الأربعاء 16 حزيران 2021


وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها

الأربعاء 17/09/1431هـ 25/08/2010م - 7648 زيارة
وصف الملف الجودة اللاحقة الحجم المدة التحميل التشغيل
صوت عالية mp3 2.02 MB 17:39 mp3 mp3

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً متقبلاً يا أكرم الأكرمين.
وبعد:
عنوان الدروس ( نظرات في آيات)
الآية رقم 132 من سورة طه :


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طـه: 132]


في هذه الآية أربع نظرات:


النظرة الأولى:
 في قول الله تعالى : {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ}.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى أبٍ يربّي أكثر مما نحتاج إلى أبٍ يغذّي، والعجيب أن الكثير منا اشتغل بالتغذية ونسي التربية، ويقول إن ميمات التربية أربع (ممكن أن يتربى الابن في أربع أماكن):
1- المسجد.
2- المجتمع.
3- المدرسة.
4- المنزل.

والمنزل أحسنها، أحسن مكان يتربى فيه ابنك هو المنزل، بعد ذلك المسجد، بعده المدرسة، ثم المجتمع.
والآن هناك مشكلة كبيرة إن لم أُربّي ابني في المنزل، فالطفل يقضي مع أمه خلال سنواته السبع الأولى من حياته أكثر مما يقضى في المدرسة بسبعة أضعاف، لذلك الأم تربيتها للولد والأب تربيته للولد أغلى بكثير من تربية المدرسة، وأهمّ بكثير من تربية المسجد، وأحسن بكثير من تربية المجتمع.
في القرآن الكريم سورة اسمها ( سورة لقمان) كما تعلمون، ولقمان اختلف فيه العلماء، هل هو نبيٌّ أو أنه رجلٌ صالحٌ، الأكثر على أنه رجل صالح، ورب العالمين أراد أن يحدثنا عن لقمان كلكم تعرفون سورة لقمان، أراد أن يحدثنا عن لقمان وفضله في سورة لقمان، فماذا ذكر لنا في السورة كلها عن لقمان؟ أتذكرون؟
لم يذكر صلاة سيدنا لقمان كيف كان يصلي، يطيل أم لا، لا يوجد حديث عن لقمان في زكاته ولا في صيامه، لكن الله عز وجل ذكر لنا سيرة لقمان الأب وهو ينصح ابنه:
{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان: 13]  
{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [لقمان: 17]
يا بني.. يا بني .. يا بني ..
فالله سبحانه وتعالى اختار من سيرة لقمان كلها سيرة الأب الذي يعلم ابنه، والله سبحانه وتعالى يقول في مطلع هذه الآية في سورة طه {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ}، يجب أن تتكلم مع أولادك في موضوع الدِّين، يجب أن تجالسهم وتعلمهم أن الله عز وجل أحل لنا كذا وكذا وحرّم علينا كذا وكذا، يا ولدي أنا أجمل يوم عندي عندما أراكم واقفون بين يدي الله تصلون، يا أولادي كل سعادتي أن تكونوا من الصالحين، يجب أن تتحدثوا بهذا الكلام، والله يا أيها الإخوة لو أتينا بأكبر وأحسن شيخ في الكرة الأرضية ونجلسه مع ولدك يتكلم له عن الدِّين، لا يساوي هذا أبداً حديثك أنت مع ابنك عن الدين.
