرقام كلها لأنها الأسرة عندهم قد هدمت أرأيتم إلى أهمية الأسرة، من أجل هذا أيها الأخوة، حتى لا يتساقط المجتمع، وحتى لا ينهار البناء، وحتى لا تتقوض أواصر الأسرة دعا الإسلام إلى الأسرة، ورغب في إنشائها، ورعاها، وصانها، وفي نهاية هذه الخطبة، وبعد رأينا حال الأسرة عند الإسلام والمسلمين، عند غير المسلمين ، ما المطلوب منا ؟
المطلوب منا ثلاثة أمور :
 الأمر الأول : أن لا ننساق وراء ما يأتينا من عند غير المسلمين مما يدعونا إلى ترك الزواج، أو إلى تأخيره، أو إلى خروج نسائنا متبرجات، أو إلى الزواج المدني، أو إلى سحب ولاية الأب عن بنته أو نحو ذلك مما ترسله إلينا وسائل الإعلام غير المسلمة .
 والأمر الثاني : أن نحافظ على أسرنان وعلى أولادنا، وعلى بناتنا، وعلى زوجاتنا وأزواجنا، وعلى اخوتنا وأخواتنا ( قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ) [التحريم:6] .
 والأمر الثالث : أن نشجع زواج أبنائنا ووبناتنا، وشبابنا وشاباتنا عموماً، لنبدأ معاً رحلة الأسرة والتربية .