النصيحة بالحوار

يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم:6]
نحن أيها الأخوة الكرام في الخطبة الثانية عشر من سلسلة: الأسرة والتربية ، ومرة أخرى أقول لكم نحن اليوم أحوج ما نكون إلى بيوت تؤدب، وإلى أب يعلم ، ...و إلى أم ترعى ، الهجمة على العالم الإسلامي لم تعد سراً. أعداؤنا يخططون للأجيال القادمة، فكان أن هجموا على التربية الإسلامية، لا يريدون أن نربي أولادنا تربية قرآنية، أو تربية إسلامية، أو تربية نبوية، والحل الوحيد في بيتك، وفي يدك وقبل المدرسة، وقبل المسجد، وقبل دورات التعليم، والتدريب والتأهيل، والحل عند كل أب فينا، وعند كل أم من أمهاتنا، نحن اليوم أحوج ما نكون إلى أسر مربية، لذلك كانت هذه السلسلة: الأسرة والتربية وقد تحدثنا عن أهمية الأسرة، وأهمية التربية، وعن اختيار الزوج و اختيار الزوجة، وعن النفقة الحلال، وعن الدعاء للأبناء، وعن العدل بينهم، وعن العقوبة والمكافأة، وعن القدوة الحسنة وأثر كل ذلك في التربية، وكان عنوان خطبة الأسبوع الماضي نصح الأبناء وأثره في التربية، وعنوان خطبة اليوم: نصح الأبناء وأثره في التربية أيضاً غير أننا اليوم سنتكلم عن النصيحة بالحوار .
أيها الإخوة الكرام لقد اختصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين كله بكلمة واحدة لقد كثف ديننا بكلمة واحدة فقال ( الدين نصيحة )( ) وذلك لما لهذه النصيحة من أثر كبير في هذا الدين ولئن كنا مأمورين بأن ننصح الناس عامة، فنحن مأمورين أن ننصح أولادنا ، وليست التربية إلا مجموعة نصائحَ عملية وعلمية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصحه ) وأولادك عندك رعايا، وبناتك عندك من الرعية (إلا لم يجد رائحة الجنة )( ) وإن صام، وإن صلى، وإن حضر معنا، لكنه ترك نصح أولاده ورعايتهم الحديث يقول: ( إلا لم يجد رائحة الجنة ) والحديث في البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم ( إن أول ثلاثة يدخلون الجنة [دققوا في هؤلاء الثلاثة] شهيد، وعفيف متعفف، ورجل عبد الله فأحسن العبادة، ونصح للناس) الذي ينصح الناس سيدخل الجنة مع الشهداء ، الذي يرعى أولاده بالنصح سيكون أول الداخلين إلى الجنة، والذي ينشغل عن أولاده بجمع المال لهم، أو بلقاءاته مع التجار، ومع الموظفين، وفي لحفلات الساهرة، ينشغل عن نصح أولاده ليعين لهم بعض الخادمات ترعاهم، وبعض السائقين ليعتني بهم
أو بعض المربين ليسهر على تربيتهم، والأب مشغول عن الأولاد، فالأب في خطر كبير،وقد ذكر لي بعض الإخوة أن أولاده باتوا يتحدثون بالأندونيسية، وذلك لأنهم يجلسون مع الخادمة الأندونيسية أكثر ما يجلسون مع الأم، وذكر لي بعضهم أن أولاده بات يظهر اهتماما ورعاية وشيئاً من الاقتناع ببعض الطقوس غير الإسلامية، لأنه يجلس مع الخادمة غير المسلمة، أكثر مما يجلس مع والده فالأب الذي لا ينصح الأولاد، والأم التي لا تنصح البنات في خطر وخطر على كل المسلمين، ولئن كنا نخزى فبسبب هذا الأب، ولئن كان الإسلام يطعن فبسبب أمثال هذا الأب ، الأمر خطير إذا أنت لم تربِ الأولاد فلن يربيهم أحد على الإطلاق، وأولادك هم أولى من يحتاج إلى نصحك، ونصحك، هو أول ما يبحثون عنه، نعم إن تأمين مستقبلٍ مالي لهم أمر مهم، ولكن النصح الأبوي لهم أمر أهم ، نعم إن عقد صفقات تجارية كبيرة تدر عليهم الملايين أمر حسن لكن عقد قلوبهم على نصائح حانية تخرج من أبيهم أمر أحسن، وإن نصيحة واحدة من الأب لتساوي مائة نصيحة من أكبر معلم على هذه الأرض، وإن نصيحة واحدة من الأم لتساوي ألف نصيحة من أعظم مربية وأعظم معلمة .
طرق النصيحة ثلاث كما مَرّ في الخطبة الماضية:
• نصيحة بالقصة: تحدثنا عنها في خطبة الأسبوع الماضي.