ما السبب؟
السبب أنه بينك وبين ولدك رابطة روحية، عندما تقول لابنك : يا بني، تخرج مادة روحية من فمك وقلبك تخترق كل جسم ابنك قلبه وعقله وروحه، فأكبر شيخ لا يستطيع أن يخترق هذا الاختراق، الشيخ ينفع ويدله بطريقة أو بأخرى، ولكنك أنت الأب فصوتك معه نبضات روحية مع ابنك، فأرجوك لا تقصر أن تجلس مع ابنك أو مع أولادك، ولو في اليوم ساعة.
مرة خطبة عشرين خطبة في أحد مساجد هذه البلدة، ما يقارب الخمسة أشهر، قلت للإخوة المصلين بعد خمسة أشهر، قلت لهم: أتدرون ماذا أريد منكم بعد عشرين خطبة؟ أريد منك أن تجلس مع أولادك في كل يوم ساعة، حدثهم بهذه الساعة ودعهم يحدثوك، اسمع منهم واطمئن عن أخبارهم، نحن الآن نعجب من أبٍ صالحٍ ملتزمٍ يحب الله ويحب رسوله ولكن انظر إلى جوال ابنه ترى صوراً سيئة جداً، تسأل الأب يخبرك أنه لا يعرف. انظر إلى دفاتره فالصور الموجودة على دفاتره سيئة جداً. تسأل الأب يقول والله لا أعلم، ابنته معلقة في غرفتها صور لمصارعين وملاكمين ورياضيين ومغنيين، يقول لك: والله لم أنتبه، هل ابنتي عندها في غرفتها هذه الصورة؟ نعم ادخل وانظر ما هي الصور المعلقة في الغرفة.
زوجته ذهبت في العيد اشترت لأولادها، لابنها كنزة ولكن على الكنزة صور سيئة جداً، يخبرك أنه لم ينتبه فأنا أعطيتها المال وهي اشترت.
نحن بحاجة اليوم إلى أب يربّي ، لذلك أرجوك ، فالإسلام يحتاج، ودينك يحتاج، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يطلب إليك ورب العالمين يطلب إليك، اجلس مع ابنك ساعة.
أحياناً يقول أحدهم: والله العمل قد أخذ كل وقتي.
أرجوك أترك عملك ساعة، تأخر ساعة عن العمل واجلس مع ابنك، تعال مبكراً بقدر ساعة لأجل أن تجلس مع أولادك.
رمضان فرصة ، فنحن في رمضان نجتمع كلنا على الإفطار، تكلم مع أولادك، اطفئ التلفاز وتكلم معهم، أو دعهم يكلموك، قبل أن نصل إلى نقاط حرجة جداً.
 أيها الإخوة:
قال لي أحد الآباء ، وقد جاءني وهو صالح وخير وزوجته إنسانة صالحة، قال لي: أرجوك يا أستاذ ابني أرسلوا من المسجد من يأخذه معكم إلى المسجد، ولكن حديث الأب ولون وجهه ينبئ عن شيء، وأنا أعرفه فسألته: خيراً يا فلان ماذا حدث؟
قال لي: صديق ابني – وابنه في الصف الحادي عشر يعني عمره حوالي 16 عاماً – صديقه توفى، عمره 16 أو 17 سنة، وهو صديقه الحميم، وذهبت إلى العزاء علمتُ وأنا في العزاء بأن هذا الابن مات شنقاً، شنق وقتل نفسه، وترك لأهله رسالة بشريط فيديو والرسالة موجعة جداً.
قال لي: أرجوك أرسل أحداً يأخذه للمسجد هذا صديق ولدي.
أرجوكم أيها الإخوة نحن بحاجة لأن نجلس مع أولادنا، هناك من ينتظر أن تترك أولاده من أجل أن يرسل له عبر أقنية الفضاء وعبر الألعاب وعبر المواعيد خارج البيت، يرسل له أشياء تقلبه رأساً على عقب، لذلك الله عز وجل قال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ }.

 

النظرة الثانية:  {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}
ما الفرق بين (اصطبر) وبين (اصبر) فالله عز وجل قال {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} كلمة (اصبر) أربعة أحرف كلمة (اصطبر) خمسة أحرف، وفي اللغة العربية يقولون: زيادة المبنى دليل على زيادة المعنى، فهذه زائدة في البناء عن أربعة أحرف ، فزيادتها دليل على زيادة المعنى، أي واصبر صبراً شديداً عليها، فأنت ليس من أول مرة تقول لابنك: يا ولدي يا حبيبي تعال معي إلى المسجد فيذهب معك من فوره، لا، بل ستقول له مرتين وأربعة وسبعة وعشرين وتسعين ومائتين و... طيب إلى متى؟ الله عز وجل قال {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}.
الآن : هل تعلمون كم مرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أمر أمته بالصلاة؟ فنحن أمته هل تعلمون كم مرة؟
ستون ألف مرة وسبعمائة وكسور.
أنا جمعت أحاديث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي أمر فيها أمته بالصلاة ، إما بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر نظرياً وعملياً وكانت النتيجة أنه صلى الله عليه وسلم أمرنا بالصلاة ستين ألف مرة وسبعمائة وكسور.
جلست أفكر: ألم يملّ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الحديث!! ألم يتعب من هذا الحديث؟!
بلى ، أكيد أنه تعب ، ولكنه يريد أن يحولنا إلى أمة منضبطة بالشرع، فهل تفكرون أننا الآن نصلي هكذا بكل بساطة وبدون أي شيء؟
تريد من ابنك أن يصلي بكل بساطة؟ يجب أن تقول له مرة تلو المرة وستين ألف مرة ، ويجب أن تدعو له بالليل والنهار، ويجب أن تجد الوسائل المرغبة في الصلاة.
قال لي أحد الآباء موقفاً وأعجبني ذكاءه ، له ولد في الجامعة وولد في الصف العاشر، وبنت في الصف السابع، تعلمون أن هؤلاء الأولاد يحتاجون إلى مصروف يومي، ومصاريف أخرى كالعيد والمدرسة والكتب و..
هو قد أخبر أولاده: ماذا تريدون من المصاريف لمدرستكم ومشاوريكم أنا جاهز ، ولكن لا أعطي لأحدكم مصروفاً إلا بعد صلاة الفجر، إذا أحب وأنا راجع من صلاة الفجر يخبرني أنا أعطيه أما غير ذلك فأنا لا أعطيه ، هذا الكلام للبنت.
أما للأولاد الشباب أخبرهم: أنا لا أعطي أحداً المصروف إلا إذا سألني وأنا راجع من صلاة الفجر ولكن بشرط أن يكون في طريق العودة من الصلاة وماذا يطلب أنا أعطيه، أما غير ذلك فأنا آسف.
فإن كان ابنه يحتاج إلى ألف ليرة من أجل أشياء تلزمه في دراسته الجامعية، يجب أن يستيقظ على صلاة الفجر ويذهب للمسجد، من أجل أن يطلب من أباه وهو راجع من صلاة الفجر ويقول له : والدي أنا بحاجة إلى ألف ليرة، فيجيبه : طيب هذه جاهزة تفضل.
لأنه إذا وصل والده إلى البيت لا يعطيه شيئاً، انتهى وقت طلب المصروف.  
أما إذا طلب منه الساعة السابعة صباحاً أو قبل قليل أو بعد. يعتذر منه .
حفظه الأولاد، أن أبانا لا يعطينا إلا بعد صلاة الفجر.
هذا الأب ذكي، أراد أن يوقظ أولاده على صلاة الفجر، أراد أن يأخذهم إلى صلاة الفجر، وجد هذه الطريقة، فأنت أيضاً ابحث عن طريقة تجعل منها أولادك من المصلين.
والله سعادة أحدنا إذا صار أولاد أولاداً صالحين، تعادل الدنيا جميعها، إذا كان ولدك صالحاً تعادل الدنيا وما فيها من مال وعز وجاه، وإذا كان أحدهم ابنه فاجراً والعياذ بالله، والدنيا كله إذا كانت بيده لن تعادل في نظره شيئاً ستسودّ في عينه.
{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}.

 

النظرة الثالثة:
انظر الآية تتحدث عن الدِّين والصلاة ثم يقول الله عزوجل {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} ما دخل الصلاة بالرزق؟
من أجل أن لا يقول أحدهم: أنا أعمل أثنا عشرة ساعة أو أكثر أو أقل حتى آتي بالخبز والرزق للأولاد، فالله عز وجل أمر أن عملك : {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} أما رزق أولادك {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} نحن من يرزقك ويرزق أولادك، ولكن أنت عمل بدلالة أولادك على الخير، أما أن يقول أب أنا والله ليس عندي وقت وقتي كله للعمل فلا أستطيع أن أدلّ أولادي على الخير، أنا سآتيهم ما يتقومون به في الحياة.
رزق أولادك على الله، ابذل جهدك واعمل ما تستطيع ، ولا تنسى تربية أولادك ، ورزقك ورزق أولادك الله عز وجل سيبارك لك فيه.
ختام الآية يقول الله تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}.
الذي سيفوزون أخيراً هم أهل التقوى والصلاح ، وقالوا: من ضحك أخيراً ضحك كثيراً، قد ترى إنساناً فاجراً يضحك، ولكن ما يهمنا الذي يضحك أخيراً.
قد ترى إنساناً عاصياً يفعل السبع الموبقات وهو مسرور، وما يهمنا أن يكون مسروراً في النهاية، الله عز وجل يقول : {وَالْعَاقِبَةُ} الذي سيفوز في النهاية {لِلتَّقْوَى} وهناك آية أخرى تقول: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [القصص: 83].
هدف هذا الدرس في النتيجة أن يجلس كل أب فينا في كل يوم ساعة مع أولاده، رمضان مناسبة فأنت تجلس معهم على الإفطار والسحور، واجعل من وقتك أقل شيء ساعة مع أولادك تسمع منهم ويسمعوا منك.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.