• نصيحة بالحوار: سأحدثكم عنها اليوم.
• نصيحة بالخطاب المباشر : هي عنوان خطبة الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى .
عرف العلماء الحوار فقالوا : هو محادثة بين شخصين أو أكثر حول موضوع محدد للوصول إلى الحقيقة، ولأهمية الحوار في النصح والتربية أمر الله المسلمين في القرآن الكريم أن يحاوروا اليهود، وأن يحاوروا المشركين وأن يحاوروا الكافرين، وسجل القرآن حواراً بين الله تعالى وبين الملائكة، بل إن الله تعالى حاور ـ كما في القرآن الكريم ـ إبليس، فإذا كان الحوار مع اليهود، و مع النصارى، ومع سائر الخلق، أفلا تحاور أولادك؟ أفلا تجلس معهم لتقول لهم ما رأيكم بالأمر الفلاني؟ فتأخذ منهم وتعطيهم ، ونجد في السنة الشريفة حوارات كثيرةً بين النبي صلى الله عليه وسلم وأناس من صحابته، أو من غير الصحابة .
روى الامام أحمد عن عبد الله بن عمر بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أتدرون من المسلم؟ انظر إلى هذا الحوار، كان من الممكن أن يقول لهم: المسلم هو كيت وكيت وينتهي الموضوع لكنه قال : أتدرون من المسلم ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، أتدرون من المؤمن ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : المؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم)( ) .
في صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أرأيتم لو أن نهراً على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا : لا يبقى من درنه شيء [يعني من أوساخه] ، قال: كذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا )( ) حوار .
في مسند الإمام أحمد عن أبي أمامه قال : إن فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الزنا فيقول: أإذن لي في الزنا ]وتصوروا هذا الموقف شاب وفي خطبة الجمعة له من العمر
/ 18 / سنة أو أكثر أو أقل يقف ليقول للشيخ : هل يُسمح بالزنا في الإسلام] ، قال فأقبل القوم على الشاب فزجروه قالوا له : مه مه [يعني أسكت أسكت، ما هذا السؤال السيئ، هكذا فعل الصحابة] فقال النبي صلى الله عليه وسلم للشاب : أُدنُ [تعال] فأقبل الشاب، فأجلسه صلى الله عليه وسلم قربياً منه، ثم قال له : ألك أم قال : نعم قال أترضاه لأمك [هذا الذي تطلب الأذن به أترضاه لأمك] قال : لا والذي بعثك بالحق ، قال : وكذلك الناس يكرهون ، ألك أخت قال : لا فداك أبي وأمي قال : أترضاه لأختك ، قال : لا فداك أبي وأمي قال : وكذلك الناس يكرهون ، ثم قال له : ألك عمة، ألك خالة، وكل ذلك يقول الشاب إنه لا يرضاه لا لعمته ولا لخالته قال : كذلك الناس يكرهون ، ثم وضع رسول صلى الله عليه وسلم يده على صدر الشاب، وقال : اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه)( ) ، انظر إلى هذا الحوار مع أن الموضوع لعله أن يكون من أسوأ المواضيع، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصحه بالحوار، يقول الصحابة فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء من الحرام، بعد أخذ الموعظة والنصيحة بطريقة الحوار ، وما عليك إذا قال لك ابنك يوماً لماذا تأتي إلى المسجد ؟ ماذا تستفيدون من خطبة الجمعة؟ لماذا تضع أختي حجاباً على رأسها؟ لا عليك أن تحاوره، وإذا كنت لا تتقن الحوار تعلم، وإذا عجزت عن التعلم خذ بيده إلى من يحاوره، المهم أن هناك موعظة بالحوار، إنها نصيحة بالحوار
والآن كيف تبدأ حواراً مع أولادك ؟ مطلوب منك أن تحاور الأولاد ، ببساطة استخدم عبارة مارأيك في كل حوار جديد تريد أن تفتحه، فمثلاً عندما تكون جالساً على طاولة الغداء الآن بعد صلاة الجمعة قل لأولادك الذين حضروا معك الخطبة: ما رأيكم بكلام الخطيب؟ ودعهم يقولون سلباً وإيجاباً، وأنت حاورهم، وأرسل نصائحك الثمينة من خلال حوارك، أو قل لأولادك وأنت جالس معهم في جلسة المساء مارأيكم بموضوع اختلاط الشباب بالبنات ودعهم يتكلمون سلباً وإيجاباً، وأنت حاورهم، وأرسل نصائحك الثمينة من خلال حوارك، أو قل لأولادك وأنت جالس معهم في وشاركهم الحوار وفي أثناء حوارك أرسل نصائحك الثمينة، فهم ينتظرون كلامك، أو قل لهم: ما رأيكم أن نغتنم العطلة الصيفية القادمة بحفظ جزء من القرآن الكريم في كل شهر، نحن أهل البيت الأم والأب والأولاد كل منا سيحفظ خلال شهر من العطلة جزءً من القرآن في شهرين جزئين، ما رأيكم؟ ودعهم يؤيدون أو يعارضون، وفي أثناء حوارك أرسل نصائحك الثمينة ، أيها الأخوة الكرام النصيحة بالحوار مادة مهمة، ولابد للأب وللأم أن يفتح حواراً مع أولاده ليسمع منهم وليسمعهم .
أختم هذه الخطبة بالقواعد الذهبية الخمسة للحوار ، الآن لوجلسنا لنتحاور أنا وأنتم، أو أنت وأولادك هناك خمسة قواعد ذهبية لابد من أن تنتبه إليها :
القاعدة الأولى: أن يكون الحوار التي هي أحسن: إذا أردت أن تحاور أولادك فحاورهم مستخدماً العبارات التي هي أحسن لا تقل لابنك أسكت فأنت صغير، لا تسفه له رأياً، ولا تحتقر له وجهة نظر، بل أكرم كلامه، ولو كان خطأً قل له: لا بأس في كلامك، لكن أسمع مني كلامي لعلك، تصحح لي أو أصحح لك، حاوره بالتي هي أحسن، وقد قال الله تعالى في قرآنه الكريم ﴿ أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ [النحل:125] حتى المشركين نجادلهم بالتي هي أحسن ، فكيف نعامل الأولاد ونحاورهم ؟
القاعدة الثانية : لا تستأثر بالكلام ولا تجعل كل الجلسة كلاماً لك، أو للأم، بل اسمع من الأولاد حتى تشاهد ما تختزنه عقولهم ومن أين جاؤوا بأفكارهم اسمع منهم وأسمعهم.
القاعدة الثالثة : لا تتعصب وسلّم بالخطأ لعلك تكون مخطئاً، وهل يخطئ الكبير ؟ نعم. سيدنا عمر كان على المنبر، فقال في مجمع من الصحابة ـ والصحابة متوافرون يومئذ ـ قال لهم : ما رأيكم أن تضعوا حداً للمهور، حتى لا يغالي الناس بمهور بناتهم، فيتأخر الشباب عن الزواج، والصحابة مجتمعون قالوا : هذا أمر حسن ، فقامت امرأة في أخر المجلس وقالت : ليس لك ذلك يا ابن الخطاب، أنت مخطئ لأن الله تعالى يقول في قرآنه الكريم ﴿ وآتيتم أحداهن قنطاراً ﴾ [النساء:20] أي: لو أعطيت زوجتك مهراً قنطاراً وهو مقدار كمية كبيرة من الذهب فلا تأخذ منه شيئاً [قال الله يمكن أن تعطي زوجتك مهراً قنطاراً من الذهب، جبلاً من الذهب] فكيف تريد أنت أن تحدد المهر ، قال عمر : أصابت امرأة وأخطأ عمر. لا بأس أن تخطئ، ولعل ابنك يتعلم من خطأك أكثر مما يتعلم من صوابك، إذا رأيت نفسك أخطأت فلا تتعصب وسلم بالخطأ .
القاعدة الرابعة : حسن الاستماع إذا تكلم ابنك أو ابنتك فأحسن الإصغاء إليهما.
القاعدة الخامسة والأخيرة : وهي أهم القواعد عنوانها المخالفة رغم الاقتناع هناك أولاد مشاكسون بطبعهم .فبعض الأولاد يقتنع بفكرتك مائة بالمائة، لكنه لا يقول لك: أنا اقتنعت، ويبقى على مخالفتك ولكنك بعد يوم أو يومين ستجد أن ابنك يقول كالذي قلته أنت البارحة، وسيفعل مثل الذي طلبته منه، يعني أنه لا يشترط في نفس الجلسة أن يعترف لك المحاورهو بخطأ. وأنك على صواب. هناك أناس يخالفون رغم الاقتناع. يقتنع لكنه يخالف، فما عليك إلا أن تنهي الحوار بلطف ودع الوقت يأخذ دوره، فستجد ابنك بعد أيام يعمل ما كنت تطلبه منه في الحوار، ثم يدافع عن الفكرة التي كنت تدافع عنها .
أيها الأخوة الكرام هذه هي القواعد الذهبية الخمسُ في الحوار
 التي هي أحسن
 لا تستأثر بالكلام
 لا تتعصب وسلم بالخطأ
 حسن الاستماع
 المخالفة رغم الاقتناع
نسأل الله تعالى أن يخلقنا بأخلاق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأن يحفظ أولادنا وبناتنا.


الحمد لله رب العالمين